الدرجة الرابعة · أن تنزل الميدان

تكفيرٌ بلا تصريح

أن تؤصّل للّازم ثم تتبرأ منه

من أعجب ما تراه في هذا الباب: رجلٌ يبني منظومةً كاملة من القواعد في فهم كلام السلف، لا يخرج منها إلا تكفيرُ أعيان علماء الكلام، وأعيانِ الأشاعرة والماتريدية متقدّميهم ومتأخّريهم. ثم إذا قيل له: هذا لازمُ قولك، تبرّأ من اللازم ولم يتبرّأ من الأصل الذي ولّده.

وليست هذه مسألةَ شخص. هي مسلكٌ في الخطاب صار له أتباع، ولا بد من كشفه؛ لأن ضرره مضاعف: يبثّ في العامة نتيجةً خطيرة بلا مؤونة التصريح، ثم يتّهم من ردّها بالتمييع، ثم إذا حوصر تباكى بأنه «لم يصرّح».

واعلم أن العلم أمانة، وأن أثقل ما على العالم أن يقول ما يعتقده حين يكلّفه القولُ ثمنًا. فمن ملك الجرأة على تأصيل اللازم ولم يملك الجرأة على التصريح به، فليعلم أنه أوقع الناس في حيرةٍ هو مسؤولٌ عنها.

التشريح

دورةُ التهرّب: ستُّ خطواتٍ تدور

يؤصّل القواعد المفضية

فيكتب المقالات والأبحاث الطوال يقرّر فيها قواعد تؤدي بشكلٍ ظاهرٍ بيّنٍ إلى تكفير كل علماء الأشاعرة وعلماء الكلام، ثم لا ينصّ على النتيجة.

يجمع الشواهد ويفسّرها

فيسوق أقوال السلف ويفسّرها بطريقةٍ يفهم منها كلُّ قارئ أن أئمة السلف يكفّرون كل من قال بأقوال الجهمية أو بما هو لازمٌ لها، ثم لا يصرّح.

يعلّق تعليقًا يدلّ ولا يقول

فيضع على النقول تعليقًا يدلّ دلالةً ظاهرة على أنه يرى تكفير كل أعيان المتكلمين، ثم يقف عن إعلان النتيجة الضرورية لذلك التعليق.

فإذا أنكر منكرٌ، بادر بالتوسيع

فإن وجد من ينكر تكفير كل أعيان الجهمية والأشاعرة والمعتزلة، وينكر نسبة ذلك إلى أئمة السلف وإلى ابن تيمية، سارع إلى مقالاتٍ مطوّلة في إثبات إطلاق التكفير عليهم، ويذكر في أثنائها أسماء كثيرٍ من الأعيان.

فإذا نُقد، بادر بالتضييق

فإن كتب أحدٌ في نقده وبيّن خطأه فيما ينسبه إلى السلف، بادر إلى نشر ما يدل على أنه «لم يصرّح» بتكفير كل علماء الكلام ولا كل الأشاعرة.

فإذا ذُكرت الأسماء، تباكى

فإن خرج من يبيّن أنه يلزم من منهجه تكفيرُ الجويني والغزالي والنووي والقرطبي والعزّ بن عبد السلام وابن حجر وغيرهم كثير، بادر إلى إنكار ذلك، وتباكى بأنه «لم يصرّح» بتكفير أحدٍ منهم.

الاعتذار المردود

ولا يُقبَل هنا الاعتذارُ بالمصلحة الشرعية

قد يقال: لعلّه يكتم رعايةً لمصلحةٍ شرعية، فالسكوت عن بعض الحق مقامٌ معروف عند أهل العلم إذا ترتّبت على إظهاره مفسدةٌ راجحة.

وهذا في نفسه أصلٌ صحيح، لكنه لا يجري ههنا لثلاثة وجوه، وكلُّها مأخوذٌ من صنيعه هو لا من صنيع خصمه.

  1. أنه هو من رفع المسألة إلى منزلةٍ عالية

    فجعلها من مفهوم السنة والدفاع عنها، وصوّر تكفير أعيان الجهمية والمعتزلة والأشاعرة على أنها قضيةٌ محورية عند أئمة السلف تمثّل منهجًا ظاهرًا في سلوكهم. فليس من المقبول أن تكون المسألة بهذه المنزلة، ثم تكون المصلحةُ الشرعية في ألا يصرّح بما يعتقده فيها.

