الدرجة الثانية · أن تملك الميزان

الفروق التي مَحَوها

القول والقائل، والزلة والمنهج، واللازم والالتزام

لا يُهدَم هذا الباب بإنكار نصٍّ، ولا برفع صوت. يُهدَم بمَحْو فرقٍ واحد. تأخذ فرقين كان أهل العلم يفرّقون بينهما فتجعلهما شيئًا واحدًا، فينهار البناء كله وأنت لم تنطق بكلمة كفر.

وهذه الفروق الأربعة هي عمود الباب: بين المقالة وقائلها، وبين الخطأ والبدعة والمنهج، وبين لازم الكلام وكلام المتكلم، وبين حكم النوع وحكم المعيَّن. فمن حفظها حفظ العلم والعدل معًا، ومن محاها لم يبق عنده إلا سلسلةُ تصنيفٍ تنتقل بالعدوى. وسأمشي بك فيها واحدًا واحدًا.

الفرق الأول

بين المقالة وقائلها

المقالة قد تكون كفرًا ولا يَكفُر كلُّ من قالها بعينه. وقد تكون بدعةً ولا يصير كلُّ من وقع فيها مبتدعًا بإطلاق. وقد يكون الفعل فسقًا ولا يُحكَم على كل فاعلٍ بحكمٍ واحد قبل معرفة حاله. هذه قاعدة أهل السنة في نصوص الوعيد وأحكام الأعيان، وهي من أقوى ما يهدم بناء الحدادية.

وقِف عند الفرق بين الجملتين. قولنا «المقالة كفر» يعني أن معناها يناقض أصلًا من أصول الإيمان على وجهٍ يقتضي حكم الكفر في النوع. وقولنا «المعيَّن كافر» يعني أن هذا الحكم نزل على شخصٍ محدد بعد ثبوت قوله، وانطباق الشروط، وانتفاء الموانع. وبين الجملتين مسافةٌ علمية لا يملك أحدٌ حذفها بالحماس.

وكذلك قولنا «المقالة بدعة» لا يساوي قولنا «العالم الذي وقع فيها صار صاحب بدعة مُمحَّضًا تُمحى إمامته وتُطرَح كتبه». والمسافة بينهما بعيدة، ومن اختصرها فقد اختصر دين رجلٍ وعرضه في خطوة.

والقاعدة العملية أن تكون شديدًا في الحكم على الباطل، دقيقًا في الحكم على المعيَّن. تقول بلا تلعثم: هذا القول باطل، وهذا التأويل مخالف لطريقة السلف، وهذه القاعدة حدادية مفسدة، وهذا التعميم يهدم ميزان الشرع. ثم تنظر في حال القائل بحسب منزلته ومنهجه.

ولا تظنَّ الدقة في المعيَّن ضعفًا. هي القوة نفسها؛ لأنها تمنع الخصم من الهرب من نقض أصلٍ باطل بحجة أنك تجاوزتَ في وصف صاحبه. فمتى خلطتَ الحكمين أعطيتَه بابًا يفرّ منه، ومتى فصلتَهما أغلقتَ عليه كل باب.

الفرق الثاني

بين الخطأ والبدعة والمنهج

ليس كل خطأ بدعة. قد يكون الخطأ زلّةَ لسان، أو وهمًا في نقل، أو ضعفًا في استدلال، أو اجتهادًا مرجوحًا، أو تقليدًا، أو تأويلًا، أو استعمالًا لمصطلحٍ محتمِل، أو عدمَ بلوغِ دليل، أو اختلافًا في ثبوت النص، أو خطأً في تحقيق المناط. ووصفُ الخطأ بالبدعة يحتاج إلى بيان مخالفته أصلًا شرعيًّا وطريقةً متَّبَعة في الدين، ولا يثبت بمجرد أن الناقد يراه شديدًا.

وليس كلُّ من وقع في بدعةٍ مبتدعًا. المبتدع في الحكم الكلي ليس مجرد شخصٍ أخطأ مرةً في مسألة؛ بل من قامت به البدعة على وجهٍ صارت أصلًا ظاهرًا في طريقته، أو دعا إليها، أو عاند في تقريرها بعد البيان، أو غلبت على منهجه حتى صار الوصف معرِّفًا له.

