ليس كلُّ ما أفسده الغلوّ عقيدةً. من أعجب ما صنعه أنه أخذ أبوابًا فقهيةً دقيقة، بناها أئمة الإسلام على شروطٍ ومقاصد وموازين، فنزع منها شروطها وأبقى أسماءها. فبقيت الألفاظ وذهبت المعاني.
وأنا واقفٌ بك على ثلاثة منها: علمٌ نشأ لحماية الرواية فصار رخصةً لكل متصدر، ودواءٌ شرعيّ صار امتحان انتماء، وكتبٌ تفاوتت مراتبها فصارت بين مقبولٍ بكل شيء ومحروق.
علم الجرح والتعديل علمٌ دقيق، نشأ لحماية الرواية وتمييز أحوال النَّقَلة، وله أئمةٌ ومصطلحاتٌ ومناهجُ وسياقات. لا يجوز تحويله إلى رخصةٍ عامة لكل متصدر كي يطعن في الدعاة والعلماء، ولا تحويل حسابات المقاطع إلى مجالس جرحٍ وتعديل.
ومن استعار لفظًا من كتب الرجال لا يكتسب به علمَ أئمة الرجال. فليس من قال «فلانٌ متروك» صار كيحيى بن معين، كما أن من قال «هذا حديثٌ ضعيف» لم يصر بها محدِّثًا. الألفاظ تُستعار، والآلة لا تُستعار.
والجرح المفسَّر يُقدَّم عند تحقق شروطه، وليس معناه أن كل اتهامٍ مفصَّل صحيح، ولا أن كل جارحٍ معصوم. يُنظَر في أهلية الجارح، ومعرفته بسبب الجرح، وثبوت الواقعة، وصحة تفسيرها، وخلوّ كلامه من الهوى والمنافسة وسوء الفهم، ومقابلته بتعديل الأئمة، ونوع الجرح وأثره. وقد يفسّر الجارح جرحه بواقعةٍ صحيحة ثم يخطئ في جعلها قادحة؛ فلا تكفي زيادةُ الكلمات لصناعة حكمٍ صحيح.
وكلام الأقران بعضهم في بعض يُقرأ بحذر؛ لأن المنافسة العلمية أو اختلاف الاجتهاد أو حدّة الطبع قد تؤثر في العبارة. فلا يُطرَح كلُّ نقدٍ بين الأقران، ولا يُقبَل كلُّه بلا ميزان. تُجمَع الشهادات، وتُفهَم أسباب الخصومة، ويُفرَّق بين النقد العلمي والانتقاص، ثم يُعرَض الجميع على سيرة الشخص ومنجزه وموقف أهل العلم منه واستقرار الحكم عليه.
وما النقد المشروع للمتصدر المعاصر؟
- هذا النقل مبتور، وهذا موضع البتر.
- هذا الإلزام باطل، وهذه مقدمته الساقطة.
- هذه القاعدة تكفيرية، وهذه ثمرتها.
- هذا المنهج يفرّق الناس، وهذا أثره الواقع.
- هذا المتصدر غير مؤهَّل لهذا الباب، وهذا وجه نقص أهليته.
- وكلُّ ذلك متى قامت المادة الدالّة عليه.
- عيوبه الخاصة.
- أسرته وشأنه المنزلي.
- شكله وهيئته.
- صوته ولهجته.
- ظنون النيات وما في القلوب.
- فالشخصنة الضعيفة تصرف القارئ عن الجريمة العلمية الكبرى: فسادِ الأصول التي يربّي عليها الناس.
فإذا ثبت أن متصدرًا يكرّر البتر، ويستعمل التبديع باللازم، ويهدم الأئمة، ويصنع امتحانات ولاء، ويكفّر بالاحتمال، فليس وصفُ منهجه بالغلو شخصنة. هذا نقدٌ مباشر لوظيفته العامة التي يتصدر بها للناس.
والصمتُ عن نمطٍ ثابت بحجة الأدب ليس عدلًا، بل تركٌ للناس أمام خطابٍ مفسد. فالأدب يمنع الكذب والسباب، ولا يمنع تسمية الغلو غلوًّا، والجهل جهلًا، والتناقض تناقضًا.
الهجر في الشرع دواءٌ لا حدّ، ومصلحتُه منوطةٌ بأثره، فهو من باب السياسة الشرعية التي تدور مع المصلحة وجودًا وعدمًا. وليس حكمًا آليًّا يترتب على كل خطأ، ولا علامةَ إيمانٍ ثابتة يُمتحَن بها الناس.
