أبو حنيفة النعمان إمامٌ سنيّ مجتهد، وأحد الأئمة الأربعة، وقد أجمعت الأمة واستقرت على إمامته وتلقّت مذهبه بالقبول. ولا يجوز تبديعه ولا تكفيره ولا تفسيقه، ولا استعمالُ نقول الخصومة القديمة لمحو حكم الأمة المستقرّ.
وقد ظهرت في زماننا فتنةٌ بالطعن فيه، ولها سببٌ قريب يُفضحها: طُبع كتاب «السنة» لعبد الله بن أحمد في أول عصر الطباعة بدون ما فيه من المثالب على الإمام، ثم طُبع مؤخرًا طبعةً فيها الكلام عليه، فتلقّفتْها نابتةٌ ظنّت نفسها أغيرَ على منهج السلف من أئمة أهل السنة الذين طوَوا هذه الصفحة وأثنوا على الإمام.
فصارت الظاهرة أثرًا عارضًا لطبعةٍ من كتابٍ وقعت في يد من لا يحسن التعامل معها، لا إحياءً لمنهج السلف. وصدق الأوزاعي: «كان هذا العلم كريمًا يتلقاه الرجال بينهم، فلما دخل في الكتب دخل فيه غير أهله».
وتحريرُ هذا لازمٌ قبل الردّ. فليس المقصود النقدَ العلمي لبعض أقوال الإمام، ولا مناقشةَ أصوله، ولا نقدَ اختياراته الفقهية؛ فهذا بابٌ مفتوح جارٍ بين أهل العلم لا يُنكَر. وليس المقصود نقدًا عابرًا اقتضاه بحثٌ فقهي أو دراسةٌ عقدية فجاء في حدود حاجته.
وإنما المقصود تتابعٌ معاصر على تناول الإمام في فضاءٍ عام بمناسبةٍ وبغير مناسبة، غايتُه بيان استحقاقه للذم. وهذه تتجلى في ثماني صور.
صورُ الظاهرة الثماني
الطعن في دينه
فيحكم عليه بعضهم بالكفر، أو يقول بعضهم إنه مشكوكٌ في إسلامه، أو يكتفي بعضهم بالإصرار على تبديعه وتضليله.
الطعن في اتباعه للسنة
فيُصوَّر في صورة المعاند الذي يقدّم قوله على صريح قول النبي صلى الله عليه وسلم، بل يُقال في حقه إنه يحطّ من قدر رسول الله صلى الله عليه وسلم.
الحكم ببطلان التمذهب بمذهبه
وأن مذهب الحنفية ليس من المذاهب الفقهية المعتبرة، ولا يسوغ لمسلمٍ اتباعه ولا تقليده.
الانتقاص بذكر الأوصاف القادحة
بقصد التحقير، كالإرجاء والقول بخلق القرآن.
وصمُه بصفاتٍ ذميمة
كقلة الورع والتحايل على الشرع.
تجهيلُه والاستهانة بفقهه
والحكمُ بأنه لا يعرف الأحاديث.
الطعن فيمن يعظّمه
ويثني عليه ويدافع عنه، بأنه يخالف منهج السلف ومتناقضٌ في اتباعه.
السخرية ببعض آرائه
وبعضِ فتاوى أصحاب مذهبه، وجعلها مادةً للتندر والاستهزاء.
قبل الدخول في أي مروية، يُقرَّر هذا الأصل جزمًا: اتفق عامة المسلمين وكافةُ فقهاء الإسلام من قرونٍ طويلة على تقدير أبي حنيفة والترحّم عليه واعتباره من علماء الأمة واعتبار مذهبه والأخذ برأيه في الفقه. اتفاقٌ استمر مدةً تزيد على القرون، مع تعدد الأمصار وتنوع المذاهب واختلاف الاتجاهات العقدية، فلم يكن يُذكَر عندهم إلا بخير. وترتب عليه أنه حُكم في دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم بقوله، واعتُبر تقليده مؤثرًا في الديانة والقضاء.