  2. أنه رتّب عليها أوصافًا يُلزم بها مخالفيه

    فاتّهم من خالفه في هذا الفهم بالتمييع والانحراف في الدين. ومن جعل مسألةً ميزانًا يزن به الناس ويجرحهم به، لزمه أن يبيّن ما عنده فيها؛ إذ كيف تجرح الناس بميزانٍ تكتم وجهه؟

  3. أن اللازم لو كان مذهب السلف لما جاز كتمانه

    فليس من المقبول أن يكون مقتضى مذهب أئمة السلف كلِّهم في التكفير والتضليل يُوجب حرجًا، أو تكون المصلحةُ الشرعية في عدم التصريح به. فإن كان حقًّا فالكتمان لا يسوغ، وإن لم يكن حقًّا فالتأصيلُ له هو موضع النقد.

السؤالان

سؤالان صريحان، وضعهما الدكتور سلطان العميري

ولأجل أن يتبيّن الناس حقيقة الموقف بوضوحٍ شديد، طرح الدكتور سلطان العميري سؤالين مباشرين لا يحتملان المراوغة. وهذه صياغتُهما كما هي، فإنهما نموذجٌ في إغلاق أبواب الهرب.

ما حكم أعيان علماء الكلام؟

أهم زنادقةٌ منافقون كلُّهم بأعيانهم أم لا؟ وإذا كان الجواب بأنهم ليسوا كلَّهم بأعيانهم زنادقةً منافقين، فما حكم الصنف الآخر: هل هم مسلمون؟

ما حكم أعيان علماء الأشاعرة، متقدّميهم ومتأخّريهم؟

أهم كفّارٌ كلُّهم بأعيانهم أم لا؟ وإذا كان الجواب بأنهم ليسوا كلَّهم بأعيانهم كفّارًا، فما حكم الصنف الآخر: هل هم مسلمون؟

وقفةُ عدل

كيف نتعامل نحن مع من لم يصرّح؟

وههنا موضعٌ يزلّ فيه كثيرٌ ممن يردّون على الغلاة، فينقلبون إلى مثل صنيعهم من حيث لا يشعرون. ونحن لا نردّ الغلوّ بغلوٍّ مضاد.

ما يجوز وما لا يجوز في هذا الباب

يجوز ويجب
  • أن نبيّن القاعدة ونكشف لازمها الظاهر، فإن نقد الأصول ليس تنقيبًا عن النيات.
  • أن نطالبه بالتصريح ما دام قد جعل المسألة ميزانًا يجرح به الناس.
  • أن نحذّر من أثر القواعد في العامة، وهو أثرٌ واقعٌ محسوس لا مظنون.
  • أن نقول: صمتُه عن الشقّ الثاني بعد طول البيان اختيارٌ يتحمّله.
ولا يجوز
  • أن ننسب إليه التصريح وهو لم يصرّح، فنكذب عليه؛ فبيّنةُ النقل شرطٌ قبل الحكم.
  • أن نجعل لازم قوله قولًا له فنحكم عليه بحكم من التزمه. فلازمُ المذهب ليس بمذهب.
  • أن نحكم على باطنه ونيّته، فذلك إلى الله.
  • أن نعامل أتباعه معاملته، فإن فيهم المخدوع ومن لم يبلغه إلا ظاهر التأصيل.

واعلم أن الرجل يُبتلى في علمه كما يُبتلى في ماله؛ فمن ملك قولًا يعتقده ثم لم يحتمل تبعته، فقد وضع على الناس حِملًا لم يحمله هو.

وأشدُّ ما في هذا المسلك أنه يفتح على العامة أعظمَ باب، ثم يغلق دونهم باب المسؤولية. فيخرج الصغيرُ من عنده وقد امتلأ يقينًا بكفر أئمةٍ لم يُصرَّح له بكفرهم؛ فإذا صرّح هو حوسب صاحبُه، وإذا سُئل صاحبُه قال: أنا لم أقل.

ومن أعطى سفيهًا سلاحًا ثم تبرّأ حين استعمله، لم تنفعه البراءة.