الدرجة الرابعة · أن تنزل الميدان

ملفُّ السيوطي

حين كُفِّر حافظُ الأمة بعد خمسة قرون

الحافظ جلال الدين السيوطي إمامٌ حافظٌ مجتهد من أئمة الإسلام، خادمُ القرآن والسنة، صاحبُ «الإتقان في علوم القرآن» و«الدر المنثور» و«تدريب الراوي» و«الجامع الصغير» وما لا يُحصى من المصنفات التي تلقّتها الأمة بالقبول.

مضت خمسةُ قرونٍ كاملة منذ وفاته والأمة تدرس كتبه وتحققها وتترحّم عليه، ولم يكفّره فيها عالمٌ واحد معتبَر. فإسلامه وإمامته محلُّ إجماعٍ عمليّ متوارث.

ثم جاء من يكفّره في زماننا. وهذا الباب لتفكيك دعواه؛ لا لأنها قوية، بل لأنها بلغت من الجرأة ما يوجب كشفها.

الشبهة الأولى

شبهةُ الاستغاثة، وهي عمدةُ تكفيرهم

ومادتها نصُّ «حسن المحاضرة» في قصة الأمير أزدمر، الذي كان اعتقاده قريبًا من اعتقاد الحاكم العبيدي ورام حملَ الناس عليه بالسيف. قال السيوطي: «وما زلتُ أتضرع إلى الله تعالى في هلاكه وألا يوليه سبحانه على المسلمين»، ثم ذكر أنه استغاث بالنبي صلى الله عليه وسلم حتى قتله الله.

ونقضُها يمضي على خمس خطوات

  1. تحريرُ السياق أولًا

    فالرجل صرّح في السطر نفسه أنه يتضرع إلى الله في هلاكه. فالدعاءُ والطلب واقعان لله وحده بنصّه هو. فمن أين جاء الخصم بغيره؟

  2. جمعُ كلامه كله، فكلامُ الرجل يفسّر بعضه بعضًا قبل أن يفسّره خصمه

    قال السيوطي في «الأمر بالاتباع والنهي عن الابتداع» وهو ينكر الصلاة عند القبور والدعاء عندها: «فاقتدِ أيها المسلم إن كنتَ عبدًا لله بسلفك الصالح، وتحقّق بالتوحيد الخالص فلا تعبد إلا الله ولا تشرك بربك أحدًا»، ثم قال: فلا تدعُ إلا إياه، ولا تستغث إلا به، ولا تستعن إلا به. فهذا رجلٌ يحرّم بصريح لفظه دعاءَ غير الله والاستغاثةَ الشركية؛ فمن المحال حملُ لفظٍ في كلامه على عين ما ينهى هو عنه.

  3. ويعضده نصّان آخران له

    نقل في «تأييد الحقيقة العلية» مقرًّا: «وقبيحٌ بأن تكون في دار ضيافته وتوجّه وجه طمعك لغيره، وتطلب ممن هو بعيدٌ عنك وتترك الطلب من مولاك الذي هو أقرب إليك من حبل الوريد». وقال في «معترك الأقران» في سرّ حذف «قل» من قوله تعالى: ﴿وإذا سألك عبادي عني فإني قريب﴾: «للإشارة إلى أن العبد في حالة الدعاء في أشرف المقامات، ولا واسطة بينه وبين مولاه». فرجلٌ يقرّر أن لا واسطة بين العبد وربه في مقام الدعاء، محالٌ أن يُجعَل عنده النبيُّ مدعوًّا من دون الله.

  4. ثم تحريرُ المصطلح عند أصحابه

    فالاستغاثة في اصطلاح متأخري الشافعية الذين منهم السيوطي تُطلَق بمعنى التوسل والتشفع. قال السبكي: «يجوز التوسل والاستغاثة والتشفع بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى ربه، ولسنا في ذلك سائلين غير الله ولا داعين إلا إياه، والسؤال بالنبي ليس سؤالًا للنبي بل هو سؤالٌ لله به، ولا عليك في تسميته توسلًا أو تشفعًا أو استغاثة لأن المعنى في جميع ذلك سواء». وقال ابن حجر الهيتمي: «المستغاث به في الحقيقة هو الله والنبي صلى الله عليه وسلم واسطة». فحملُ لفظ السيوطي على اصطلاحه واصطلاح مدرسته واجب، وحملُه على اصطلاح الخصم مصادرة.

