الدرجة الرابعة · أن تنزل الميدان

ملفُّ النووي

شهادةُ سبعةِ قرون، ومن جاء ينقضها وحده

سبعةُ قرونٍ والأمةُ تقرأ «رياض الصالحين» في بيوتها، و«الأربعين» يحفظها صبيانُها وعجائزُها، و«الأذكار» في خزانة كل بيت، و«شرح صحيح مسلم» في خزانة كل طالب علم. سبعةُ قرونٍ لم يقم فيها عالمٌ واحد معتبَر فيقول: ليس هذا الرجل بإمام.

ثم قام في زماننا من يقول ذلك، ويجعلها مسألةَ ولاءٍ وبراء، ويمتحن بها الناس. فوجب البيان.

واعلم قبل أن تمضي أن هذا الباب ليس محاماةً عن رجل. فالإمام النووي رحمه الله قد أفضى إلى ما قدّم، ولا ينفعه ثناؤنا ولا يضره طعنُ طاعن. وإنما هو ذبٌّ عن ميزان: إذ لو صحّ أن تُهدَم إمامةٌ أطبقت عليها الأمة قرنًا بعد قرن بمجرد دعوى متأخّر، لم يبق في يدك ميزانٌ تعرف به إمامًا من مدّعٍ، ولا ثقةً من متروك. فالمقصود حفظُ الميزان، والرجلُ فرعٌ عليه.

ومن له علمٌ بالشرع والواقع يعلم قطعًا أن الرجل الجليل الذي له في الإسلام قدمٌ صالح وآثارٌ حسنة، وهو من الإسلام وأهله بمكان، قد تكون منه الهفوة والزلة هو فيها معذورٌ بل ومأجورٌ لاجتهاده؛ فلا يجوز أن يُتَّبع فيها، ولا يجوز أن تُهدَر مكانته وإمامته ومنزلته من قلوب المسلمين.

ابن القيم، إعلام الموقعين
أولًا

شهادةُ سبعةِ قرون

واعلم أن الشهادة في دين الله ليست كلمةً تُرمى. قال سبحانه: ﴿ستكتب شهادتهم ويسألون﴾، وقال: ﴿ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد﴾. فما كان هؤلاء الأئمة ليُقدموا جميعًا على الشهادة بأمرٍ لم يكونوا يعلمونه، ولا ليشهدوا جميعًا زورًا على أمرٍ يعلمون خلافه.

ولم تكن حالُ النووي ولا المسائلُ التي أخطأ فيها خافيةً عليهم؛ فهم أقربُ الناس إليه عهدًا، وأعلمُهم بكتبه، ومنهم من نسخها بيده وسمعها منه. ثم هم بعد ذلك لم يجتمعوا ويتواطؤوا على إضلال الأمة في شأن رجلٍ واحد قرنًا بعد قرن.

وفوق ذلك كله، وهو أصلُ القضية: لم يكونوا ليضلّوا جميعًا عن حكم الله في العالم المجتهد المتأوّل، فيحكموا بالإمامة لمن لا يستحقها في الدين. فتأمّل هذا قبل أن تقرأ الشهادات، فإنه المفتاح.

وهذه طبقاتُ الشهود، من أقربهم إليه إلى أبعدهم

من لقيه وجالسه وأخذ عنه

ابنُ فرح تلميذه، وهو شيخ الذهبي، قال: صار الشيخ محيي الدين إلى ثلاث مراتب، كل مرتبةٍ لو كانت لشخصٍ لشُدّت إليه الرحال: العلمُ، والزهد، والأمرُ بالمعروف والنهي عن المنكر. وابنُ العطار أخصُّ تلاميذه وناسخُ كتبه بحضرته، وهو شيخ الذهبي وأخوه من الرضاعة، قال فيه: العالم الرباني المتفق على علمه وإمامته وجلالته. وقطبُ الدين اليونيني الحنبلي، والبرزالي.

أئمةُ الحديث والتاريخ

الذهبي: النواوي الإمام الحافظ الأوحد القدوة شيخ الإسلام علم الأولياء. وقال: مفتي الأمة، شيخ الإسلام، أحد الأعلام. وقال: هو سيد أهل هذه الطبقة. وابنُ كثير: العلامة شيخ المذهب وكبير الفقهاء في زمانه، محرر المذهب ومهذبه. وابنُ حجر: شيخ الإسلام النووي، وإمام الناس. وابنُ الملقن، والعراقي، والصفدي، والنويري، وابن قاضي شهبة، والتقي الفاسي، وسبطُ ابن العجمي والده وولده.

