الدرجة الثانية · أن تملك الميزان

سبعة حقوق للعالم

كيف يُرَدُّ الخطأ وتُحفَظ الإمامة في نفَسٍ واحد

الإمامةُ العلمية منزلةٌ تثبت بسعة العلم، وصحة القصد، وخدمة الدين، وشهادة أهل الاختصاص، وانتفاع الأمة، ودوام الأثر. ليست الإمامةُ عصمةً، وليست العصمةُ شرطًا فيها.

ولو كانت الزلّة تُسقط الإمامة لما بقي إمامٌ بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولصار تاريخ العلم سلسلةَ إعدامات لا سلسلةَ تراكمٍ وتصحيح. فتأمّل: أيُّ أمةٍ هذه التي كل من علّمها كان ضالًّا؟ وأيُّ دينٍ هذا الذي لم يصل إلينا إلا بأيدي المطرودين؟

القاعدة الجامعة

سبعةٌ مجتمعة، لا يسقط منها واحد

إذا تكلمتَ على عالمٍ ثبتت إمامته، فاجمع له سبعة حقوق، ولا تُسقِط منها واحدًا. فإن أسقطتَ الأول ظلمتَه، وإن أسقطتَ الرابع خنتَ العلم، وإن أسقطتَ السابع سلّمتَ الميدان لمن يهدم.

أن تسمّيه بمنزلته العلمية بلا تردد

فلا تنزع عنه الإمامة إرضاءً للغلاة، ولا تُخفض اللفظ إلى «يُعدّه بعضهم» و«اشتهر عند فريق». فإن اللقب حكمٌ، وخفضُه حكمٌ آخر يحتاج دليلًا.

أن تنفي عنه العصمة صراحةً

حتى لا تتحول المحبة إلى تقديس، ولا يصير الرجل مقياسًا يُوزَن به الدليل. فالحق يُعرَف بالدليل، والرجال يُعرَفون بالحق.

أن تحرّر الخطأ المنسوب إليه وتعيّن موضعه

فلا يُنسَب إليه مذهبٌ كامل بسبب عبارة، ولا تُطلَق العبارة المبهمة «له أخطاء». إن كان السؤال عن خطأ محدد فسمّه واشرح وجهه.

أن تردّ الخطأ بالدليل وبألفاظٍ واضحة

فلا تستر الباطل تحت فضل صاحبه. ومن سكت عن خطأ إمامٍ حبًّا له فقد جنى على الإمام قبل أن يجني على الحق؛ إذ جعل الرجل حجةً على الدين.

أن تفسّر إمكان وقوع الخطأ منه

بأسباب الاجتهاد والتأويل وعدم بلوغ الدليل واختلاف الاصطلاح ونحو ذلك، من غير ادّعاء علمٍ بباطنه. فالتفسير غير التبرير، وبيان السبب غير تصحيح النتيجة.

أن تحفظ فضله وسابقته وكتبه النافعة

وتبيّن كيفية الانتفاع بها مع الحذر من موضع الخطأ. فلا يُترَك بحرٌ من أجل قذاة، ولا يُشرَب من القذاة لأن حولها بحرًا.

أن تنقض الطريقة التي تجعل الزلّة هوية

وتبيّن أن هدم العالم ليس من لوازم نصرة العقيدة. فهذا الحق السابع هو الذي يحمي الحقوق الستة قبله؛ إذ لا يكفي أن تُنصف، بل يجب أن تكشف آلة الظلم حتى لا تعود.

تحرير المصطلح

العصمة، والإمامة، وتلقّي الأمة

العصمة للنبي صلى الله عليه وسلم فيما يبلّغ عن ربه. وأما العلماء حتى الصحابةُ فيصيبون ويخطئون، وتتفاوت أخطاؤهم. ونفيُ العصمة عن العالم يمنع تقديسه، لكنه لا يبيح احتقاره.

والحدادي يستعمل عبارة «ليس بمعصوم» بوصفها معولًا لهدم المنزلة. وهي عبارةٌ حقّ، لكن معناها الصحيح جوازُ ردّ الخطأ بالدليل مع بقاء الحقوق الأخرى كلها. فانظر كيف تُؤخذ الكلمة الصحيحة فتوضع في غير موضعها، فتصير أداةً للباطل وهي من ألفاظ الحق.

