الدرجة الثانية · أن تملك الميزان

ستُّ درجاتٍ قبل الحكم

مراتب النظر التي يقفزون فوقها

التكفير والتفسيق والتبديع والجرح والهجر أحكامٌ شرعية لها معانٍ وآثار. ليست أوصافَ غضب، ولا درجاتٍ في مسابقة حماسة، ولا كلماتِ مرورٍ يُعرَف بها الانتماء إلى مجموعة. فمن أطلق حكمًا شرعيًّا تحمَّل عبء تعريفه، وإثبات سببه، وتحقيق محلّه. ولا يُعفى من ذلك لأنه اقتبس عبارةً عن إمام، أو رفع صوته، أو كثُر متابعوه.

وبين الكلمة تُنطق وبين الحكم على قائلها ستُّ مراتب، كلُّ مرتبةٍ بابٌ مستقل له دليله. والغالي يعبرها كلَّها في نفَسٍ واحد؛ يسمع اللفظ فيُخرج صاحبه من السنة قبل أن يفرغ من سماعه. وهذا الباب يفتحها أمامك درجةً درجة، لتعرف أين وقف هو، وأين يجب أن تقف أنت.

السُّلَّم

المراتب الست، درجةً درجة

ثبوتُ اللفظ أو الفعل

ماذا قيل أو فُعل على وجه التحديد؟ أين وردت العبارة؟ وهل المصدر أصليٌّ أم إعادة نشر؟ وهل التسجيل أو النص كاملٌ أم مجتزأ؟

وقد تُثبت الصورةُ أو المقطعُ المتداول القدرَ الظاهر فيهما، لكنهما لا يكفيان وحدهما لإثبات السياق ولا منهجٍ كامل، ولا سيما إذا تعذّر الوصول إلى الأصل أو ظهر تحريرٌ يغيّر المعنى. فقبل مناقشة العقائد والأحكام، حدِّد بدقة ما الذي تُثبته المادة فعلًا.

دلالةُ اللفظ

ما المعنى الذي يؤدّيه الكلام في لغته وسياقه؟ هل هو تقرير، أم حكاية، أم اعتراض، أم إلزام، أم سؤال، أم نقلٌ عن مخالف يريد ردَّه؟

وهنا تُثبَت هويةُ المتكلم ونسبةُ المادة إليه. فعنوان الناشر، والصورة المصغَّرة، والتعليق المكتوب فوق المقطع، والترجمة الآلية، ليست كلام المتحدث بالضرورة. وقد تختلط أصواتٌ عدة في تسجيل واحد، وقد ينقل المتكلم قول خصمه ليردّه. فلا يُنسَب إليه إلا ما ثبت أنه قاله أو أقرّه، لا ما أضافه التغليف الإعلامي حول كلامه.

ثم يُستعاد السياق الكافي: السؤال الذي أجاب عنه، وما قبل العبارة وما بعدها، والاستثناءات والقيود، وتاريخ الكلام، وهل هو قولٌ قديم رجع عنه. والسياق لا يُستعمل لإذابة النصوص الواضحة، لكنه يمنع أن يُحمَل لفظٌ مقيَّد على الإطلاق، أو حكايةُ قولٍ على الاختيار، أو استفهامٌ على التقرير.

حكمُ المعنى

هل هو صواب، أم خطأ، أم بدعة، أم كفر، أم لفظٌ مجمل يحتمل حقًّا وباطلًا؟ وما دليل هذا الحكم وما حدوده؟

وهذه مرحلةٌ مهمة مستقلة، وقد يُحسَم فيها بطلان المعنى بوضوحٍ تام لا تردّد فيه. لكن حسم حكم المقالة لا يعني أن بقية المراحل سقطت؛ لأننا انتقلنا بعدها من معنًى مجرّد إلى إنسانٍ معيَّن.

وقبل الحكم يُحرَّر المعنى المراد. فقد يكون اللفظ مشتركًا، أو اصطلاح القائل مختلفًا، أو العبارة غير محرَّرة. فيُجمع كلامه في المسألة، ويُردّ المحتمل إلى الصريح، ويُسأل عن مراده إن أمكن. ولا يجوز أن يختار الناقد أشدَّ معنًى يحتمله اللفظ ثم يعامله كأنه المعنى الوحيد المقطوع به.

علاقةُ القائل بالمعنى

هل صرّح به واختاره، أم وقع في عبارة ناقصة، أم نقله عن غيره، أم التزمه بعد البيان، أم له كلامٌ محكم يفسّر مراده؟

وهذه المرتبة هي التي يُسقطها الغالي أسرع من غيرها؛ لأن إسقاطها يوفّر عليه كلَّ ما بعدها. فإذا سوّى بين من قال المعنى مختارًا وبين من جرت العبارة على لسانه في سياقٍ آخر، فقد صنع من الاثنين رجلًا واحدًا.