وهذا التتابعُ الطويل يدل على أمرين: فضلِ هذا الإمام وجلالةِ قدره؛ فهذا الثناء المتتابع من فضلاء الأمة خلال قرونٍ تزكيةٌ له. واعتبارِ قوله وصحةِ مذهبه الفقهي؛ فقد كان مذهبًا استُبيحت به الدماء والأموال والأعراض، ورضي بذلك أهل الإسلام واتفقوا على العمل به.
وليس هذا التوافق لغياب كل نقدٍ أو طعن، وإنما لأن ثَمَّ مصالحَ شرعية ظاهرة وحقائقَ بيّنة أوجبت لهم ضرورة هذا الاجتماع؛ وأن مصالح دين الناس ودنياهم لا تستقيم إلا به.
وأنا أُشرّف أبا حنيفة عن هذه المقالة؛ لأن الله سبحانه جعله إمامًا لخلقٍ كثير من أهل الأرض، والله أكرم من أن يجعل الناس تابعين في الدين لرجلٍ من أهل النار.
وقال ابن تيمية: «وإنما غرضنا هنا أن هذه الحيلة التي هي محرمة في نفسها لا يجوز أن يُنسب إلى إمامٍ أنه أمر بها؛ فإن ذلك قدحٌ في إمامته، وذلك قدحٌ في الأمة حيث ائتمّت بمن لا يصح للإمامة، وفي ذلك نسبةُ بعض الأئمة إلى تكفيرٍ أو تفسيق، وهذا غير جائز».
ومن قرّر هذا وسار عليه من كبار المنتسبين إلى المعتقد السلفي، ويُذكَرون في الردّ قصدًا لقطع توهُّم أن هذا التوافق يخالف المنهج السلفي: من الحنابلة عبد القادر الجيلاني، وعبد الغني المقدسي، وابن قدامة، وابن تيمية، وابن عبد الهادي، وابن القيم، وابن مفلح، وابن رجب، وابن المبرد. ثم مدرسةُ الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأبنائه وطلاب مدرسته إلى يومنا. ومن غير الحنابلة: ابن عبد البر، وأبو المظفر السمعاني، والبغوي، والعمراني، وقوام السنة، والمزي، والذهبي، وابن كثير.
وشيخ الإسلام ابن تيمية أخصُّ هؤلاء في هذا المقام؛ فهو من أخبر الناس بطريقة السلف وأعرفهم بهذه المقولات وأشدهم تعظيمًا لهم، ومع ذلك لم يمنعه هذا من الثناء الكبير عليه وحفظِ مكانته وتجنّبِ الطعن فيه.
فإن قال قائل
فإن قالإنما سكت العلماء عنه خوفًا من سطوة الحنفية، فهو سكوتُ اضطرارٍ لا إقرار.
وهذا تفسيرٌ بعيد جدًّا، ويُدفَع بأربعة أوجه. الأول: أن هذه السطوة قد تقع في بعض الأزمنة أو الأمكنة، لكنها لا تستمر في كل حال. الثاني: أن الدولة في كثير من العصور كانت لغير الحنفية؛ فالمغرب العربي كله كان مالكيًّا، وكثيرٌ من الدول كانت للشافعية، ودعوةُ الشيخ محمد بن عبد الوهاب كانت حنبلية سلفية.
الثالث: أن غاية ما في هذا السبب، على فرض التسليم به، أن يكون سببًا واحدًا مقوّيًا لا السببَ الوحيد.