  5. ثم الحسم بلا تمييع

    والخصمُ نفسه مقرٌّ بأن التوسل ليس كفرًا؛ فإذا كانت استغاثتهم بمعنى توسلهم سقط التكفير من أصله. ونجزم هنا بلا تردد: الاستغاثةُ الشركية، وهي طلب ما لا يقدر عليه إلا الله من المخلوقات أحياءً أو أمواتًا، باطلةٌ محرمة، والسيوطي نفسه ممن ينهى عنها. والنزاعُ في التوسل بالذات والجاه معلومٌ وهو مما يُردّ بالدليل بلا تكفير. فليس دفاعنا عن الرجل تجويزًا لدعاء غير الله، بل تحريرًا لفعله من دعوى الخصم.

وعلى التنزّل

لو فُرض أن في العبارة ما يُنكَر، فالموانع قائمة بنصوص من يتمسّح بهم

ابن تيمية

قال في الرد على الأخنائي: من دعا غير الله وحجّ إلى غير الله هو مشرك والذي فعله كفر، لكن قد لا يكون عالمًا بأن هذا شركٌ محرم، فكثيرٌ من أنواع الشرك قد يخفى على بعض من دخل في الإسلام، فهذا ضالٌّ وعمله باطل لكن لا يستحق العقوبة حتى تقوم عليه الحجة.

محمد بن عبد الوهاب

قال: وإذا كنا لا نكفّر من عبد الصنم الذي على قبر عبد القادر وقبر أحمد البدوي وأمثالهما لأجل جهلهم وعدم من ينبههم، فكيف نكفّر من لم يشرك بالله؟

عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب

قال فيمن حرّر الأدلة واطّلع على كلام الأئمة ثم أخطأ في هذا الباب: لا مانع أن نعتذر له ولا نقول إنه كافر. وذكر ابن حجر الهيتمي صاحب «الجوهر المنظم» فقال: لا ننكر سعة علمه ونعتني بكتبه، ونعتمد على نقله، إنه من جملة علماء المسلمين.

ابن عثيمين

قرّر أن الأصل فيمن ينتسب للإسلام بقاءُ إسلامه حتى يتحقق زواله بمقتضى الدليل الشرعي، وأن في التساهل بالتكفير محذورَين عظيمين: افتراءَ الكذب على الله في الحكم، وعلى المحكوم عليه في الوصف.

القاصمة

إلزامُ السفاريني: من قائمتك أنت

حجرٌ من بيته

أدرج الخصمُ الإمام شمس الدين السفاريني الحنبلي في مقاله عن علماء أهل السنة الثقات أصحاب المعتقد الصحيح.

والسفاريني يقول في «البحور الزاخرة» عن هول الموقف: «ولقد كنتُ قلتُ في هذا المعنى مستغيثًا بالنبي صلى الله عليه وسلم: إليك أشكو رسول الله من وجَلي».

فهذه استغاثةٌ بلفظها من إمامٍ وثاقته بيدك أنت. فاختر:

  • إن كفّرتَ السفارينيهدمتَ قائمتك بيدك، وأسقطتَ من أثبتَّه.
  • وإن عذرتَهلزمك عذرُ السيوطي في عين الفعل.
  • وإن فرّقتَ بلا فارقفقد شهدتَ أن ميزانك هيبةُ الأسماء لا حقيقةُ الأقوال.

وقد اكتمل هذا الإلزام بعد كشفه بمراحل موثّقة من كلام الخصم نفسه. أنكر أولًا الثبوت فقال: لا يثبت عندي أنه استغاث بغير الله، والله إن استغاث بغير الله فقُبحًا له. فانظر كيف استبدل بالحكم الذي يرمي به السيوطي دعاءً مجملًا. وأين قوله هنا: «مشركٌ خارج من الملة»؟

فلما أُثبت له النصّ من «البحور الزاخرة» انتقل إلى التأويل بنفسه فقال: ما فهمتُ منها أنها استغاثةٌ بمعنى الاستغاثة، الرجل يتخيل موقفه يوم القيامة ويقول للنبي خذ بيدي، تشفّع لي، ساعدني.

فتأمّل ما صنع: هو القائل «ما عندنا شيء اسمه تأويل في الشرك»، ثم أوّل استغاثة السفاريني بيده. فأثبت التأويل لمن لا يريد إسقاطه، ومنعه عمّن يريد.

ثم إن تأويله فاسدٌ في نفسه من جهتين: سياقُ السفاريني دنيويٌّ بلفظه، فهو يقول «نأى شبابي وأحاط بي أجلي»، ومن يخاطب النبي يوم القيامة لا يشكو اقتراب أجله. ولازمُ تأويله أن ما يسميه هو شركًا أكبر يجوز تخيّله وطلبه يوم القيامة. فليختر أيّ الفضيحتين شاء.

