الدرجة الثانية · أن تملك الميزان

الاحتياطُ في أيِّ الجهتين؟

أصولُ الدرء في التكفير والتبديع والحكم على المعيَّن

يرفع الخصم شعار «نحن نحتاط للعقيدة»، ويجعله مسوّغًا للتسرع في الحكم. وهذا قلبٌ للاحتياط عن جهته، وتحريرُه هو مفتاح هذا الباب كله.

فإن الاحتياط إنما يكون في الجهة التي مفسدةُ الخطأ فيها أعظم. ومفسدةُ الخطأ في تكفير مسلمٍ أو تبديعه أعظمُ من مفسدة التوقف عن تكفير من يستحقه؛ لأن الأولى يترتب عليها استباحةُ دمٍ وعرضٍ ومال، وقطعُ ولايةٍ وميراث، وإخراجُ مسلمٍ من الملّة أو من السنة بغير حق، وهو حكمٌ يرتدّ على قائله. وأما الثانية فغايتها تأخُّرُ حكمٍ ليس منوطًا بآحاد الناس أصلًا، ولا يفوت به على الأمة شيء؛ إذ بيانُ بطلان المقالة قائمٌ على كل حال.

فالاحتياط الحقيقي في هذا الباب هو الاحتياط في تركِ الحكم لا في إيقاعه. ومن جعل التسرّع احتياطًا فقد سمّى المخاطرة احتياطًا.

أمانةٌ علمية

تحريرُ قاعدة الدرء بالشبهة: لا تحتجّ بضعيف

يُستدل كثيرًا في هذا الباب بلفظ: «ادرؤوا الحدود بالشبهات». وتحريره لازم؛ فإن رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ضعّفه جمهور أهل الحديث، ولا يصح مرفوعًا بهذا اللفظ.

والثابتُ في الباب آثارُ الصحابة، ومنها قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لأن أُعطِّل الحدود بالشبهات أحبُّ إليّ من أن أقيمها بالشبهات. ونُقل نحوه عن عليٍّ وابن مسعود وغيرهما، وجرى عليه عملُ الفقهاء واستقرت به قاعدةٌ من قواعد الفقه المقررة.

فقل: قاعدةٌ مقررة عند الفقهاء مأخذُها آثارُ الصحابة. ولا تقل: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.

الأداة

سُلَّمُ الأَولى: إذا احتاط الشرع في الأدنى فالأعلى أحرى

وهذه الصيغة المنظَّمة التي تُبنى عليها فكرة الدرء، وهي قياسُ أَولى. تُصاغ على درجات، ويُختار منها ما يناسب المقام ولا تُحشَد كلها؛ فإن حشدها يُذهب أثرها.

من الحدّ إلى الدين

إذا كان الحدُّ، وهو عقوبةٌ دنيوية على فعلٍ ثابت، يُدرَأ بالشبهة، فالحكمُ بالكفر أو البدعة على معيَّن أَولى بالدرء؛ لأن أثره أعظم من أثر الحدّ، إذ يتعدى الدنيا إلى الدين، والبدنَ إلى الملّة.

من المال إلى الدم إلى الدين

إذا كان الشرع قد احتاط في المال حتى لا يُؤخَذ إلا ببيّنة، فاحتياطُه في الدم أعظم، وفي الدين أعظم من الدم؛ لأن الأديان أشرف المقاصد الخمسة.

من القتل الخطأ

إذا كان القاتل خطأً لا يُقتَل به وإنما تلزمه الكفارة والدية، فكيف يُجزَم بحكمٍ على معيَّن بمجرد لفظٍ محتمل أو نقلٍ لم يثبت؟

من أجر المجتهد المخطئ

إذا كان الحاكم المجتهد إذا أخطأ فله أجر، كما في الحديث المتفق عليه، فكيف يُجعَل خطأُ المجتهد في مسألةٍ موجبًا لإسقاطه وتبديعه؟

من النهي عن الظن

إذا كان الشرع قد نهى عن الظن في الأمور العادية فقال: ﴿اجتنبوا كثيرًا من الظن إن بعض الظن إثم﴾، فالظنُّ في التكفير والتبديع أشدُّ نهيًا وأعظم إثمًا.