ولو كان حدًّا لَما اختلف باختلاف الأحوال. أرأيتَ الطبيب يصف الدواء لكل مريضٍ بمقدارٍ واحد؟ فإن فعل قتل بعضهم بما شفى به بعضًا.
ضوابطه الستة
أن يثبت الموجِب أولًا ثبوتًا تامًّا
بشروط الحكم على المعيَّن. فلا هجر قبل الحكم، ولا حكم قبل البيّنة. ومن هجر قبل أن يثبت عنده شيء، فقد عاقب على وهم.
أن يكون الهاجر أهلًا
فالهجر من مقامات أهل العلم والولاية، لا من آحاد الناس، ولا يُترَك لكل من قرأ منشورًا فظنّ أنه صار قاضيًا.
أن تُرجى مصلحتُه
فإن كان يزيد المهجور تمسكًا، أو يوسّع الشقاق، أو يفتن العامة، سقطت مشروعيته، وصار الإبقاء على الصلة والنصح أولى. فالمقصود الإصلاح، فإذا انعكس المقصود بطلت الوسيلة.
أن يكون بقدره
فلا يتعدى إلى من لم يثبت في حقه شيء: لا إلى الأهل والولد، ولا إلى من قرأ له، ولا إلى من سكت عنه. والعقوبة لا تتعدى صاحبها.
أن يُفتَح معه باب رجوع
يحفظ كرامة المهجور. فالهجر الذي لا مخرج منه عقوبةٌ لا دواء، وهو أقرب إلى الانتقام منه إلى النصح.
أن يُفرَّق بين هجر التأديب وهجر الوقاية
فالأول يُقصَد به زجر المهجور نفسه، والثاني يُقصَد به حماية من يُخشى عليه. وأحكامهما مختلفة، ومن خلطهما أخطأ في الاثنين.
والتحذير من قولٍ أو شخصٍ مشروعٌ عند الحاجة، لكنه يُقدَّر بقدرها. فالمقصود حماية الدين والناس، لا صناعةُ شهرةٍ للناقد ولا إبقاءُ الجماعة في تعبئةٍ دائمة. يُبيَّن الخطأ الذي يهدد السائل، ويُذكَر من حال صاحبه ما تحتاجه الوقاية، ولا يُحوَّل كلُّ جوابٍ إلى ملفٍّ شخصيّ شامل لا علاقة له بالسؤال.
والكتب ليست درجةً واحدة، وهذا هو أصل الخلل عندهم.
كتابٌ يغلب عليه الحق والنفع وفيه أخطاء محدودة
فهذا يُنتفَع به ويُبيَّن خطؤه. وهذه حال جمهور كتب الأئمة التي بُنيت عليها علوم الأمة.
كتابٌ أُقيم على أصلٍ بدعيّ مفسد ويقود القارئ إليه
فهذا يُحذَّر منه بحسب حال القارئ. والفرق بينه وبين الأول ليس في وجود الخطأ، بل في كون البناء كله قائمًا عليه.
كتابٌ مختلط
يحتاج إلى طالبٍ مؤهَّل وتعليقِ عالم. فلا يُدفَع إلى مبتدئ، ولا يُمنَع من متمكّن.
ولا يجوز مساواة شرح صحيح مسلم وفتح الباري وكتب أئمة الفقه بكتب الإلحاد أو البدع المحضة أو كتب علم الكلام؛ لأن هذه المساواة نفسها شهادةٌ على انهيار ميزان صاحبها وجهله بمحتوى هذه الكتب. ويبدو أنه جمع الأخطاء وترك الخير الكثير الذي انتفعت به الأمة وعلّمته على مدار القرون.
وإحراقُ العلم المعنويّ يكون بإقناع الشباب أن كل كتابٍ لمؤلفٍ أخطأ في العقيدة كتابُ ضلال. وهذه القاعدة لو طُردت أفقرت المكتبة الإسلامية، وأغلقت أبوابًا من الحديث والفقه واللغة والتاريخ. وأهل السنة ينتفعون بالحق من قائله، ويحذّرون من الباطل في موضعه، ولا يشترطون العصمة في كل من يأخذون عنه.
والترحّم على المسلم لا يساوي تصحيح جميع أقواله. الدعاء له بالرحمة بابٌ، والحكم على خطئه بابٌ آخر. وقد ترحّمت الأمة على علماء وقعوا في تأويلاتٍ وبدعٍ جزئية مع بقاء نقدها لأقوالهم. ومن بدّع المُترحِّم على إمامٍ مسلم فقد جعل لفظ الرحمة امتحانًا حزبيًّا، وشرَع من عنده بابًا في الولاء والبراء.
