«من عادى لي وليًّا فقد آذنتُه بالحرب»: والوليُّ هو العالمُ كما فسَّره ابن حجر
قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: إنَّ الله قال: من عادى لي وليًّا فقد آذنتُه بالحرب. قال الحافظ ابن حجر في شرحه: «المرادُ بوليِّ الله: العالمُ بالله، المواظبُ على طاعته، المخلصُ في عبادته».
البيانلقد مضى معنا كيف رفع الله المؤاخذة عن المخطئ والناسي بقوله: «قد فعلتُ»، وكيف زكّى نبينا ﷺ حملة العلم وعدّلهم، وكيف تبرأ ممن لا يَعرِفُ لعلمائنا حقهم قائلاً: «ليس من أمتي». والآن، بعد أن اتضحت تلك الأصول، قفوا وتأملوا ذروة السنام.. هذا الوعيد الإلهي المزلزل، الذي ترتجف منه الجبال الرواسي:
قال النبي ﷺ: «إنَّ الله قال: من عادى لي وليًّا فقد آذنتُه بالحرب». وقال الحافظ ابن حجر في شرحه: «المرادُ بوليِّ الله: العالمُ بالله، المواظبُ على طاعته، المخلصُ في عبادته».
فيا سبحان الله! ليس في الشريعة كلها وعيدٌ على ذنب بمثل هذا اللفظ المخيف: أن يُعلن الله جبار السماوات والأرض الحربَ بنفسه! لقد توعد الله العصاة بالحدود وبالنار، أما هنا فقال: «فقد آذنتُه بالحرب». بربكم.. هل رأيتم أو سمعتم بأحدٍ حارب الله فغلب؟ إن أكلة الربا لما توعدهم الله بمثلها فرّوا وارتعدت مفاصلهم.. فما بال المتوعَّد بحرب الله في أوليائه لا يفر من الوقيعة فيهم والنهش في أعراضهم؟
ثم اسمعوا جيداً من يُدخله الحافظ ابن حجر في اسم الولي: «العالم بالله، المواظب على طاعته...». فجعل العلماء العاملين في مقدمة هذا الباب. وهنا أصلٌ عظيم يجب أن تقفوا عنده: نحن لا نوزع صكوك الولاية بالتشهي، ولا نثبتها لكل مدعٍ، بل نثبتها لمن أثبتتها له أمة محمد ﷺ. فهذا الإمام الذي يتجرأ عليه الغالي لم يزكّ نفسه، بل زكّاه أهل العلم الثقات، وتلقت الأمة علمه بالقبول جيلاً بعد جيل. وشهادة الأمة العدل هي ميزان السماء في الأرض. فمن أجمع أئمة الهدى على صلاحه وعلمه، كيف يجرؤ نكرةٌ في آخر الزمان على نقض تزكية الأمة له؟
ثم انظروا إلى المفارقة العجيبة: الحافظ ابن حجر، الذي شرح للأمة حديثَ حرمة الأولياء وبيّن معالمه، هو نفسه الذي يبدّعه هذا "الحدادي" الغالي ويسقطه! شرح لهم سياج الحمى ليحتموا به، فكافأه الجاهل بأن جعله أولَ من يُطعَنُ فيه! ومثلُ هذا كمثل أحمق كسر المصباح الذي يستضيء به، ثم جلس يشكو من الظلام!
فإن انتفخ هذا الغالي وقال يبرر جريمته: "نحن إنما نتكلم فيمن ليسوا أولياء لله أصلاً!" فقولوا له: أتكذب شهادة الأمة وثقات علمائها؟ فالإمام الذي تتكلم فيه أفنى عمره في العلم بالله ونصرة سنة نبيه، وتطابقت شهادات أئمة زمانه ومن بعدهم على فضله وإمامته. ثم جئت أنت لتخرجه من الولاية بزلةٍ تأوَّل فيها، متناسياً أن الخالق العظيم قد رفع المؤاخذة عن المتأول المخطئ، ومتجاهلاً أن العالم المخطئ معذورٌ بل ومأجور! فإن لم يكن الإمام النووي والحافظ ابن حجر ومن سلك طريقهما، ممن زكاهم ثقات العلماء، من أولياء الله المتقين، فمن هو وليُّ الله في هذه الأمة إذن؟
واعلموا أن العداوة المذكورة في الحديث ليست ردَّ مسألةٍ علمية بدليلها؛ فقد تعقب العلماء بعضهم بعضاً وما صاروا أعداءً قط، ولم يُسقطوا من حقوق بعضهم شيئاً. إنما العداوة الحقيقية: بغض العالم، وتتبع عثراته بالمنقاش، والفرح بسقطته، والشماتة بزلته، وتحريض العوام عليه! فمن كانت هذه صنعته، فقد دخل في حربٍ مع قاهر السماوات والأرض؛ والمحارب لله مهزومٌ مقهور ولو طال به الزمن.
فيا عبد الله، إن عجزت عن نصرة أولياء الله، فلا أقل من أن تمسك سهامك عنهم! أتحاربه سبحانه في أحبابه الذين زكتهم الأمة، ثم تقف بين يديه في صلاتك تسأله النصر والتوفيق؟ من أراد السلامة فليدخل من بابها الأوسع؛ محبة أهل الله وورثة أنبيائه.
فإن لم تستطع، فالكفُّ عنهم. وأما حربهم.. فوالله ما اختارها أحدٌ قط ثم أفلح!