الحنابلة، وهم ألصقُ الناس بمذهب الإثبات

شيخُ الإسلام ابن تيمية سمّاه: الإمام أبا زكريا النواوي، وعدّه من علماء المسلمين. وابنُ عبد الهادي: الإمام الفقيه الحافظ الأوحد القدوة الزاهد. وابنُ رجب: الفقيه الإمام الزاهد القدوة. وابنُ العماد: شيخ الإسلام الحافظ الزاهد أحد الأعلام. وشمسُ الدين بن الفخر، ومرعي الكرمي، والنعيمي. وابنُ الوزير اليماني كرّرها في مواضع.

أئمةُ الدعوة النجدية وعلماء السلفية

محمدُ حياة السندي شيخُ إمام الدعوة محمد بن عبد الوهاب وشيخُ الصنعاني، قال: الإمام الفقيه محيي الدين النووي الشافعي الزاهد الورع. وعبدُ الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب جعل شرح النووي على مسلم من شروح الأئمة المبرَّزين التي يستعينون بها، وقال: ولله درُّ النووي في جمعه كتاب الأذكار. وعبدُ الرحمن بن حسن قال: وحسبُك بهذا الإمام. وحمدُ بن ناصر آل معمر، والنعمانُ الألوسي، ومحمدُ بن إبراهيم آل الشيخ، والمعلميُّ اليماني. ثم ابنُ باز وابن عثيمين والألباني والفوزان: إمامتُه عندهم أمرٌ معلوم.

ولا يحتمل كتابُنا أكثر مما ذكرنا من سيرة هذا السيد رحمة الله عليه، وكان مذهبه في الصفات السمعية السكوتَ وإمرارَها كما جاءت، وربما تأوّل قليلًا في شرح مسلم.

الذهبي، خاتمة ترجمته في تاريخ الإسلام - وهو أعلم الناس بحاله
ثانيًا

ولم يكونوا ممن يسكت

ولعلّ قائلًا يقول: لعلّهم سكتوا مجاملةً، أو أمسكوا عن ذكر ما يعلمون. فيقال: هذه دعوى تُبطلها سيرةُ القوم كلُّها.

واعلم أن من رحمة الله بهذه الأمة وتشريفه لها أن جعلها أمةَ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فلا يسكت علماؤها على باطلٍ أبدًا، ولا يجتمعون على قول الباطل أبدًا، ولا يُقِرّون أحدًا على باطلٍ وإن علا قدرُه. فلم يكونوا كالذين من قبلهم إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحدّ.

وشعارُهم في ذلك قولُ الإمام مالك: ما منّا إلا رادٌّ ومردودٌ عليه، إلا صاحب هذا القبر. ولذلك تجدهم يردّون كثيرًا من المخالفات التي زلّت فيها أقدام إخوانهم من أهل العلم في زمنهم، ويبيّنون وجه مخالفتها لكلام الله وكلام رسوله.

وفي كلام شيخ الإسلام ههنا ثلاثُ فوائد

أنه يعدّ النووي من علماء المسلمين

وقد تقدّمت شهادته في موضعها، وهي ههنا مكرّرةٌ في سياقٍ آخر؛ فلا تكون كلمةً عابرة.

أن علماء الأمة لا يسكتون على باطلٍ ولا يجتمعون على قول الباطل

وهذا يُبطل دعوى المجاملة والمداهنة من أصلها؛ إذ ثبت بالمشاهدة أنهم يردّون على الأئمة الفضلاء.

صحةُ إمامة النووي؛ إذ لو كانت باطلًا ما أجمعوا عليها

فالفائدتان الأوليان تُنتجان الثالثة إنتاجًا لازمًا، ولا مخرج منه إلا بإبطال إحدى المقدمتين.

وإذا كان هذا حالهم مع الغزالي، فكيف بالإمام المحدّث النووي؟ وأين الغزاليُّ من النووي؟

ثم إنه لا يخلو قرنٌ في هذه الأمة ممن يقوم لله بالحجة، وهذا من دلائل نبوته صلى الله عليه وسلم إذ يقول: لا تزال طائفةٌ من أمتي قائمةً بأمر الله لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس. فقوله «لا تزال» يفيد استمرار قيام طائفةٍ منهم لله بالحجة.

