رسالة إلى الحدادية · 17 من 89

«فقد باء بها أحدُهما»: التكفيرُ بغير حقٍّ يرتدُّ على صاحبه

قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: أيُّما امرئٍ قال لأخيه: يا كافرُ، فقد باء بها أحدُهما؛ إن كان كما قال، وإلا رجعت عليه. ومَن رمى مؤمنًا بكفرٍ فهو كقتله. وقال صلى الله عليه وسلم: لا يرمي رجلٌ رجلًا بالفسوق، ولا يرميه بالكفر، إلا ارتدّت عليه إن لم يكن صاحبُه كذلك.

البيانتدرجنا معاً ورأينا كيف عُذر المخطئ، وكيف زكّت الأمة علماءها، وكيف أُعلنت الحرب من قاهر السماوات على من عادى أولياءه. والآن.. قفوا لتروا هذا السلاح الفاسد الذي يشهره هذا الغالي، وكيف جعله النبي ﷺ حبل مشنقةٍ يلتف على عنق صاحبه.

قال النبي ﷺ: «أيُّما امرئٍ قال لأخيه: يا كافرُ، فقد باء بها أحدُهما؛ إن كان كما قال، وإلا رجعت عليه. ومَن رمى مؤمنًا بكفرٍ فهو كقتله». وقال ﷺ: «لا يرمي رجلٌ رجلًا بالفسوق، ولا يرميه بالكفر، إلا ارتدّت عليه إن لم يكن صاحبُه كذلك».

هذه الكلمة. إنها تخرج من فم صاحبها فلا تَسقُطُ على الأرض أبداً، ولا تضيع في الهواء.. بل متى أخطأت هدفها، استدارت لتهلك مطلقها! لم يكتفِ النبي ﷺ بتحريمها وتأجيل حساب صاحبها إلى الآخرة كبقية الكبائر، بل عجّل جزاءها في الدنيا. فمن أطلق التكفير أو التفسيق فقد رمى بسهمٍ لا يرجع فارغاً أبداً؛ إما أن يصيب، وإما أن يرتد في نحر صاحبه!

وتأملوا صيغة العموم: «أيما امرئ»، ثم صيغة الحصر القاطعة: «فقد باء بها أحدهما». إنها تعني أن الكلمة واقعةٌ على أحد الاثنين حتماً ويقيناً. ليس هناك احتمال ثالث! ليس هناك منطقة فراغ ينجو فيها الرامي إذا تسرع وأخطأ! فمن أطلقها بجهلٍ أو هوىً على إمام من أئمة المسلمين وزكّاه ثقات الأمة.. فليتصور بربه أين سيستقر السهم حين يخطئ مرماه!

ثم جعل النبي ﷺ الرمي بالكفر شبيهاً بإزهاق الروح: «فهو كقتله»! فاستباحة إيمان المسلم كاستباحة دمه تماماً. ومن هنا، أيقن أهل العلم الراسخون أن التكفير والتبديع باب دماءٍ وأرواح، لا باب مناظراتٍ وثرثرة مجالس! وأنه يحتاج من البينات القواطع ما يحتاجه القاضي قبل أن ينطق بالحكم بالقتل.

ثم زاد الصادق المصدوق ﷺ فأدخل التفسيق في الحكم ذاته: «لا يرميه بالفسوق ولا يرميه بالكفر.. إلا ارتدت عليه». وهنا.. يُغلق الباب المحكم على الغالي الذي يهرب إذا حوصر ليقول: "أنا لم أكفّره! أنا بدّعته فقط وفسّقته!" فنقول له: لقد أدركك الوعيد النبوي وسد عليك منافذ الهرب؛ فالوعيد يلحق الرمي بالفسق والبدعة تماماً كما يلحق الرمي بالكفر، إن لم يكن صاحبه كذلك. وقد علمنا يقيناً أن العالم المتأول المخطئ ليس بفاسق ولا مبتدع بل هو معذور ومأجور.

فاعرضوا هذا الحديث العظيم على من يطلق التبديع والتكفير والتضليل يمنةً ويسرة في المجالس والمقاطع، وقولوا له: يا مسكين! افترض للحظة واحدة، أنك أخطأت في رمية واحدة فقط من آلاف رمياتك! أين ترجع الكلمة؟ وأين يستقر السهم؟ إنه مستقرٌ في صدرك ودينك!

فإن استعظم أن يُقالَ له هذا في نفسه، فكيف استسهل أن يقوله في أئمة الدين وأولياء الله؟