والرابع وهو الحاسم: أنه لم يحصل قطُّ على مرّ التاريخ التواطؤُ على السكوت، بل على الثناء، على صاحب بدعةٍ مغلَّظة بسبب الإكراه والخوف؛ بل كان أهل السنة يخاصمون من يعتقدون ضلاله ويظهرون منافرته. وأبو حنيفة، حسب ما يصفه أرباب هذه الفتنة، بلغ من الحال ما يجعله في مصافّ أصحاب البدع المغلَّظة؛ فكيف اتفق له من بين سائر أهل البدع أن تتتابع القرون ليس في السكوت عنه بل في الثناء عليه واعتماد أقواله؟
وهذا من أقوى ما يُفتتح به الردّ؛ لأنه يُبطل أصل العملية التي يقوم بها الخصم لا نتيجتَها فقط.
فمن الخطأ المنهجي أن يُوضَع إمامٌ كأبي حنيفة ومن في طبقته في ميزان الترجيح. وليس معنى هذا عدم النقد؛ فليس في الإسلام معصومٌ إلا الأنبياء. لكنّ نقدَ العالِم وتخطئتَه فيما أخطأ فيه شيء، ووضعَه في ميزان التجريح وجمعَ أقوال الذامّين والمادحين لترجيح كفةٍ على كفة، ليُخرَج بعد ذلك بنتيجة: هل هو من أئمة أهل السنة أم من أئمة أهل الضلال، شيءٌ آخر رفضه علماء أهل السنة.
والدليل من صنيع الأئمة أنفسهم: أن الذهبي لما ألّف «ميزان الاعتدال» أبى أن يضع أبا حنيفة ومن في طبقته في الميزان، فقال في مقدمته: «لا أذكر في كتابي من الأئمة المتبوعين في الفروع أحدًا؛ لجلالتهم في الإسلام وعظمتهم في النفوس، مثل أبي حنيفة والشافعي والبخاري». وتبعه ابن حجر في «لسان الميزان» فلم يذكره، رغم أنه زاد فيه زياداتٍ على الميزان.
وقال أبو إسحاق الشيرازي: إن الراوي إن كانت عدالته معلومةً كالصحابة، أو أفاضلِ التابعين، وأجلّاءِ الأئمة كمالك وسفيان وأبي حنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق ومن يجري مجراهم، وجب قبول خبره ولم يجب البحث عن عدالته.
أنت تفعل ما امتنع منه الذهبي وابن حجر، وتبحث فيما أسقط الشيرازي البحث فيه.
فبأيّ منهجٍ سلفيّ تصنع هذا؟
وتمييزُها لازمٌ لئلا تقع في الخطأ وأنت تظن أنك تنصر الحق
- الإجمالي: الكفُّ عن الخوض في هذه القضايا، وتجنّبُ ما يثير الاختلاف، والتأكيدُ على حفظ مقامات الأئمة والثناء عليهم، وذكرُ أن منها ما لا يثبت، وأن ما ثبت فله وجهٌ يُعذَرون فيه، وأن تجنّبها لا يضرّ دين الناس. وهذه طريقةٌ فيها عقلٌ وحكمة، وهي الأنسب لأكثر الناس.
- التفصيلي: دراسةُ هذه المطاعن في سياقها وبيانُ حالها، وذكرُ ما وقع من الإمام من خطأٍ أو زلّةٍ لا يُتابَع عليها، مع حفظ مقامه وبيان فضله وتجنّب إثارة ما يفتح باب الفساد.
- إنكارُ وجود هذه المطاعن أو ثبوتها مطلقًا، حتى يتجه بعضهم إلى الطعن في «كتاب السنة» لعبد الله بن أحمد لأجلها. وهذا مكابرةٌ في الحقائق؛ فالمرويات معروفة ومصادرها كثيرة.
- الطعنُ في الناقدين لأبي حنيفة: بأن الحامل لهم الحسدُ أو الجهل، أو أن عقولهم ضاقت عن فقهه، أو الإزراءُ بطريقتهم، أو ردُّ الجميع بأنه كلام أقران. وهذا كمن يُصلح خدشًا فيهدم قصرًا؛ فالدفاع عن الإمام لا يجوز أن يكون سببًا في الطعن في جملةٍ كبيرة من علماء الحديث وسلف هذه الأمة. والطريف أن أصحاب هذا المسلك يتهمون الفقهاء بالتعصب وهم غارقون فيه.