فقد يقع الإمام السنيّ في قولٍ بدعيّ متأوِّلًا، فيُردّ قوله ويبقى إمامًا سنيًّا. وليست هذه رخصةً مصطنعة للأئمة تُخترَع لهم؛ إنها تفريقٌ بين زلّةٍ في منهجٍ عام وبين منهجٍ مبنيّ على الزلّة. فرقٌ بين بيتٍ فيه شقّ وبين بيتٍ أُسِّس على الشقّ.

ولا يجوز عكس القاعدة فيقال: ما دام الشخص إمامًا فلا يُسمّى قوله بدعة. الإمامة لا تغيّر حقيقة المقالة. وقد يجتمع في الشخص علمٌ عظيم وخطأٌ عظيم في باب، وتبقى كلُّ حقيقةٍ في موضعها. فلا نبرِّر الخطأ بالمحاسن، ولا نمحو المحاسن بالخطأ.

كيف تميّز الزلّة من المنهج؟ سبع علامات مجتمعة

تكرّر القول

العبارة الواحدة لا تصنع هوية. أما ما يتردد في مواضع متفرقة فهو موقفٌ لا زلّة.

تصريحُ صاحبه بالأصل المنتِج له

فرقٌ بين من زلّ في فرعٍ وبين من قرّر القاعدة التي أنتجته وبنى عليها.

موقعُه من مجموع كلامه

أهو حاشيةٌ في بحر كلامه، أم متنٌ يُعاد إليه ويُبنى عليه ما بعده؟

دعوتُه الناس إليه

من قال قولًا في مجلس ليس كمن جعله دعوةً يُحشَد لها ويُمتحَن بها.

موقفُه بعد البيان

الرجوع فضيلة، والإصرار بعد قيام الحجة بابٌ آخر بالكلية.

استعمالُه القاعدة نفسها في مسائل متعددة

فإذا اطّردت عنده صارت أصلًا في طريقته، وهذا هو المنهج بعينه.

غلبةُ ذلك على خطابه

فالوصف الكلي إنما يُعطى للغالب، لا للنادر ولا للعارض.

الفرق الثالث

بين لازم القول والتزام صاحبه

ويجب أن تفرّق بين أمرين لا يستويان: أن يقال إن قاعدةً ما تُفضي منطقيًّا إلى نتيجةٍ معينة، وأن يقال إن صاحب القاعدة يعتقد تلك النتيجة فعلًا. الأول نقدٌ للفكرة، والثاني خبرٌ عن ضمير إنسانٍ ومذهبه. وقد يصحّ الأول ولا يصحّ الثاني؛ لأن نسبة الاعتقاد تحتاج إلى كلامٍ صريح أو التزامٍ ثابت، لا إلى استنتاج الناقد وحده.

واستعمالُ اللازم في المناظرة مشروعٌ حين يكون الارتباط صحيحًا. تقول لصاحب القول: مقدمتك تؤدي إلى نتيجةٍ تناقض أصلًا تُسلِّمه، فإما أن تلتزم النتيجة وإما أن تراجع المقدمة. وهذا يكشف الخلل ويختبر اتساق الفكرة. لكنه لا يعطي الناقد حقَّ كتابة النتيجة في عقيدة خصمه قبل أن يلتزمها أو يَثبُت عنه ما يدل عليها استقلالًا.

وليست اللوازم درجةً واحدة. فمنها ما هو ضروريٌّ قريب، ومنها ما يتوقف على مقدماتٍ أخرى، ومنها ما هو محتمَل أو بعيد، ومنها ما يبنيه الناقد على تعريفٍ لا يوافقه عليه صاحب القول. وكلما زادت المقدمات الخفية ضعُف الانتقال من العبارة إلى النتيجة. فكيف إذا انتُقل بعد ذلك من النتيجة إلى تبديع القائل أو تكفيره؟

إذا قيل: فلانٌ قال قولًا يلزم منه الكفر أو البدعة، فحرِّر أربعة أسئلة

  1. هل اللزوم صحيحٌ أصلًا؟

    قد يكون اللازم الذي يتخيله الخصم مبنيًّا على تعريفٍ لم يقبله القائل، أو على مقدمةٍ لم يذكرها، أو على معنًى اصطلاحيّ مختلف، فيسقط البناء كله من أساسه.