فتحصّل من ذلك إلزامٌ لا مخرج منه

إذا ثبت أن العلماء لا يسكتون على باطل، وأنهم لا يجتمعون على ضلالة، ثم رأيتَهم قد أجمعوا قرنًا بعد قرن على الحكم بالإمامة في الدين لهذا الرجل مع علمهم بما أخطأ فيه متأوّلًا - فمن المحال أن يجتمعوا على ذلك ثم لا يكون إمامًا في الدين.

  • إن قلتَ: بل سكتوا وداهنوانقضتَ المشاهَد من صنيعهم مع الغزالي وغيره، وهم من هم في الإمامة.
  • وإن قلتَ: بل تكلّموا ولم يبلغهم ما بلغنيفقد جعلتَ نفسك أعلمَ بحاله من تلاميذه ومن نسخ كتبه بيده، وهذا هو اللازم الثالث الآتي.
  • وإن سلّمتَ أنهم علموا وتكلّموا ثم أجمعوا على إمامتهفقد سقطت دعواك من أصلها، ولم يبق لك إلا التسليم.
ثالثًا

خمسةُ لوازم، لا مخلَص له من واحدٍ منها

فمن أسقط إمامةَ النووي فقد جعل مصداقيته رهينةً بإسقاط شهادة أولئك الشهود. وليس أمامه إلا واحدٌ من خمسة، فانظر أيَّها يختار.

أن يقول: شهدوا على ما لا يعلمون

وهذا تجهيلٌ لهم جميعًا، ورميٌ لهم بالقول في دين الله بغير علم.

أو: علموا ثم شهدوا زورًا

خوفًا أو طمعًا أو إهمالًا. وهذا طعنٌ في دينهم وأمانتهم وشجاعتهم في الصدع بالحق.

أو: علموا ما بلغهم وفاتهم ما بلغه هو

وهذا تجهيلٌ أشدُّ من الأول؛ لأنه يجعل هذا المتأخر أعلمَ وأرسخَ من كل أولئك الجهابذة، مع قرب عهدهم وبُعد عهده.

أو: تواطؤوا على كتمان الحق

وهذا تشبيهٌ لهم بأحبار اليهود الذين كتموا ما أنزل الله. وهو أقبح الوجوه وأبعدها.

أو: لم يفهموا عمومات الأئمة قبلهم

فحفظوا الحروف ولم يفهموا ما تحتها، فاتفقوا على تعديل من يستحق التجريح. ولازمُ هذا أنه لا ثقة بعد اليوم بتجريحهم ولا تعديلهم ولا علمهم؛ فقد يجتمعون على تجريح العدول كما اجتمعوا على تعديل المجروحين. فانظر أين ينتهي بك هذا الباب.

الشبهة الأولى

شبهةُ أحجار الدومينو: لا يلزم من إسقاطه الطعنُ فيهم

قال: إسقاطُ إمامة النووي لا يستلزم الطعن في الشهود، وسمّى إلزامكم إياي بذلك «مغالطة أحجار الدومينو».

وهذه من عادته: يشتّت انتباه متابعيه بالألفاظ الجديدة الغريبة، حتى يجلسهم مجلس المتعلم الحائر ويجلس هو على كرسي الأستاذية ليكشف لهم الغوامض. وهي حيلةٌ نفسية معروفة، لا حجةٌ علمية.

ثم أراد قلبَ الدليل، فقال

فإن قالإن لزمني هذا، لزمكم مثلُه: فأنتم طعنتم في فهمي لكلام الإمام أحمد، فيلزمكم الطعنُ في الإمام أحمد نفسه!

قيل له

قيل له: بينهما فرقٌ لا يخفى على منصف. فنحن قابلنا نصًّا خاصًّا بنصٍّ خاص في الجزئية نفسها: قلتَ «النووي ليس بإمام» وقال العلماء «النووي إمام»، ونقيضان لا يجتمعان، فلا بد من سقوط أحدهما.

وأما أنت فقابلتَ قولنا الخاصَّ بكلامٍ عامٍّ للإمام أحمد ليس فيه تنصيصٌ على النووي أصلًا، ثم بمفهومٍ جزئيّ فهمتَه أنت من عمومه ولم يقله أحمد ولا نصّ عليه ولا قصده. فالخلاف بيننا ليس في صحة كلام أحمد، بل في فهمك أنت وتنزيلك أنت.