وكما أن الإنصاف يقتضي ألا يُتخذ ما ثبت عن الأئمة كسفيان الثوري وغيره من قولهم في أبي حنيفة ذريعةً إلى الطعن في فقهه جملةً وفي مذهبه، فكذلك يقتضي ألا يُتخذ ما يُستدل به على فقهه ذريعةً إلى ردّ كلام أئمة الفن في روايته.
الإرجاء
كان يقول بقول مرجئة الفقهاء في الإيمان: أنه في القلب واللسان، وأن العمل ليس من الإيمان. وانتقده علماء السنة في جانبين: التعبيرِ واللفظ، حيث تركوا تسمية العمل الظاهر باسم الإيمان مع الدلائل على ذلك؛ والآثارِ العملية، حيث يلزم منه صحة الإيمان مع انتفاء العمل الظاهر كله.
ولا شكّ في غلط الإمام في هذا؛ غير أنه متأوِّلٌ فيه لم يتقصد مخالفة الحق، وقد اجتهد في معرفة الحق فهو معذور. وقد سبقه إليه جملةٌ كبيرة من كبار التابعين: كإبراهيم التيمي، وطلق بن حبيب، وعمرو بن مرة، وحماد بن أبي سليمان، وعبد العزيز بن أبي رواد، وغيرهم من أهل الديانة والعلم.
وقسّم أبو عبيد الناس في هذا ثلاثة أقسام: فرقتان من أهل العلم والعناية بالدين اختلفتا في دخول العمل في مسمّى الإيمان، ثم قال: «ثم حدثت فرقةٌ ثالثة شذّت عن الطائفتين جميعًا ليست من أهل العلم ولا الدين، فقالوا: الإيمان معرفةٌ بالقلب وإن لم يكن هناك قولٌ ولا عمل، وهذا منسلخٌ عندنا من قول أهل الملة الحنيفية». فتأمّل هذا التقسيم؛ فهو الفارق الحاسم بين إرجاء الفقهاء وإرجاء الجهمية، ولا يجوز في الرد أن يُسوَّى بينهما بحال.
وقال ابن تيمية: «وإنما المقصود أن فقهاء المرجئة خلافهم مع الجماعة خلافٌ يسير وبعضه لفظي». وقال: «فإن بدعتهم من جنس اختلاف الفقهاء في الفروع، وكثيرٌ من كلامهم يعود النزاع فيه إلى نزاعٍ في الألفاظ والأسماء».
وأما النقول الشديدة عن السلف في ذم المرجئة فتُفهَم وفق أصلين: أن الكلام في الأوصاف لا يلزم أن يتحقق في الأعيان؛ وأن التشديد والهجر تصرفاتٌ مصلحية لا أحكامٌ ثابتة دائمة. وقد قال ابن عبد البر: «ونقموا أيضًا على أبي حنيفة الإرجاء، ومن أهل العلم من يُنسَب إلى إرجاءٍ كثير لم يُعنَ أحدٌ بنقل قبيح ما قيل فيه كما عُنوا بذلك في أبي حنيفة لإمامته».
إن كان الإجماع على تبديعه يبيح لك تحقيره ولمزه، فيلزمك ذلك في كل من وقع في بدعةٍ من كبار الأمة وفضلائها. أفتفعل؟
القول بالسيف
وهو جواز الخروج على ولاة الجور، وهو مخالفٌ لما صحّ من أحاديث كثيرة تأمر بالصبر وتنهى عن القتال بسبب المعاصي. وكانت هذه المسألة سبب تشديد بعض السلف عليه، كقول الأوزاعي: «احتملنا من أبي حنيفة كل شيء حتى جاءنا بالسيف».