وذكرُ محاسن العالم عند الحكم العام عليه ليس تمييعًا. قد يقتصر المحذِّر في مقامٍ ضيّق على موضع الخطر إن لزم الأمر، لكن إذا كانت المحاسن تغيّر صورة الشخص وحكمه فلا يجوز كتمانها. والفرق بين التحذير من فقرةٍ خاطئة وبين الترجمة لرجل، وبين حماية عاميٍّ من كتاب وبين البحث العلمي في منزلته، فرقٌ يجب حفظه. والحدادية تمحو اختلاف المقامات، ثم تجعل الاقتصار على المساوئ دينًا عامًّا؛ وهنا يقع الظلم.
والأصل عند أهل السنة أن العمل الجماعي وسيلةٌ لا غاية، تُقوَّم بمقاصدها وآثارها وموافقتها للشرع، لا تُقدَّس ولا تُشيطَن على الإطلاق. فمن الخطأ جعلُ الانتساب إلى جماعةٍ بذاته موجبًا للتبديع، كما أنه من الخطأ جعلُه عاصمًا من النقد.
والخطاب الحدادي يقع هنا في خطأين متقابلين يجمعهما أصلٌ واحد هو التصنيف. الأول أن يُحوَّل كلُّ عملٍ جماعي إلى «حزبية» موجبةٍ للحكم، فيُبدَّع الرجل بانتسابٍ لا بقولٍ ولا باعتقاد، وهذا حكمٌ بالهوية لا بالبيّنة. والثاني أن يُبنى للجماعة الخاصة استثناءٌ لا يُعطى لغيرها، فتُطبَّق قاعدة التحزيب على الآخرين وتُرفَع عن الدائرة القريبة. ويُكشَف الأمران باختبارٍ واحد: اعرض القاعدة نفسها على الدائرة القريبة؛ فإن لم تُطبَّق فليست قاعدة.
وأما الفتوى المؤسسية، وهي ما يصدر عن الهيئات والمجامع واللجان العلمية، فحقيقتها اجتهادٌ جماعي، وهي في الجملة أقوى من اجتهاد الفرد؛ لأن المسألة تُعرَض على جماعةٍ من أهل النظر فتُنقَّح وتُراجَع، ولأن الخطأ فيها أبعد من خطأ المنفرد. وليست معصومةً ولا يُمنَع نقدُها بالحجة.
لكنّ العجيب في خطاب الغلاة أنهم يستدلون بها إذا وافقتهم، ويسقطونها إذا خالفتهم، ثم يقدّمون عليها اجتهاد متصدّرٍ واحد لا يبلغ معشار أهلها. وهذا انتقاءٌ للمرجعية بحسب النتيجة، وهو من أظهر ما يُلزَمون به.
وهذه حجةٌ تجمع أبواب هذا الفصل كلها في كلمة. الشريعة لم تصل إلى الأمة إلا بنقل العلماء جيلًا عن جيل؛ فأئمة الحديث والفقه إسنادُ الأمة إلى وحيها. بهم حُفظت الدواوين، وشُرحت النصوص، وضُبطت معاني الألفاظ.
فمن جعل إسقاط النَّقَلة صناعةً دائمة لم يقف ضرره عند الأشخاص؛ إنه يقطع القناطر التي عبرت عليها السنةُ إلى الناس، ويورث العامة الشكَّ في المحمول بعد إسقاط الحامل.
وهذا مسلكٌ عتيق لأهل البدع: ما وصل أحدٌ إلى إبطال المنقول إلا من طريق الطعن في ناقليه. والحدادية تعيد إنتاجه في بيت السنة نفسه: تُسقط شرّاح الصحيحين ثم تدعو إلى إحراق شروحهما. فأيُّ خدمةٍ للسنة تبقى بعد هدم قناطرها؟
وضابطُ هذه الحجة أنها لا تجعل العلماء فوق النقد، ولا تصادر تصحيح الخطأ بدليل. محلُّها من جعل الإسقاط حرفةً والتجريح ديدنًا، لا من ردّ خطأً معيَّنًا بحجته.
ثلاثة أبوابٍ أُخذت من أهلها. علمٌ للرواية صار سلاحًا، ودواءٌ للإصلاح صار امتحانًا، وكتبٌ للأمة صارت حطبًا.
وما ضاع بابٌ من أبواب الشرع إلا حين نُزعت منه شروطُه وبقي اسمُه. فردَّ الشروط تردّ الباب.