وزاد ثالثةً حين قال فيمن يحمل الاستغاثة على معنى التوسل: «إلا إذا حمارٌ ما يعرف يتكلم»، ثم طالب هو أن تُحمَل كلمته «قل: كافر» على محملٍ حسن. فصار التأويل حقًّا له محرمًا على خصومه، وحقًّا للسفاريني محرمًا على السيوطي؛ مع أن حال السيوطي أسهل، لأنه صرّح قبل استغاثته بأنه ما زال يتضرع إلى الله.

إلزامُ اليقين من قاعدته هو

قرّر لنفسه لما خاف التكفير أن من أظهر الشهادتين ودعا إلى الإسلام فهو مسلمٌ بيقين، وأن اليقين لا يزول إلا بيقين.

والسيوطي يفتتح كتبه بالشهادتين، في «التوشيح» و«الإتقان» و«الدر المنثور» وغيرها، وملأ الدنيا علمًا ودعوةً إلى الله. فإسلامه يقينٌ بمقياس الخصم نفسه، وقد أخرجه منه بظنونٍ واحتمالات.

فمن أجرى قاعدة اليقين لنفسه ومنعها عن إمامٍ حافظ، فقد حكم على ميزانه بالكسر.

الشبهة الثانية

قوله: «لن يغفر الله له، وإن رحمه الله فسيرحم النصارى»

وهذا فوق التكفير: تألٍّ على الله، وشهادةٌ على معيَّن بالخلود. قال ابن أبي العز في شرح الطحاوية: «من أعظم البغي أن يشهد على معيَّن أن الله لا يغفر له ولا يرحمه بل يخلّده في النار، فإن هذا حكم الكافر بعد الموت».

من ذا الذي يتألّى عليّ أن لا أغفر لفلان، فإني قد غفرتُ لفلان وأحبطتُ عملك.

صحيح مسلم من حديث جندب، فيمن قال: والله لا يغفر الله لفلان

وعند أبي داود قصة المتآخيَين في بني إسرائيل، وفيها قال أبو هريرة: «تكلّم بكلمةٍ أوبقت دنياه وآخرته».

وعقيدةُ أهل السنة أن عواقب العباد مبهمة، كما قرره الصابوني في «عقيدة أصحاب الحديث»، وأنه لا يُشهَد لمعيَّن بجنةٍ ولا نارٍ إلا من ورد فيه النص. وقال أحمد: «نرجو للصالح ونخاف على المسيء». وقرّر ابن تيمية أنه لا يُشهَد لمعيَّن إلا بدليلٍ خاص وأن الاندراج في العموم لا يكفي.

والطامّة أن الخصم نفسه نقل كلام الصابوني وعلّق عليه: «أي مبهمة بالنسبة لنا»، ثم جزم بعاقبة السيوطي. فنقض تعليقَه بحكمه.

ثم يُقلَب عليه أمر التسوية: سوّى بين إمامٍ أفنى عمره في خدمة القرآن تفسيرًا وعلومًا، وبين من يحرق المصحف ويستهزئ به. والله يقول: ﴿أفنجعل المسلمين كالمجرمين﴾، ويقول: ﴿أم نجعل المتقين كالفجار﴾، ويقول: ﴿أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون﴾. فمن أراد الحق فأخطأ ليس كمن عاند الحق فحاربه، ومن سوّى بينهما فقد حكم بغير ما أنزل الله في الموازين.

ولما رُدّ عليه بإبهام العواقب شغّب فقال: أخطأ في التعميم، فالكافر نشهد له بالنار. وجوابه بالتحرير الذي يفصل العام عن المعيَّن: نشهد بالعموم أن المؤمنين في الجنة وأن الكافرين في النار، ولا نشهد لمعيَّن بجنةٍ ولا نارٍ إلا من شهد له النص. وهذا نصّ الصابوني نفسه الذي نشره الخصم بيده. ونقل ابن مفلح عن ابن تيمية أن المنصوص عن أحمد: نشهد بأن المؤمنين في الجنة وأن الكافرين في النار، ولا نشهد بذلك لمعيَّن إلا من شهد له النص أو الاستفاضة.