ومثلُك في هذا مثلُ خارجيٍّ يكفّر المؤمن بالمعصية، فإذا قلت له: يلزمك تكذيبُ الرسول، فقد نصّ في الحديث الصحيح الصريح على عدم خلود عصاة الموحدين، قال لك: بل يلزمك تكذيبُ الله في قوله ﴿ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا﴾! فإلزامُنا له صحيح لأنه عارض خاصًّا بخاص، وإلزامُه لنا باطل لأنه عارض خاصًّا بعام.

فإن قالفما موقف الإمام أحمد نفسه إذن؟

قيل له

قال شيخ الإسلام، وهو أعلم الناس بمذهبه: أحمد لم يكفّر أعيان الجهمية، ولا كلَّ من قال إنه جهمي كفّره، ولا كلَّ من وافق الجهمية في بعض بدعهم؛ بل صلّى خلف الجهمية الذين دعوا إلى قولهم وامتحنوا الناس وعاقبوا من لم يوافقهم بالعقوبات الغليظة، ولم يكفّرهم، بل كان يعتقد إيمانهم وإمامتهم ويدعو لهم.

ودعا للخليفة وغيره ممن ضربه وحبسه، واستغفر لهم، وحلّلهم. ولو كانوا مرتدين لم يجز الاستغفار لهم بالكتاب والسنة والإجماع.

فالإلزامُ علينا ساقط، والإلزامُ عليه قائم، ولا مناص له من الجواب.

الشبهة الثانية

تجهيلُ الذهبي: إما لم يقرأ الكتاب، وإما قرأ نسخةً محرَّفة

ولم تخب تلك اللوازم الخمسة؛ فها هو يصرّح بأحدها. قال: إن الذهبي لم يكن مطّلعًا على تلك المسائل ولا على علمٍ بها، فإما أنه لم يقرأ شرح النووي لصحيح مسلم، وإما أنه قرأه في نسخةٍ تصرّف فيها النسّاخ فحذفوا منها تلك التأويلات.

ثم احتجّ بكلامٍ للسبكي، وزعم أن السبكي هو من ظفر بالنسخة الصحيحة. فرأى أن وصف الذهبي بالجهل أهونُ عليه من رميه بالكذب أو المحاباة، فاختار التجهيل.

فانظر إلى ما التزمه، وإلى ما يستنكفه لنفسه

ما يرضاه للذهبي
  • أن يشهد بالإمامة لرجلٍ لم يقرأ كتابه.
  • أن يقتني كتابًا منسوبًا إلى النووي بلا استيثاقٍ من صحة نسبته.
  • أن يبني أحكامه على نسخةٍ مجهولة النسب بلا مقابلةٍ ولا سماع.
  • أن يسمّي رجلًا ضالًّا: شيخَ الإسلام، ومفتيَ الأمة، والقدوة.
وما لا يرضاه لنفسه
  • لا يستجيز أن يُوصَف بأنه سمع قولًا فصدّقه من غير تثبّت.
  • ولا يرضى أن يُقال إنه نقل عن كتابٍ لم يتحقق من نسبته.
  • ولا يقبل أن يُنسَب إليه حكمٌ بناه على نسخةٍ لم يراجعها.
الشبهة الثالثة

يلزمكم القولُ بعصمة العلماء

فإذا حاججتَه باتفاق العلماء على إمامة النووي، مع كثرتهم واختلاف مذاهبهم وقرب عهدهم به وإمامتهم وأمانتهم، وتتابع القرون على ذلك، رماك بأنك تقول بعصمتهم.

فإن قالأنتم تقولون بعصمة العلماء!

قيل له

قيل له: هذا خلطٌ بين عصمة الآحاد وعصمة الإجماع، وبينهما ما بين البعر والبدر. فنحن لا نقول بعصمة واحدٍ منهم البتة، بل نقول: كلٌّ يؤخذ من قوله ويُترك.

وإنما الحجة في اجتماعهم، والنصُّ الصحيح واردٌ بعصمة الأمة إذا أجمع علماؤها. قال صلى الله عليه وسلم: لا تزال طائفةٌ من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله. وقوله «لا تزال» يفيد الاستمرار.