من رفع المؤاخذة

إذا كان الله قد رفع المؤاخذة عن الخطأ والنسيان والإكراه فيما دون ذلك، فرفعُها فيما هو أعظم، وهو الحكم على القلوب والمآلات، أولى.

من اللعن إلى التكفير

إذا كان لعنُ المؤمن كقتله كما في الحديث، فتكفيرُه أشدُّ من لعنه؛ لأن التكفير يستلزم استباحة ما يستلزمه القتل وزيادة.

الأصول

ستُّ قواعد في الاستصحاب واليقين

اليقين لا يزول بالشك

وهي من القواعد الفقهية الكبرى. فإسلامُ المرء ثبت بيقين، فلا يرتفع إلا بيقينٍ مثله؛ ولا يُنقَض المتيقَّن بالمظنون ولا بالمحتمل. وكذلك سُنّيّةُ الرجل وعدالته إذا ثبتت باستقامةٍ ظاهرة لم تُنقَض بلفظٍ محتمل ولا بنقلٍ لم يُحرَّر.

الأصل بقاء ما كان على ما كان

فمن عُلم إسلامه واستقامته فالأصل بقاءُ وصفه حتى يقوم الناقل بشروطه؛ والمدّعي لخلاف الأصل عليه البيّنة.

العصمة الأصلية

الأصل في دم المسلم وماله وعرضه الحرمةُ والعصمة، لقوله صلى الله عليه وسلم: «كلُّ المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه». فلا تُستباح واحدةٌ منها إلا ببرهانٍ يقاوم أصل العصمة. ومن استباح العرض بالطعن والتصنيف فقد نقض هذا الأصل، ولو لم يقصد دمًا ولا مالًا.

إذا تطرَّق الاحتمال إلى الدليل بطل به الاستدلال

وهذه أمضى ما يُستعمَل في باب الدلالة؛ فمتى احتمل اللفظُ معنًى صحيحًا ومعنًى فاسدًا لم يصح الجزم بالفاسد إلا بقرينةٍ صريحة من كلام صاحبه نفسه. ولا يكفي أن يكون المعنى الفاسد ممكنًا، بل لا بد أن يكون متعيّنًا.

الحكم على الشيء فرعٌ عن تصوره

فمن لم يتصور قول المخالف على وجهه بشروطه وقيوده ومراد صاحبه به، لم يصح حكمه عليه أصلًا. وأكثرُ التبديع في هذا الباب واقعٌ قبل التصور، فهو حكمٌ على متوهَّمٍ لا على مقول.

لا يُنسَب إلى ساكتٍ قول

فالسكوت لا يُنشئ اعتقادًا ولا يُثبت موافقة، وله محاملُ كثيرة: من عدم البلوغ، وعدم الأهلية، وتقدير المصلحة، والاشتغال بما هو أهم، وانتظار التثبت.

الأدلة

ثمانيةُ نصوصٍ صريحة في الباب

أيّما امرئٍ قال لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما. وفي رواية: من دعا رجلًا بالكفر أو قال: عدوَّ الله، وليس كذلك، إلا حار عليه.

متفق عليه، وهو أصل الباب

ووجه الدلالة أن التكفير سهمٌ إن لم يصب المرمى ارتدّ على راميه؛ فهو البابُ الوحيد الذي يُعاقَب فيه المخطئ بعين ما رمى به. فمن لم يخف على نفسه فيه فقد أمِن مكر الله.