وأما الإجماع الصحيح فحجةٌ قاطعة يجب الجزم بها. فإذا تقرر إجماع الأمة على إمامة عالم، قيل: أجمعت الأمة على إمامته. ولا يُستبدَل بهذه العبارة «اشتهر عند بعض الناس» أو «يعدّه فريقٌ إمامًا». ولا يجوز أن يتحول الاحتياط في توثيق اقتباسٍ جزئي إلى تشكيك في إجماعٍ ثابت؛ فالتثبّت من لفظٍ منقول بابٌ، والجزم بالحكم المُجمَع عليه بابٌ آخر.

وتلقّي الأمة للعالم وكتبه بالقبول عبر القرون ليس تصويتًا عاطفيًّا ولا عادةً موروثة. هو شهادةٌ مركّبة من عمل المحدّثين والفقهاء والمفسّرين والمدرّسين والقرّاء، ومن دوام الانتفاع مع معرفة النقّاد بمواضع الخطأ.

فحين تستعمل الأمةُ كتابًا في التعليم والفتوى والعبادة أجيالًا، ويُثني عليه أئمتُها، ويصحّح بعضُهم بعضًا في جزئياته، فإن هذا التلقي يُثبت الإمامة وينقض دعوى أن صاحبه كان رأسَ ضلالةٍ خفي على الجميع.

ولا تجعل التلقي عصمةً لكل سطر؛ فالحجة في الدليل، وقد يجتمع قبول الكتاب مع نقد مواضع منه. لكن من يريد هدم التلقي كله بدعوى أنه وحده اكتشف بدعة المؤلف، يُطالَب بتفسير هذا الاستمرار العلمي: كيف عرف الأئمة أخطاء الرجل، وردّوها، واستمروا مع ذلك في وصفه بالإمامة والانتفاع بكتبه؟ والجواب أن ميزانهم أوسع وأعلم من ثنائية الغالي.

ومراتب الناس محفوظة. فالإمام المجتهد ليس كطالبٍ مبتدئ، والعالم صاحب السابقة ليس كالداعية المُمحَّض للبدعة، والمخطئ في مسألة ليس كمن جعل الخطأ مشروعًا، ومن نصر السنة في عامة أبوابها ليس كمن حارب نصوصها. وإلغاءُ المراتب ليس مساواةً شرعية؛ إنه ظلمٌ يُسوّي بين المختلفات.

التطبيق

ملفّاتٌ مفتوحة: كيف تُطبَّق الحقوق السبعة؟

الإمام النووي

يحيى بن شرف النووي إمامٌ من أئمة الإسلام، محدّثٌ فقيهٌ مصنّفٌ مربٍّ، أجمعت الأمة على إمامته. شرح صحيح مسلم، وصنّف رياض الصالحين والأربعين والأذكار والمجموع ومنهاج الطالبين، فصارت كتبه جزءًا من تعليم الأمة وعبادتها وفقهها. وله تأويلاتٌ وأخطاء في باب الصفات، كما أشار الذهبي بقوله «وربما تأوّل قليلًا»، وتُردّ هذه الأخطاء بلا تردد؛ فمذهب السلف إثباتُ ما أثبته الله لنفسه وما أثبته له رسوله من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل. ولا يصح جعل حفظ مقامه دفاعًا عن التأويل، كما لا يصح جعل ردّ التأويل ذريعةً لسبّه واتهامه بالباطل. والحكمان معًا: التأويل المعيَّن خطأ، والنووي إمامٌ مجتهد معذورٌ في خطئه.

الحافظ ابن حجر العسقلاني

إمامٌ في الحديث، شارحُ صحيح البخاري، صاحب الأثر العظيم في الرواية والدراية والتراجم والعلل. وفتح الباري من أعظم شروح السنة التي انتفعت بها الأمة. له تأويلاتٌ وموافقاتٌ للأشاعرة في مواضع، وتُردّ بما يوافق طريقة السلف؛ ولا تُنسَب إليه بسببها كلُّ مقالات المتكلمين، ولا يُجعَل خطؤه في بابٍ تعريفًا له في جميع الأبواب. والقول بهجر فتح الباري مطلقًا أو حرقه يكشف فساد قاعدة الغالي أكثر مما يضرّ الكتاب؛ فمن طبّق هذا الأصل أغلق على نفسه أبوابًا واسعة من شرح الحديث والفقه واللغة والتراجم، ثم اضطر إلى الانتفاع بما نقله العلماء من الكتاب من حيث لا يشعر.