وتشغيبُك هذا من جنس تشغيب من يزعم أن أهل السنة يقولون بعصمة الصحابة كي يبطل حجية فهمهم إذا اتفقوا. فهي حيلةٌ واحدة في بابين.

فإن قالفلمَ لا يكون الأمر عندكم كما هو عندي؟

قيل له

قيل له: لأنك لم تلتزم ما ألزمتنا به. أبطلتَ شهادة أولئك الشهود الثقات جميعًا بشهادة السبكي وحده، ولم تُلزم نفسك القول بعصمة السبكي وهو واحد!

ثم إنك سُئلت عن أبي حنيفة فقلت للسائل: ارجع إلى قول العلماء في زمانه، فإن كلامي فيه لا يقدّم ولا يؤخّر. فإذا ألزمناك بقول علماء الزمان في إمامة النووي رميتنا بالقول بعصمتهم! فالشبهةُ عندك حجةٌ إن ظننتها لك، والحجةُ عندك شبهةٌ إن كانت عليك.

الشبهة الرابعة

التشغيبُ على الإجماع، وخمسُ مناوراتٍ لنقضه

لما وجد نفسه محاصَرًا بإجماع العلماء قرنًا بعد قرن، لم يجد حفرةً ينسلّ منها، فتكررت خرجاته في هذا الباب. وهذه مناوراته مجموعةً، ثم جوابُها.

المناورات

الخلطُ بين عصمة الآحاد وعصمة الإجماع

فيدلّس على أتباعه أن العلماء غير معصومين، وهو ما لم يقله أحد. وقد تقدم جوابه.

تجريحُ الشهود جملةً

فيقول: منهم المبتدعة، ومنهم الجاهل بحال النووي، ومنهم المخدوع بشهرته. وهذا هو اللازم الأول والثالث والخامس مجتمعةً، صرّح بها بعد إنكاره.

جعلُ الثناء مجاملةً

فيزعم أن ثناء العلماء عليه لا يعني القول بإمامته، وأن الإجماع على إمامته مجاملةٌ فارغة كما يفعل السوقة. فجعل أئمة الملّة يتمالقون في دين الله.

نقلُ البحث إلى مسألةٍ أخرى

فيقول: ما حكم من خرج عن الإجماع؟ وهل تارك الإجماع يكفر عندكم؟ وبماذا تعذرونني؟ وهذا هربٌ من موضع النزاع إلى ما ليس محلَّه.

الاحتجاجُ بخرق الناس للإجماع

فيقول: إن الناس قد خالفوا الإجماع في مسائل كثيرة. وهذا احتجاجٌ للباطل بالباطل؛ فخرقُ الإجماع باطل، وخرقُ غيرك له في مسألةٍ أخرى لا يجعل خرقك في هذه حقًّا.

ومن مناوراته اللطيفة

فإن قالوما أدراك أنه إجماع؟ فليس عدمُ العلم بالمخالف علمًا بعدم وجوده.

قيل له

قيل له: لو صحّ هذا لأسقطتَ اتفاق الأمة على إمامة كل إمام وعدالة كل ناقل. فيقال في كل راوٍ عدل: ما أدراك أن من عدّله الأئمة لم يجرحه واحدٌ لم يسمع به أحد؟ فالاحتمالُ قائم! وما دام الاحتمال قائمًا فدعوى الإجماع ساقطة.

فأبالوساوس والاحتمالات يُشوَّش على إجماع الأمة في تعديل العلماء الربانيين؟

فإن قالإن الإجماع إنما يكون على حكمٍ شرعي، وإمامةُ النووي ليست حكمًا شرعيًّا.

قيل له

قيل له: بل هي حكمٌ شرعي. فكما ينعقد الإجماع على أن ماءً بعينه لم تتغير أوصافه صالحٌ للطهارة، ينعقد على أن هذا الرجل صالحٌ لأن يُؤتمَّ به في الدين.

ويبيّنه قوله تعالى: ﴿فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون﴾؛ فمعرفةُ كون فلانٍ من أهل الذكر الذين أُمرنا بسؤالهم حكمٌ شرعي يُسأل عنه المفتي ويجيب.

وهذا الجواب منه دليلٌ على أنه لم يتمّ قراءة «الورقات» إلى آخر ورقة؛ فإن فيها شروط المفتي وحدَّ الإجماع، فقرأ فلم يفهم.