  2. أهو لازمٌ قريب أم سلسلةُ احتمالات؟

    فرقٌ بين ما لا ينفكّ عن المعنى وبين ما يحتاج إلى خمس خطواتٍ كلُّ خطوةٍ منها ظنّ.

  3. هل يعلم القائل هذا اللازم؟

    فإن كان لا يعلمه فأنت تنسب إليه ما لم يخطر بباله، وهذا خبرٌ عن قلبه لا تملكه.

  4. وهل قَبِله أم نفاه؟

    فإن نفاه صراحةً فقد سقط الإلزام في حقه، ولم يبق إلا نقد القاعدة نفسها. وهذا هو موضع الحق.

الفرق الرابع

بين حكم النوع وحكم المعيَّن: الشروط والموانع

التكفير حكمٌ بالغ الخطر؛ لأنه يتعلق بأصل الدين، وتترتب عليه آثارٌ عظيمة في الدنيا والآخرة. لا يثبت بالظن، ولا بالغضب، ولا باللازم الخفيّ، ولا بالتشابه اللفظي، ولا بنقلٍ مبتور. ومن قال لمسلمٍ «يا كافر» بغير حقٍّ عرَّض نفسه للوعيد، ومن استباح هذا الباب أفسد دينه ودين غيره.

فحكمُ النوع يقرّر أن قولًا أو فعلًا كفر. وحكمُ المعيَّن يبحث: هل تحقق مناط ذلك الحكم في هذا الشخص المحدد؟

شروطٌ وموانع، وإسقاطها جميعًا هو طريق الغلاة

من شروط التنزيل
  • ثبوت الفعل أو القول عن الشخص نفسه.
  • وضوح دلالته على المعنى الكفري.
  • العلم بما يقول، لا مجرد جريان اللفظ.
  • القصد إلى معناه لا إلى ظاهر لفظه.
  • الاختيار، فلا حكم مع الإكراه.
  • بلوغ البيان الذي تقوم به الحجة فيما يخفى حكمه.
ومن الموانع
  • الإكراه.
  • الخطأ المحض الذي لم يقصده.
  • التأويل المعتبر.
  • الجهل المؤثِّر بحسب المسألة والحال.
  • الاشتباه الذي يمنع نسبة المعنى إليه.
  • وهذه ليست قائمةً آلية تُطبَّق بصيغةٍ واحدة على كل باب، لكن إسقاطها جميعًا هو طريقة الغلاة لا طريقة أهل السنة.

وقيامُ الحجة ليس مجرد وصول حروف نصٍّ إلى الأذن. قد يصل اللفظ ولا يصل معناه. وقد يُعرَض الدليل مع تشويشٍ شديد. وقد يقوم في ذهن المخاطَب معارضٌ يظنه أقوى. وقد يكون عاجزًا عن فهم اصطلاح المتكلم. والمقصودُ بيانٌ يزيل العذر بحسب المسألة وحال الشخص، لا طقسٌ شكليّ يقول فيه الغالي: أرسلتُ له مقطعًا فقد قامت عليه الحجة.

والعذرُ بالجهل والتأويل ليس حكمًا واحدًا مطلقًا في كل شخص وكل مسألة، وليس بابًا لإلغاء التوحيد. المسائل تتفاوت ظهورًا وخفاءً، والناس يتفاوتون علمًا وقدرة، والبيئات تتفاوت في انتشار العلم والشبهة. والذي يرفض كل تفصيل ويقول «لا عذر في العقيدة» يهدم كلام أئمة السنة في المتأولين والمجتهدين، ويجعل مجردَ وضع المسألة تحت عنوان العقيدة كافيًا لإسقاط جميع الفروق.