فإذا كان المحققون يمسكون عن الشهادة بالنار على أعيان رؤوس الكفر، فما ظنك بمن جزم بها لإمامٍ حافظٍ مسلم؟ ثم هو جزم بالخاتمة فقال: ثبت عندنا خروجه من الإسلام ومات على ذلك. ومن أين له علم الخاتمة والصابوني يقول: لا يدري أحدٌ بما يُختَم له؟

الشبهة الثالثة

رشف الزلال والمقامة المنسوبة

ونقضُها يبدأ من الثبوت: الكتاب لم يثبت عن السيوطي ثبوتًا تقوم به حجة؛ فروايته عن مجاهيل وتداولُه عند خصوم. ومن كفّر مسلمًا ثابت الإسلام بيقين بنقلٍ لم يثبت، فقد هدم قواعد الثبوت كلها.

ثم على فرض الثبوت فهي مقامةٌ أدبية على طريقة الأدباء في التصرف بمصطلحات العلوم، لا استهزاءٌ بالدين. ويهدم الخصمَ إلزامٌ من بيته: تلميذُه مثّل دور الملحد ونطق بعبارات الكفر في مناظرةٍ ليردّ عليه. فإن كان التقمّص كفرًا فليحكم في داره أولًا، وإن كان التمثيل والتصرف الأدبي معذورًا فليطرد العذر.

ثم تقطع رسالةُ «الاستيقاظ والتوبة» الطريقَ كله: تبرّأ الرجل قبل موته من كل ما يخالف الشريعة، فأيُّ شيءٍ بقي يُكفَّر به؟

وقصةُ وفاته إن صحّت، وقد ضُرب لإنكاره منكراتٍ وقعت من غلاة المتصوفة، منقبةٌ تدل على قيامه بالإنكار لا مثلبة. ومن قلب المناقب مثالب فقد أخبر عن ميزانه.

التوثيق

أنماطُ تشغيبه عند العجز، تُكشَف ولا تُجارى

قلبُ الاتهام

كفّر السيوطي ثم سمّى من ردّ عليه تكفيريًّا. وعجز عن الجواب فزعم أن خصمه اتهمه بتكفير النووي وهو لم يقله والحلقة كلها في السيوطي. واتهم من ردّ عليه قبلها بالطعن في أحمد وابن خزيمة وابن العطار بل في النبي صلى الله عليه وسلم. وهذه «رمتني بدائها وانسلّت»، ويُردّ بمطالبته بموضع الكلمة بلفظها من الحلقة نفسها.

الاتهامُ باللازم المكفِّر مع التنصّل

وصف مخالفه بأنه أباح الشرك وبرّره. فيُلزَم بسؤالٍ لا فكاك منه: ما حكم من يبيح الشرك عندك؟ فإن قال كافر فقد كفّر خصمه وانكشف، وإن أمسك فقد شهد أن اتهامه تشغيبٌ بلا حكم.

صيغة «ثبت عندنا»

يحكم بإخراج إمامٍ من الملة بصيغة الجمع وهو فردٌ لم يشهد له عالمان معتبَران بأهلية الكلام في الاعتقاد، وقد طُولب بتسميتهما فلم يجب. فيقال له: من أنت حتى يكون لك «عندٌ» تُخرج به أعيان الأمة من الإسلام؟

عكسُ قاعدة أحسن المحامل

قال عمر رضي الله عنه: «لا تظنّنّ بكلمةٍ خرجت من مسلمٍ شرًّا وأنت تجد لها في الخير محملًا». وقال أبو قلابة: «فإن لم تجد له عذرًا فقل: لعل له عذرًا وأنا لا أعلمه». وهذا يحمل كلام السيوطي الناهي عن الشرك على أسوأ محمل، ويطلب لكلمته هو ولحليفه أحسنَ المحامل.

الحكم على الرجل المسلم بخروجه من دين الإسلام لا ينبغي لمسلمٍ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يُقدِم عليه إلا ببرهانٍ أوضح من شمس النهار.

الإمام الشوكاني

تسليطُ الجهال على تكفير علماء المسلمين من أعظم المنكرات، وإنما أصل هذا من الخوارج والروافض، وقد اتفق أهل السنة والجماعة على أن علماء المسلمين لا يجوز تكفيرهم بمجرد الخطأ المحض.

شيخ الإسلام ابن تيمية

إسلامُ السيوطي يقينٌ بإجماع خمسة قرون، واليقينُ لا يزول بالظنون. ومن كفّره فقد خالف سبيل المؤمنين، وتألّى على الله، وتفرّد بقولٍ لم يقله عالمٌ قبله.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أيّما امرئٍ قال لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما، إن كان كما قال وإلا رجعت عليه».