حديث أسامة بن زيد

لما قتل الرجل بعد أن قال لا إله إلا الله، قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «أقتلتَه بعد أن قال لا إله إلا الله؟» فقال: إنما قالها متعوذًا. فقال: «هلّا شققتَ عن قلبه؟» وكرّرها حتى تمنى أسامة أنه لم يكن أسلم قبل ذلك اليوم. ووجه الدلالة أن دعوى العلم بالباطن مردودةٌ ولو كانت القرينة قوية؛ فإن أسامة كان معه قرينةُ الحال في ساحة القتال ولم تُقبَل. فكيف بمن يستخرج نيّات الناس من مقاطعَ مبتورة؟

قصة حاطب بن أبي بلتعة

حين كتب إلى قريش يخبرهم بمسير النبي صلى الله عليه وسلم، فقال عمر: دعني أضرب عنقه فإنه قد نافق. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنه قد شهد بدرًا، وما يدريك لعل الله اطّلع على أهل بدرٍ فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرتُ لكم». وهذا من أجمع ما في الباب؛ ففيه ثلاثة أصولٍ مجتمعة: قبولُ عذر المتأول، واعتبارُ السوابق والحسنات في الحكم على المعيَّن، وردُّ الحكم بالظاهر المحتمل ولو كان الفعل في نفسه عظيمًا. ولو جرى فيه ميزان الغلاة لكان حاطبٌ منافقًا مستحقَّ القتل بنصّ فعله.

حديث الرجل الذي أمر بإحراقه

أوصى أهله أن يحرقوه ويذرّوه في الريح ظنًّا أن الله لا يقدر عليه، فغفر الله له. ووجه الدلالة أن الجهل قد يكون عذرًا حتى في مسألةٍ من أصول الاعتقاد لمن لم تبلغه الحجة على وجهها؛ فإذا جاز العذر ثَمَّ، فالعذر فيما دونه من دقائق المسائل أولى.

حديث صاحب الراحلة

الذي قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح. ووجه الدلالة أن اللفظ الكفري إذا صدر عن غير قصدٍ لم يؤاخَذ به صاحبه؛ فالعبرة بالقصد المعتبر لا بمجرد جريان اللفظ على اللسان.

حديث «لعنُ المؤمن كقتله»

وفيه تحريم اللعن ابتداءً، وهو أصلٌ في إبطال ما وقع من بعض الغلاة من لعن أئمة المسلمين.

حديث الاجتهاد المتفق عليه

«إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر». ووجه الدلالة أن الخطأ بعد بذل الوسع مأجورٌ عليه لا معاقَبٌ به؛ فمن جعل خطأ المجتهد موجبًا لإسقاطه فقد عارض النص.

آيات رفع المؤاخذة

قال تعالى: ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾، وقد قال الله: قد فعلت. وقال: ﴿وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم﴾. وهو أصلٌ عام يشمل الخطأ في القول والاعتقاد إذا لم يصحبه قصدٌ ولا إصرارٌ بعد البيان.

المآلات

خمسُ قواعد في الأثر والمآل

الخطأ في العفو أهون من الخطأ في العقوبة

وهو مضمون أثر عمر، ومعناه أن المفسدة المترتبة على التوقف الخاطئ أخفُّ من المفسدة المترتبة على الإيقاع الخاطئ.

درء المفاسد مقدَّم على جلب المصالح

فإذا كان في إيقاع الحكم على المعيَّن مصلحةٌ متوهَّمة ومفسدةٌ متيقَّنة، من تفريق الصف واستباحة الأعراض وتربية الشباب على التصنيف، قُدِّم الدرء.

العقوبة تُقدَّر بقدر الجناية

فلا يُقابَل الخطأ اليسير بالإسقاط الكلي، ولا الزلّةُ العارضة بالحكم على المنهج. ومن أوقع أعظم العقوبات على أدنى الأسباب فقد ظلم، وإن كان أصل الإنكار حقًّا.

الحكم على المعيَّن من فروض الكفايات

المنوطة بأهل العلم والنظر، لا من فروض الأعيان التي يتصدى لها كل أحد. وهو حكمٌ شرعي مردُّه إلى الله ورسوله، لا إلى الأذواق والانفعالات.

الوعيد المطلق لا يستلزم وقوعه على المعيَّن

فبين ثبوت الوعيد على الوصف وبين لحوقه بالشخص شروطٌ وموانع.