الإلزام القاصم: الجعدُ بن درهم

منكِرُ إجماع الأمة على أن النووي إمامُ هدى، كمنكِرِ إجماع علماء التابعين على أن الجعد بن درهم إمامُ ضلالة.

فقد ضحّى بالجعد خالدُ بن عبد الله القسري على رؤوس الخلائق يوم النحر، وقال: ضحّوا تقبّل الله ضحاياكم، فإني مضحٍّ بالجعد بن درهم. ثم نزل فذبحه، وشكره العلماء على ذلك، وكان في زمن التابعين، فلم يعبه عائبٌ ولم يطعن عليه طاعن.

فأجمع علماء التابعين على أن الجعد إمامُ كفرٍ وضلالة، كما أجمع علماء الأمة من لدن النووي إلى زماننا على أنه إمامُ هدى. فمنكِرُ هذا الإجماع كمنكِرِ ذاك، ولا يفرّق بين المتماثلين إلا مكابر.

ثم إن الذي أنكر إجماع التابعين على الجعد كان صادقًا مع نفسه: أنكر الإجماع والتزم لوازمه فطعن في الشهود ورماهم بالكذب. وأما هذا فأنكر الإجماع وسكت عن الشهود، ولم يجرؤ على التصريح بتكذيبهم مع أنه لازمٌ له.

  • إن وافق في إنكار ذلك الإجماعفقد وقع فيما يزعم أنه يحاربه، وهو إنكارُ ما أجمع عليه السلف في باب الصفات.
  • وإن قال: بل أخالفهفما كان حجته على صاحبه فهو حجتنا عليه. فإن طالبه بالإتيان بمن خالف إجماع التابعين، طالبناه بالإتيان بمن خالف إجماع الأمة قرونًا على إمامة النووي.
الشبهة الخامسة

الذهبيُّ متناقض: يمدح في موضعٍ ويذمّ في موضع

ولم يكتف بتجهيله، بل زاد فاتهمه بالتناقض، فقال: إن التناقض في تراجم الذهبي أمرٌ مشهور، فإنك تجده يمدح الشخص في موضعٍ ويذمّه في آخر.

ومقصودُه أن الذهبي وإن وصف النووي بالإمامة وشيخِ الإسلام فإنه لم يُرِد حقيقتها، بل هو إطراءٌ فارغ لا حقيقة له. وهل يكون التناقضُ إلا لنقصٍ في العقل، أو كذبٍ في اللسان؟ فانظر ماذا نسب إلى إمامٍ ارتضته الأمةُ أمينًا على تاريخها.

الشبهة السادسة

وضعُ القبول أم كثرةُ الطبعات؟

فإذا احتُجّ عليه بالقبول الذي وضعه الله لكتب النووي، حتى لا يكاد يخلو بيتٌ من «الأربعين» و«رياض الصالحين» و«الأذكار»، ولا خزانةُ طالب علمٍ من «شرح مسلم»، أجاب بأن كثرة الطبع لا تدل على شيء: فالتوراة المحرفة والإنجيل المحرف يُطبع منهما ملايين النسخ، وتفسيرُ الزمخشري منتشر، والروايات البوليسية والرومانسية تُطبع أضعافَ ذلك.

وبين الأمرين ما بين الماء والحجر

وضعُ القبول
  • مصدرُ حسناتٍ جارية لصاحبه، ومصدرُ حسناتٍ للأمة حين تعمل بما فيه.
  • يقع سواءٌ طُبع الكتاب أم تُنوقل روايةً وشفاهًا من غير طبع.
  • يبدأ من العلماء الراسخين حفظًا وشرحًا وتدريسًا، ثم يُبثّ طبقةً بعد طبقة حتى يبلغ العامة.
  • أصلُه محبةُ الله للعبد: إن الله يحب فلانًا فأحبوه، ثم يوضع له القبول في الأرض.
  • قرينتُه البركة: ﴿وجعلني مباركا أين ما كنت﴾.
كثرةُ الطبعات
  • رقمٌ في مطبعة، لا يلزم منه علمٌ ولا عملٌ ولا هداية.
  • الروايات تُطبع بالملايين ولا يصدّق قارئُها منها حرفًا.
  • الزمخشري لا يعرفه العامة ولا الأطفال، ولا يفتحه من طلبة العلم إلا القليل عند حاجةٍ لغوية أو لكشف اعتزالياته.
  • ولو كانت الأرقامُ ميزانًا لكان للاعبٍ كافرٍ تجاوز متابعوه مئتي مليون من القبول أضعافُ ما للنووي.
  • والأربعينُ النووية يحفظها الأطفال والعجائز والأميون والأعاجم في كل أصقاع الدنيا.
القول الفصل