والغلط فيه من جنس الغلط في الإرجاء؛ فقد سبقه إليه علماءُ أجلّاء كبار من الصدر الأول. فلا يُتابَعون على قولهم ولا يُستطال عليهم بسببه.
وهنا فقهٌ عميق يجب إبرازه: الفرق بين القول الذي يشيعه الإنسان في حياته وتترتب عليه مفسدةٌ ظاهرة قائمة، فيُشدَّد فيه حتى يُدفَع ضرره؛ وبين ما يتحول إلى حدثٍ تاريخي مضى، فليس من الحكمة ولا العدل أن يُساوى بين الحالتين. ومن أظهر النماذج تأكيدُ أهل السنة على الكفّ عما شجر بين الصحابة، مع أن في اجتهادات بعضهم ما أفضى إلى دماء؛ لكن لم يعد في التنقيب ثمرة، بل صار مفسدة.
الضعف في الحديث
اختلف نقاد الحديث في الحكم على روايته؛ فضعّفها كثيرٌ منهم كالبخاري ومسلم والنسائي، ووثّقه آخرون كيحيى بن معين.
وهذا نقدٌ محدد متعلق بالرواية، لا يمسّ ديانته ولا فضله. فالحكم على الراوي بالضعف لا يعني نفي فضله ولا إمامته؛ فكثيرٌ من الضعفاء في الحديث فضلاءُ وأعلامٌ وعُبّادٌ كبار، بل عددٌ من الأئمة في القراءات أو التفسير أو الفقه أو اللغة كان يُحكَم بضعفهم في الحديث. وظنُّ أن التضعيف طعنٌ في العدالة فهمٌ عاميّ جاهل، بل هو دليلٌ على صلابة علم الرواية وتجرده.
قال ابن شاهين: «وهذا الكلام في أبي حنيفة طريق ثقة، طريق الروايات واضطرابها وما فيها من الخطأ، لا أنه كان يضع حديثًا، ولا يركّب إسنادًا على متن، ولا يدّعي لقاء من لم يلقَ، وقد كان أرفع من ذلك وأنبل».
وقال الذهبي: «لم يصرف الإمام همّته لضبط الألفاظ والأسانيد، وإنما كانت همّته القرآن والفقه، وكذلك حال كل من أقبل على فنٍّ فإنه يقصر عن غيره. ومن ثَمّ لينوا حديث جماعةٍ من أئمة القرّاء كحفص وقالون، وحديث جماعةٍ من الفقهاء، وما ذاك لضعفٍ في عدالة الرجل بل لقلة إتقانه الحديث».
ومن التعصب الذميم الاستطالةُ على نقاد الحديث بسبب هذا. فقد ذكر الألباني في «الضعيفة» جريًا على قاعدته المطردة أن أبا حنيفة «على جلالته في الفقه قد ضعّفه من جهة حفظه البخاريُّ ومسلمٌ والنسائيُّ وابنُ عديّ»، فاستُطيل عليه بسبب ذلك، وهذا تعصبٌ قبيح.
وأما دعوى أنه قليل العلم بالحديث فغلطٌ ظاهر؛ فمن يظنّ أن جاهلًا بالحديث يكون إمامًا في تلك الطبقة يتبعه القضاة، لم يقدّر عصر السلف حق قدره. قال الإمام أحمد: «تركنا أصحاب الرأي وكان عندهم حديثٌ كثير».
وتنبَّه: ترْكُ بعض المحدثين الروايةَ عن أهل الرأي موقفٌ مصلحي لا قدحٌ مطرد. ومن جعله أصلًا كليًّا قوّى شبهةً على المحدثين أنفسهم: أن نقدهم متحيّزٌ يسقط من يخالفهم في الفهم.
القول بخلق القرآن
جاء في بعض المرويات نسبةُ القول بخلق القرآن إليه، وأنه استُتيب من الكفر مرتين.