الإمام أبو حنيفة

النعمان بن ثابت إمامٌ سنيٌّ مجتهد، وأحد الأئمة الأربعة، أجمعت الأمة واستقرت على إمامته وتلقّت مذهبه بالقبول. لا يجوز تبديعه ولا تكفيره ولا تفسيقه، ولا استعمال نقول الخصومة القديمة لمحو حكم الأمة المستقر. والنقول عنه تحتاج فهم الاصطلاح وتاريخ الرواية؛ فما وُصف بالإرجاء في بعض كلام المتقدمين لا يُسوَّى بإرجاء الجهمية، ولا تُحمَل كل رواية على أسوأ معنى. ومن زعم أن الأمة ضلّت قرونًا في تعظيمه حتى جاء هو ليكشف حقيقته، فقد قدّم دعوى تهدم الثقة بتاريخ العلم كله؛ ولو كان ميزانه صحيحًا لسبق إليه الأئمة الذين عرفوا أخباره وخلافه أكثر منه.

شيخ الإسلام ابن تيمية

إمامٌ مجتهد من كبار أئمة أهل السنة، أجمع العلماء على إمامته وفضله، وشهد بذلك الموافقون والمخالفون، لما ثبت من سعة علمه وقوة نصرته للكتاب والسنة وردوده على الفلاسفة والمتكلمين والباطنية. ومنهجه ليس مجموعة عباراتٍ شديدة تُنتزَع من سياقها؛ فمن أصوله جمعُ النصوص، والتفريق بين القول والقائل، ورفعُ الملام عن الأئمة، واعتبار التأويل والجهل وعدم بلوغ الدليل، ومنعُ التكفير المطلق من أن يتحول آليًّا إلى تكفير معيَّن، ومراعاةُ المصلحة في الهجر والإنكار. فمن اقتطع شدّته وترك هذه الأصول، فقد استعمل اسم ابن تيمية ضد منهج ابن تيمية.

ابن القيم والذهبي وأئمة التراجم

ابن القيم إمامٌ في التفسير والحديث والفقه والسلوك، ومن قواعده النافعة أن صاحب الفضل والخبرة لا تُهدَر محاسنه كلها بسبب خطأ، وأن الحق يُقبَل ممن جاء به والباطل يُردّ على من جاء به. والذهبي إمامٌ ناقد، وطريقته في السير والتراجم مدرسةٌ في الجمع بين بيان الخطأ وحفظ الرتبة: يترجم للرجل فيذكر علمه وصدقه وعبادته وبدعته أو زلّته، ولا يحوّل الملاحظة العقدية إلى ممحاةٍ لبقية الحقيقة. وهذه الطريقة التطبيقية أبلغُ ردٍّ على من يزعم أن ذكر الفضل مع الخطأ اختراعٌ للمميّعين. فمن لا يفهم اجتماع الأوصاف لا يفهم لغة النقّاد.

ابن حزم وابن الجوزي والبيهقي والغزالي والجويني والعزّ والسيوطي

ابن حزم إمامٌ واسع العلم قويّ النظر شديد العبارة، له أخطاءٌ معروفة واجتهاداتٌ مرجوحة، وخدمةٌ عظيمة في الفقه والأصول والملل؛ لا يُتَّبع في كل قوله ولا يُهدَم بسبب زلّاته. وابن الجوزي إمامٌ واعظ مصنّف مؤرخ، له أخطاء في الصفات وغيرها تُردّ، وتُحفَظ كتبه النافعة ومنزلته. والبيهقي من كبار أئمة الحديث والفقه وله تأويلاتٌ تُناقَش. والغزالي والجويني عالمان كبيران وقعا في أبوابٍ من الكلام والفلسفة والتأويل، وتفاوتت مراحلهما. والعزّ بن عبد السلام والسيوطي من أئمة العلم ولهما اجتهاداتٌ وأخطاء. والقاعدة في الجميع ليست مساواةَ درجاتهم ولا تصحيحَ كل ما قالوا، بل ردُّ كل خطأ في موضعه، وتثبيتُ الفضل في موضعه، ومنعُ المنهج الحدادي من تحويل تاريخ العلم إلى قائمة مطرودين.

الشوكاني والصنعاني

عالمان مجتهدان لهما خدمةٌ في الحديث والفقه والدعوة إلى الاتباع ونقد التقليد، ولهما مسائل تُناقَش بالدليل. لا يُلحَقان بأهل الضلال المحض، ولا تُحرَق كتبهما، ولا يُمنَع الترحم عليهما. يُنتفَع بعلمهما مع التمييز.