والتأويل المعتبر لا يعني أن التأويل صحيح. قد يكون القول باطلًا وصاحبُه معذورًا في وقوعه فيه. وتقريرُ العذر يأتي بعد تقرير الحق والباطل، فلا يقال إن إعذار القائل تصحيحٌ لمقالته. فابدأ بالحكم على القول، ثم بيّن حال القائل؛ فلا يضيع الحق باسم العذر، ولا يُلغى العذر باسم الحق.

وأما التبديع

حكمٌ دون التكفير، لا لقبٌ مباح

والتبديع كذلك حكمٌ شرعي، وإن كان دون التكفير. ولا يتحول إلى لقبٍ مباح لمجرد أن آثاره الدنيوية أخفّ. يُشترَط فيه تحقُّق القول البدعي ونسبته إلى الشخص، ثم النظر في قيام البدعة به: أهي زلّة أم أصل؟ هل دعا إليها؟ هل عاند؟ هل غلبت على منهجه؟ أهو إمامٌ مجتهد له سابقةٌ عظيمة وقع في تأويل، أم متصدِّرٌ جعل البدعة مشروعه؟

وإذا وقع متصدِّرٌ غير مؤهَّل في التكفير والتبديع، فلا يُمنَح حصانة المجتهد لمجرد أنه يتكلم في الدين. فالعذرُ بالاجتهاد لأهل الاجتهاد الذين يملكون آلته ويقصدون الحق ويبذلون الوسع، لا لكل ناشطٍ قرأ مقتطفاتٍ من هنا وهناك، أو قرأ بعض الكتب من المكتبة الشاملة بلا عالمٍ تعلّم على يديه، ثم حكم على الأمة.

والفرق بين الإمام المجتهد والمتكلّف الجاهل فرقٌ حاسم: الأول أخطأ بعد آلةٍ وبذل، والثاني اقتحم ما لا يُحسن ثم جعل اقتحامه سلطةً على العلماء. وهذا حال القوم؛ فليس لديهم أهليةٌ للحكم على أعيان العلماء، وهذه وظيفة العلماء.

وهنا يراوغ فيقول

فإن قالأنتم تفتحون باب الأعذار حتى لا يبقى مبتدعٌ على وجه الأرض.

قيل له

ما فتحنا بابًا، بل رددناه إلى حدّه الذي وضعه الشرع. ونحن نقول معك: هذا القول بدعة، وهذا التأويل باطل، وهذه المقالة مردودة. فأين التمييع؟

وإنما الخلاف في خطوةٍ واحدة: هل ينتقل الحكم إلى المعيَّن بلا شروط؟ فقل لي: هل أعذر أئمةُ السنة أحدًا قط بجهلٍ أو تأويل؟ فإن قلتَ نعم، فقد أقررتَ بالباب وبقي التفصيل. وإن قلت لا، فأنت تخاصم أئمة السنة لا تخاصمني.

فإن قالولكن هذا يفتح الباب لكل من أراد الفرار من الحكم.

قيل له

وضدُّه يفتح الباب لكل من أراد الحكم بلا برهان. والشريعة لم تُبنَ على سدّ الذرائع في جهةٍ وفتحها في أخرى.

ثم إن الميزان الذي نطلبه منك هو الميزان الذي نُلزم به أنفسنا: أن يُطالَب المدّعي ببيّنته، وأن يُنظَر في الشروط والموانع للجميع. فإن رأيتَ ذلك تفريطًا فأخبرني: بأيّ ميزانٍ حكمتَ على نفسك يوم أخطأتَ؟

أربعة فروق. إن حفظتَها لم تظلم أحدًا وأنت تنصر الحق، وإن محوتَها هدمتَ باب العلم كلَّه وأنت تحسب أنك تحرسه.

والغالي لم يزد على أهل السنة غيرةً ولا علمًا. كلُّ ما صنعه أنه محا فروقًا اعتبرها أئمة الإسلام، ثم سمّى المحوَ وضوحًا، وسمّى العلمَ تمييعًا.