المثال الجامع

ابنُ مسعود والمعوذتان: أجلُّ مسألةٍ وأجلُّ رجل

هذا المثال أنفعُ ما في الباب كله، وهو وحده يهدم التصور الذي بُنيت عليه شبهة «تعذرون من أخطأ في حق الله». وسببُ قوته أنه يرفع المتغيّرين اللذين يحتجّ بهما الخصم إلى أقصاهما معًا: عِظَمَ متعلَّق الخطأ، وعُلُوَّ منزلة المخطئ. فإذا سلّم الخصم بصنيع الأمة هنا، سقطت دعواه في كل ما دونه.

ثبت أصل المسألة وصحّ الخبر، وهو من حديث زرّ بن حُبَيش أنه سأل أُبيَّ بن كعب فقال: إن أخاك ابن مسعود يقول كذا وكذا. فأجابه أُبيٌّ بأنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهما، وأنه يقول فيهما كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. وجاء في بعض الطرق والشروح أن ابن مسعود كان لا يُثبت المعوذتين في مصحفه، وأنه ظنّ أنهما ليستا من القرآن؛ لأنه لم يسمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ بهما في الصلاة. ولم يتابعه أحدٌ من الصحابة، وثبتت قرآنيتهما بالنقل المتواتر وإجماع المسلمين.

مسلكا أهل العلم في هذه الروايات

إثباتُ أصل الرواية

ثم حملُ موقفه على اجتهادٍ أو شبهةٍ قامت عنده، وأنه لم يبلغه من الدليل ما بلغ غيره من الصحابة.

إنكارُ صحة ما نُسب إليه أصلًا

وإليه ذهب ابن حزم والنووي والباقلاني، وقرروا أن ما نُقل عنه في إنكار قرآنية المعوذتين لا يصح.

فتأمّل خطورة ظاهر المسألة: الكلام هنا ليس عن تأويل صفةٍ واحدة، بل عن روايةٍ ظاهرُها عدمُ إثبات سورتين من كتاب الله في المصحف الشخصي. ومع ذلك لم يقل أهل السنة: لقد أنكر ابن مسعود القرآن، فيُسقطوا صحبته وإمامته، ويمحوا فضائله، ويحوّلوه إلى مادةٍ يومية للتشنيع. بل جمعوا الروايات، ونظروا في ثبوتها، وبحثوا عذره وتأويله، وحفظوا له منزلته في الإسلام والعلم والجهاد وصحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ولم يكفّره أحدٌ من الصحابة، ولا أحدٌ من أهل العلم الذين يُثبتون هذه الرواية. ولم يقل أحدٌ منهم: إن حفظ حق ابن مسعود تهاونٌ في القرآن، أو إن التماس وجهٍ صحيح لموقفه تقديمٌ لحرمة الصحابي على حرمة كلام الله. فالقرآن أعظم من ابن مسعود ومن كل أحد؛ ومع ذلك لم يجعل العلماء تعظيم القرآن ذريعةً إلى ظلم صحابيٍّ جليل أو محوِ تاريخه.

قلبُ الشبهة على أصحابها

فيقال للخصم: إن كان مجردُ صدور قولٍ عظيمٍ في متعلَّقه كافيًا لإسقاط قائله، من غير نظرٍ في علمه واجتهاده وما بلغه من الدليل، فماذا أنتم صانعون بعبد الله بن مسعود؟

  • إن أسقطتموهفقد خالفتم الصحابة وأهل العلم جميعًا، ولم يسبقكم إلى ذلك أحد.
  • وإن راعيتم منزلته واجتهاده واحتمال عدم بلوغ الدليلفقد سلّمتم بالأصل نفسه الذي تنكرونه علينا حين ننزّله على أئمة المسلمين.
  • ولا مخرج لكم من هذينإلا بميزانين: ميزانٍ لابن مسعود وميزانٍ لغيره. وهو عين ما تنكرونه علينا.
الإلزامات

خمسٌ تُقلَب بها دعوى «الاحتياط للعقيدة»

احتياطُك في الجهة الخطأ

فالاحتياط يكون في الجهة التي مفسدةُ الخطأ فيها أعظم، ومفسدةُ تكفير مسلمٍ أعظم من مفسدة التوقف. فقد سمّيتَ المخاطرة احتياطًا.