وفي هذه الروايات إجمالٌ كبير: فما الذي استُتيب فيه؟ ولم توضح الرواية من الذي استتابه، ولا كيفية الاستتابة، ولا ماذا قال بالضبط؛ ولهذا اختُلف فيمن استتابه: أهو الأمير أم القاضي أم تلاميذه. وقال الإمام أحمد: «أظن أنه استُتيب في هذه الآية ﴿سبحان ربك رب العزة عما يصفون﴾». فهي واقعةُ عينٍ مجملة تبقى محتملةً لعدة تفسيرات.
ولو أُخذ بها إلى أبعد نقطةٍ محتملة ضده، وهو أنه قال بذلك ثم تراجع وتاب، فهو معتقدٌ قد تاب منه، والتوبةُ تَجُبُّ ما قبلها. والعجيب أن بعض الطاعنين يعيّره بها، وهذا من الفجور الظاهر. ومن العبث أن يقال: ثبت كفره بيقين ووقع الشك في ارتفاعه؛ إذ ثبوتُ الكفر جاء في نفس الروايات التي ثبتت بها التوبة. فأن تتمسك بجانب الكفر وتشكّ في الجانب الثاني، هوًى ظاهر.
ويؤكد براءته سبعةُ أوجه: نفيُ الإمام أحمد له وقوله «لم يصح عندنا أن أبا حنيفة كان يقول القرآن مخلوق»؛ وانسجامُ ذلك مع طريقة أحمد إذ لم ينقده قطُّ بمثل هذا العظيم؛ وقولُ الأوزاعي «احتملنا منه كذا حتى جاء بالسيف» فلو قال بخلق القرآن لما أبقى له فيه هذا؛ واقتصارُ ابن المبارك، وهو من أعلم الناس به، على الإرجاء حين سُئل عن هواه؛ ورواياتُه العديدة في إنكار القول بخلق القرآن ومتابعةُ أبي يوسف له؛ وما في الكتب المنسوبة إليه كالفقه الأكبر وما نقله الطحاوي في عقيدته؛ وكلامُ أبي نصر السجزي في وجوب حمل أقاويل العلماء على أحسن الوجوه.
ثم إلزامٌ قاصم: يتبع الإمامَ مئاتُ الملايين ويرونه الإمام الأعظم. فلو أثبتَّ لهم أنه يقول بخلق القرآن، لكان هذا من أعظم ما يشيع هذا القول بين المسلمين. فأيُّ تحذيرٍ هذا الذي ينشر ما يحذّر منه؟
ردّ بعض السنن الصحيحة بالرأي
وهذا صحيحٌ جزئيًّا في بعض المسائل، مبنيٌّ على اجتهاده في النظر؛ فيردّ بعض النصوص التي يرى أنها مخالفة للأصول العامة كحديث المصرّاة، أو يردّها لمخالفة المرويات التي أخذها من علماء بلده.
وهذا النقد ليس خاصًّا به؛ فحتى الإمام مالك انتُقد عليه مثله، قال الليث بن سعد: «أحصيتُ على مالك بن أنس سبعين مسألة كلها مخالفةٌ لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم مما قال فيه برأيه». وقال حماد بن زيد: «ما كان بالكوفة رجلٌ أوحشَ ردًّا للآثار من إبراهيم».
وليس هذا استخفافًا بالسنة؛ قال الشافعي: «قد يجهل رجلٌ السنة فيكون له قولٌ يخالفها لا أنه عمَد خلافها». وقال ابن عبد البر: «ليس أحدٌ من علماء الأمة يثبت حديثًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يردّه دون ادعاء نسخٍ أو إجماعٍ أو طعنٍ في سنده؛ ولو فعل ذلك أحدٌ لسقطت عدالته». وكتب ابن تيمية «رفع الملام عن الأئمة الأعلام» لدفع هذه التهمة، وحصر الأعذار في ثلاثة أصناف: عدمِ اعتقاده أن النبي قاله، وعدمِ اعتقاده إرادة تلك المسألة، واعتقادِه النسخ.