أئمة العصر: ابن باز وابن عثيمين والألباني والعباد

عبد العزيز بن باز إمامٌ جمع العلم والفتوى والنصح والرحمة، ودافع عن التوحيد والسنة مع حفظ أقدار علماء الإسلام؛ ووصفُه بالتساهل أو التمييع لأنه لم يوافق غلاة التصنيف قلبٌ للفضيلة إلى تهمة، وهو يقول بإمامة العلماء الذين يبدّعهم الحدادية. ومحمد بن صالح العثيمين إمامٌ فقيه أصولي مفسّر، امتاز بدقة التفريق بين حكم القول وحكم القائل، وبيان أن التكفير والتفسيق والتبديع أوصافٌ شرعية. والألباني إمامٌ في الحديث خادمٌ للسنة، له اجتهاداتٌ خالفه فيها علماء ولا سيما في بعض تحريرات باب الإيمان تُناقَش تفصيلًا، ولا يصح اختزاله في لقب الإرجاء ولا إسقاط إمامته؛ وهو من الأصوات الواضحة في رفض الغلو في التبديع والتسلسل الحدادي. وعبد المحسن العباد عالمٌ من علماء السنة، ودعوتُه إلى الرفق بأهل السنة ليست دعوةً إلى تمييع البدع، بل علاجٌ لفتنة التصنيف التي جعلت بعض المنتسبين للسنة يأكل بعضهم بعضًا.

ولا يُمنَح اللقبُ لكل متكلم

الفرق بين العالم والمتصدِّر

وكما أن حفظ أقدار العلماء واجب، فكذلك منعُ الأدعياء من التزيّي بزيّهم. فلا يُمنَح لقبُ العالم بكثرة المتابعين، ولا بحسن التصوير، ولا بسرعة الجواب، ولا بجمع الاقتباسات، ولا بحدّة النبرة.

إنما يُعرَف العالم بالتأصيل، والشيوخ، والآلة، والقدرة على تصوّر الخلاف، وضبط النقل، والورع في الأحكام، وشهادة أهل العلم، وسلامة المنهج العام.

وقد يُحسن المتصدر جمعَ موادّ نافعة أو الردَّ على باطلٍ معيَّن، فيُقبَل صوابه ولا يُنكَر؛ لكنه لا يُرفَع إلى طبقة الأئمة. فإذا تكلم بغير علمٍ في التكفير والتبديع وجب كشف جهله في هذا الباب صراحةً.

وليس النقد الشخصي ممنوعًا مطلقًا. إذا كانت أهلية المتصدر نفسها جزءًا من الحجة، فبيّن نقصها: لا يملك آلة الاجتهاد، يضطرب في الاصطلاح، ينقل بلا فهم، يبني أحكامًا كبرى على مقتطفات، ويخالف إجماعات الأمة. وهذا بيانٌ لحاله العلمي المتصل بما يقدّمه للناس، لا نبشٌ لحياته الخاصة.

محاكمةُ الميزان لا محاكمةُ العاطفة

وحين يطعن الحدادي في إمام، فلا تجعل الردَّ دفاعًا عاطفيًّا عن شخصيةٍ محبوبة؛ فإنك تخسر بذلك أمام جمهوره. حوِّل القضية إلى محاكمةٍ لميزانه هو، واسأله بهدوء:

  • ما تعريف الإمام عندك؟أتشترط فيه العصمة؟ فإن قلتَ نعم فلا إمام في الأرض؛ وإن قلت لا، فلمَ أسقطتَه بخطأ؟
  • ما مصير العلماء الذين وصفوه بالإمامة؟أأجمعوا على ضلالة؟ وهل نثق بتعديلهم لأحدٍ بعد ذلك؟ وإن سقط تعديلُهم سقط جرحُهم الذي تحتجّ به.
  • ما حكم الأمة التي قرأت كتبه قرونًا؟أكانت كلُّها على ضلالٍ حتى جئتَ أنت؟ فهذه دعوى تحتاج بيّنةً أعظم من دعواك الأولى.
  • ولماذا قبلتَ لأصحابك أعذارًا ترفضها له؟فإن لم تجد فارقًا مؤثرًا، فقد ظهر أن خصومتك ليست مع عبارةٍ في الصفات، بل مع طريقة الأمة في حفظ أئمتها.

ومن أراد نصرة الصفات فليشرح العقيدة الصحيحة، وليردّ التأويل، ولينصرف إلى عمله؛ لا أن يحرم المسلمين من كنوز الحديث والفقه عبر تكرار الطعن، ونشرِ الأخطاء، ونبشِ القبور، والبحثِ عن الزلّات.

فهذا ليس مسلك العلماء. وما رأينا إمامًا قطّ بنى مجده على هدم مجدِ من قبله.