حكمُ القائل المعيَّن

ما علمه وقصده وتأويله وقدرته وبيئته ومنهجه الغالب؟ أهو عالمٌ مجتهد، أم مقلّد، أم عاميّ، أم داعيةٌ مُمحَّض للبدعة، أم متصدّرٌ بلا آلة؟

ويُنظر في ثبوت تبنّيه للمعنى، وقيام الحجة عليه، وما يعرِض للأعيان من شروط وموانع. وهذه أمورٌ لا يملك الجمهور استكمالها بمجرد مشاهدة مقطع. وقد يصحّ ردُّ القول والتحذير منه، مع بقاء الحكم الشامل على صاحبه معلَّقًا أو مردودًا إلى أهل العلم القادرين على استيفاء النظر.

الآثارُ التابعة

هل يُهجَر؟ هل يُحذَّر منه؟ هل يُنتفَع بعلمه؟ هل يُنشَر خطؤه للعامة؟ هل يُنقَل الحكم إلى من مدحه أو صاحبه أو لم يبدّعه؟

ولكل أثرٍ دليلٌ ومصلحةٌ ومحلّ، ولا ينتقل آليًّا من مجرد ثبوت الخطأ. فليس كل خطأ موجبًا للهجر، ولا كل تحذيرٍ مبرِّرًا لإسقاط جميع العلوم، ولا كل خلافٍ مسوِّغًا لتحويل صاحبه إلى اختبارٍ للناس.

في المجلس

إذا ضغط الستَّ في جملة، فافتحها أمامه

هذه المراحل ليست حيلةً لتأخير الحق، ولا مماطلةً حتى تبرد الخصومة. إنها نظامٌ يمنع أن تبدأ القضية بلفظٍ محتمِل وتنتهي بأحكامٍ واسعة لا تحملها مادتها.

فإذا جاءك يضغطها في جملة واحدة فقال: «قال كذا، إذن هو كذا»، فلا تنازعه في النتيجة أولًا؛ نازعه في الطريق. قل له: أثبتنا القول، ثم بيّنّا معناه، ثم حكمنا عليه. أما حكمُ القائل فبابٌ جديد لم نفتحه بعد. فأرِني دليلك على العبور إليه.

ولا تسمح له بواحدةٍ من اثنتين: أن يجعل قُبح المقالة جسرًا يقفز به فوق البحث في القائل، ولا أن يجعل فضلَ القائل ذريعةً لمنع الحكم على المقالة. فالأولى طريقة الغالي، والثانية طريقة المميِّع، وكلاهما هدم للميزان من جهة.

ثلاث مراوغاتٍ عند هذا الباب

فإن قالهذا تطويلٌ وتعقيد. الأمر واضح، والكلام صريح، فما الحاجة إلى ستِّ مراحل؟

قيل له

الوضوح دعوى، والدعوى تُطالَب ببيّنة. ولو كان الأمر بهذا الوضوح لما اختلف فيه أئمة الإسلام. ثم إن الذي تسمّيه تعقيدًا هو نفسه ما فعله أئمةُ السنة في كل واقعة نزلت بهم؛ فمن استكثر عليك ست مراحل قبل الحكم في دين رجلٍ وعرضه، فليُخبرنا: كم مرحلةً يستكثرها القاضي قبل الحكم في درهم؟

وأخفُّ ما في هذه المراحل أنها تحميك أنت. فإن أخطأت بعدها كنتَ مجتهدًا، وإن أخطأت قبلها كنتَ ظالمًا.

فإن قالأنت تطلب السياق لتُميّع؛ فالسياق لا يغيّر الكفر البواح.

قيل له

ما طلبتُ السياق لأذيب النص الواضح، وقد قلتُ لك: السياق لا يُستعمل لإذابة الصريح. إنما طلبتُه لأمنع أن يُحمَل مقيَّدٌ على الإطلاق، وحكايةُ قولٍ على الاختيار، واستفهامٌ على التقرير.

ثم إن الميزان يُختبَر بتبديل الأسماء: هل تقبل أن يُنتزَع كلامُك أنت من سياقه ويُحكَم عليك به؟ فإن أبيتَ لنفسك ما تُلزم به غيرك، فليست عندك قاعدة، وإنما عندك خصومة.

فإن قالالمسألة عقيدة، والعقيدة لا اجتهاد فيها، فسقطت مراتبكم كلها.

قيل له

عبارة «العقيدة لا اجتهاد فيها» لا تُستخدم لإلغاء واقع اجتهاد العلماء في فهم النصوص وترجيح الدلالات. الحقُّ في الاعتقاد واحد، والمصيب واحدٌ في موضع التعارض، هذا حقّ. لكن العالم الذي استفرغ وسعه وقصد الحق لا يُسوَّى بالمعاند الذي عرف الحق فردّه، ولا بالجاهل المتكلّف الذي تصدّر بلا آلة.