أنت تحتاط بخلاف احتياط الشارع

فالشرعُ نفسه سنّ الدرء بالشبهة في الحدود وهي أخفُّ أثرًا. فأنت تتشدد حيث سامح، وتسامح حيث شدّد.

تحتجّ بحديث «باء بها أحدهما» على غيرك ولا تُعمله في نفسك

فإن كان الوصف حقًّا في المرمِيّ فقد أصبت، وإن لم يكن فقد رجع عليك. فهل قدّرتَ هذا الاحتمال قبل أن ترمي؟

الاحتياط للعقيدة يتحقق كاملًا ببيان بطلان المقالة

والتحذيرِ منها بالدليل، من غير حاجةٍ إلى الحكم على المعيَّن. فلو كان مقصودك حماية العقيدة لكفاك الأول؛ فلما أصررتَ على الثاني عُلم أن المقصود الشخصُ لا المقالة.

وما ميزانك في الاحتياط؟

فإنك تُعمله في حق خصمك ولا تُعمله في حق حليفك إذا وقع في نظير ما وقع فيه. فإن اطردتَّ سقط أصحابك، وإن لم تطرد فليس عندك احتياطٌ أصلًا بل انتقاء.

الحدود

ستةُ ضوابط تمنع انقلاب هذا الباب إلى تمييع

وهذا الباب سلاحٌ ذو حدّين؛ فإن أُطلق بلا ضابطٍ صار حجةً لمن يريد إبطال أحكام الشرع في أهل البدع. فيلزم في استعماله ستةُ ضوابط لا يسقط منها ضابط.

الدرء في المعيَّن لا في المقالة

فحكم القول يُقرَّر جزمًا بلا تليين، ويُسمّى الباطل باطلًا والبدعة بدعة؛ وإنما يقع الدرء في تنزيل الحكم على الشخص.

الشبهة المعتبَرة قائمةٌ على دليل

أو احتمالٍ معتبَر، لا مجردَ الاحتمال العقلي البعيد. فليس كلُّ ما خطر بالبال شبهةً تُدرَأ بها الأحكام، وإلا لتعطلت الشريعة كلها.

الدرء لا يمنع التحذير المشروع بقدره

فيُحذَّر من القول المعيَّن بلفظه، ويُبيَّن وجه بطلانه، ويُنصَح من يُخشى عليه، من غير إسقاطٍ للشخص ولا امتحانِ الناس به.

الدرء لا يعطّل الحكم إذا اكتملت البيّنة

فمن قامت عليه الحجة وأصرّ بعد البيان وتحقق فيه المناط، فالحكم يقع بشروطه ولا يُدفَع بدعوى الاحتياط. فالبابُ بابُ تثبّتٍ لا بابُ تعطيل.

لا يُستعمَل في الدفاع عن مقالةٍ صريحة

في الكفر أو البدعة، ولا في نصرة قائلها على من ردّ قوله. فمن فعل ذلك فقد استعمل أصول أهل السنة في نقض مقاصدها.

ومن استعمله لنفسه ومنعه عن مخالفه

فقد نصب ميزانين، وسقط استدلاله به كما يسقط استدلال الخصم. فالباب يُؤخَذ كله أو يُترَك كله.

فقد ثبت من القرآن والسنة وعمل الصحابة ثلاثةُ أمورٍ مجتمعة: أن العذر قد يقوم في خطأٍ متعلَّقُه حقُّ الله؛ وأنه قد يقوم في خطأٍ متعلَّقُه حقوقُ المخلوقين مهما بلغت خطورته؛ وأن المؤاخذة قد تقع في هذا وفي ذاك إذا انتفت الأعذار وقامت الحجة.

فمن جعل عِظَمَ المتعلَّق وحده مناطًا للحكم على المعيَّن، فقد نصب مناطًا لم ينصبه الشرع، وخالف صنيع الأمة في أجلِّ مسألةٍ وأجلِّ رجل.