وقال ابن تيمية: «ومن ظنّ بأبي حنيفة أو غيره من أئمة المسلمين أنهم يتعمدون مخالفة الحديث الصحيح لقياسٍ أو غيره فقد أخطأ عليهم وتكلم إما بظنٍّ وإما بهوى؛ فهذا أبو حنيفة يعمل بحديث التوضؤ بالنبيذ في السفر مع مخالفته للقياس، وبحديث القهقهة في الصلاة مع مخالفته للقياس، لاعتقاده صحتهما وإن كان أئمة الحديث لم يصححوهما».
ومع ذلك فابن تيمية ينكر على مذهبه ترك بعض النصوص فيقول: «فإن الكوفيين أكثر مخالفةً لنصوصٍ لا يوجد في مذهبٍ من المذاهب أكثر مخالفةً له منه». وهذا من منهجه الكلي في القيام بالحق والعدل مع المخالف، وهو الذي يجب أن يُحتذى.
وموضعُ ضعفٍ ظاهر عندهم: أن ما أُخذ على الإمام قام علماء الحنفية بعده بجمعه ووضعِ أصولٍ تقوم عليه ونصروها بالأدلة. فتركُ هذا كله والبقاءُ في اللحظة الأولى التي وقع عليها النقد قصورٌ كبير. فمن كان عنده إنصاف فليتجه إلى ما كتبه الجصاص أو الطحاوي وليردّ عليه بالحجة.
الأخذ بالرأي
وقعت خصومةٌ قديمة بين مدرسة أهل الحديث ومدرسة أهل الرأي، وهي متقدمةٌ قبل عصر أبي حنيفة.
وحقيقةُ الاختلاف ليست أن مدرسة الحجاز لا تعمل بالرأي، ولا أن مدرسة الكوفة لا تأخذ بالحديث؛ فالمدرستان متفقتان على العمل بالحديث والعمل بالرأي، وإنما الخلاف في درجة الاعتبار. ومن أسبابه الأساسية المروياتُ البلدانية؛ فكلُّ بلدٍ يرجّح المرويات التي شاعت فيه لأنها أوثق عنده.
وقد سُئل سفيان الثوري: ما تنقم على أبي حنيفة؟ فذُكر له قوله: «آخذ بكتاب الله، فما لم أجد فبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن لم أجد أخذتُ بقول أصحابه... فإذا انتهى الأمر إلى إبراهيم والشعبي وابن سيرين والحسن وعطاء وسعيد بن المسيب فقومٌ اجتهدوا فأجتهد كما اجتهدوا». فسكت سفيان طويلًا. والشاهد بيانُ منهج الإمام في تقديم الكتاب والسنة ثم أقوال الصحابة، وأن سفيان لم ينكر هذا.
وقال أبو حنيفة لأبي يوسف: «ويحك يا يعقوب، لا تكتب كل ما تسمع مني؛ فإني قد أرى الرأي اليوم وأتركه غدًا». فأيُّ تجرُّدٍ بعد هذا؟
وقد يقال: لو عذرنا أبا حنيفة في هذا لعذرنا المعتزلة في خلق القرآن. وهذا قياسٌ باردٌ متهافت؛ فأين قولٌ يُجمَع على كفره ولا يقول به أحدٌ من علماء الأمة ويقوم على أصلٍ اعتقادي فاسد، من خلافٍ في نظرٍ فقهي فرعيّ جاء فيه حديثٌ مختلَفٌ في صحته؟
ومن زعم أن الأمة ضلّت قرونًا في تعظيم أبي حنيفة حتى جاء هو ليكشف حقيقته، فقد قدّم دعوى تهدم الثقة بتاريخ العلم كله.
ولو كان ميزانه صحيحًا لسبق إليه الأئمة الذين عرفوا أخباره وخلافه أكثر منه. فإجماعُ الأمة على إمامته قاطعٌ لدعوى إسقاطه.