ثم إن وضع المسألة تحت عنوان «العقيدة» ليس تعويذةً تُسقط الفروق. فأخبرني: هل خالف أئمةُ السنة في المتأوّلين والمجتهدين؟ فإن قلت لا، فقد نقضتَ قولك؛ وإن قلت نعم، فقد جعلتَ نفسك أعلمَ منهم بالعقيدة.

أصلٌ حاكم

ومن ادّعى فعليه البيّنة، لا على المتَّهم أن يُثبت براءته

الأصل أن من ادّعى دعوى فهو المطالَب ببيّنتها. فمن نسب إلى إنسان قولًا، أو حكم عليه بالتبديع أو التكفير، أو زعم أنه يوافق باطلًا، لا يجوز له أن يقلب القضية فيطالب المتَّهم بإثبات براءته. والبراءةُ من دعوى لم يثبت أصلها ليست ملفًّا يجب على كل إنسان أن يفتحه.

والدعوى الواحدة في هذا الباب تتكوّن في الحقيقة من حلقاتٍ متعددة، وهي المراتب الست التي مرّت بك. وسقوطُ حلقةٍ لازمة لا يعوّضه تكرارُ الحلقات الأخرى؛ لأن كل مرحلة تحتاج إلى دليلٍ يناسبها. فلا يُجبَر ضعفُ الثبوت بقوة الاستدلال على الحكم، ولا يُجبَر انعدام السياق بكثرة النقول.

ولهذا فطلبُ المصدر والسياق ليس دفاعًا عن المتهم ولا تهوينًا من العقيدة. قد يكون القول باطلًا فعلًا، ومع ذلك تبقى نسبته إلى شخصٍ بعينه غير ثابتة؛ وقد تثبت العبارة، لكن يكون معناها الذي حُمِلت عليه محتمَلًا أو مناقضًا لكلامٍ صريحٍ آخر. والتثبّت يمنع أن ننصر الحق بمعلومةٍ غير صحيحة، وهو حمايةٌ للعقيدة من أن تُربَط باتهاماتٍ هشّة يسهل نقضها.

وسكوتُ المتَّهم، أو تأخُّر جوابه، أو رفضه الدخول في سِجالٍ عام، لا يحوّل الدعوى إلى حقيقة. فقد لا يكون علم بها، أو لا يرى المنبر مناسبًا، أو ينتظر جمع المادة، أو يكون قد أجاب في موضعٍ آخر. وتحويلُ عدم الجواب إلى إقرار هو إضافةُ دعوى جديدة تحتاج هي أيضًا إلى دليل، لا طريقٌ مختصر لإعفاء المدّعي من بيّنته.

ولا يمنع هذا كلُّه تحذيرًا محدودًا من مادةٍ ثابتة يظهر فيها معنًى باطل. فيقال مثلًا: هذه العبارة خطأ، أو هذا المقطع لا يُعتمَد، مع بيان حدود المعرفة المتاحة. إنما الممنوع تحويلُ التحذير المؤقت أو الجزئي إلى حكمٍ نهائيّ شامل على القائل، ثم مطالبة الناس بإثبات بطلانه بعد أن نُشر بلا بيّنة كافية.

ميزان التماثل

والميزان الحاسم في هذا الباب كلمة واحدة: التماثل. الدليل الذي نطلبه عند اتهام من نحبّ يجب أن نطلبه عند اتهام من نخاصم. والاحتمال الذي نعتبره لصاحبنا لا نلغيه لمجرد أن الاسم تغيّر.

فاعرض الواقعة نفسها على الرجلين، وبدّل الاسمين، ثم انظر:

  • إن ثبت الحكم على حالهفالميزان سليم، والحكم علمٌ لا هوى، فامضِ عليه.
  • وإن تغيّر الحكم بلا فرقٍ مؤثرفقد ظهر الهوى، وسقط الحكمان جميعًا؛ لأن الأداة التي أنتجتهما مكسورة.
  • وإن ادّعى فارقًافليُسمِّه، وليبيّن أثره في الحكم؛ فإن الفارق الذي لا يُذكر ولا يُبيَّن أثره اسمٌ آخر للهوى.

فإذا حَمَل المدّعي عبء دعواه، وفصَّل حلقاتها، ورضي بالمعيار نفسه للجميع، اقترب البحث من العلم وابتعد عن حملات التصنيف.

وهذه المراتب الست هي السُّلَّم. فمن نزل درجاته واحدةً واحدة وصل إلى حكمٍ يُسأل عنه فلا يخجل. ومن قفزها كلَّها سقط، وأسقط معه من صدّقه.