وأما المخالفاتُ التي وقع فيها رحمه الله

ولسنا ممن يكتم. فقد وقع الإمام النووي رحمه الله في تأويلٍ لبعض الصفات، وهو خطأٌ يُردّ ولا يُتابَع عليه. ونقول ذلك صريحًا لا مواربة فيه؛ فالحقُّ أحبُّ إلينا من كل أحد، والوحيدُ الذي يؤخذ كلُّ ما عنده هو رسول الله صلى الله عليه وسلم.

لكن بين إثبات الخطأ وبين إسقاط الرجل مسافةٌ هي كلُّ العلم. وهذه خمسُ حقائق تضبط الباب.

  1. لم ينفرد بها، بل قلّد فيها من تقدّمه

    فمصنفاتُه في أصلها ملخصاتُ دروسه ومطالعاته من كلام الأئمة قبله، ككلام القاضي عياض والمازري وغيرهما. فلم يكن له اختصاصٌ بتلك الأقوال حتى تُنسب إليه وحده. ولذلك ردّها العلماء وبيّنوها دون تخصيصه بها.

  2. ولم يكن داعيةً إليها يوالي عليها ويعادي

    وهذا هو الفرق الذي يمحوه الغلاة: بين من زلّت به قدمُه في مسألةٍ خفيّة وهو منشغلٌ بخدمة السنة، وبين من نصب المسألة رايةً وامتحن بها الخلق. ومن سوّى بينهما فقد سوّى بين المختلفَين.

  3. وقد ردّها عليه العلماء أنفسهم وهم يحفظون قدره

    فمن كرامة الله لأوليائه أن قيّض له فحولًا من الراسخين يبيّنون وجه الخطأ مع التزام الأدب الكامل والتوقير التام والدعاء له بالمغفرة. فجمع الله له في كتبه بين إجراء الحسنات بالخير الذي فيها، وتصحيحِ المخالفات كي لا يتابعه فيها أحد.

  4. وبلوغُ الحجة ليس بلوغَ اللفظ وحده

    فالمطلوب في هذه المسائل الخفية أن يبلغه فهمُ السلف أيضًا، لا ألفاظُ النصوص فحسب. وهما أمران: ألفاظُ النصوص، ومعانيها التي فهمها السلف. وهذا موضعُ زلل الطاعن: يحسب زماننا كزمان الإمام أحمد، ولا يراعي انطماس آثار الوحي وقلة المُعين على الفهم الصحيح.

  5. وقد ذكر بعضُ المحققين قرائنَ على رجوعه

    كنسخه كتاب «الإبانة» للأشعري بخطه كما أفاد الذهبي، وما ذكره أهل التحقيق في «جزء في الحرف والصوت» من التزامه مذهب السلف في آخر حياته. وهو قولٌ قوي أقرّ به جماعة من أهل العلم المعاصرين. ولسنا نبني عليه الباب، فالباب قائمٌ بدونه؛ وإنما نذكره تمامًا للإنصاف.

المتأوّل الذي قصدُه متابعةُ الرسول لا يُكفَّر، بل ولا يُفسَّق إذا اجتهد فأخطأ. وهذا مشهورٌ عند الناس في المسائل العملية. وأما مسائل العقائد فكثيرٌ من الناس كفّر المخطئين فيها، وهذا القول لا يُعرف عن أحدٍ من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ولا عن أحدٍ من أئمة المسلمين، وإنما هو في الأصل من أقوال أهل البدع الذين يبتدعون بدعةً ويكفّرون من خالفهم، كالخوارج والمعتزلة والجهمية.

شيخ الإسلام ابن تيمية

فإن تسليط الجهال على تكفير علماء المسلمين من أعظم المنكرات، وإنما أصلُ هذا من الخوارج والروافض. وقد اتفق أهل السنة والجماعة على أن علماء المسلمين لا يجوز تكفيرهم بمجرد الخطأ المحض، بل كلُّ أحدٍ يؤخذ من قوله ويُترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

شيخ الإسلام ابن تيمية

ونحن كذلك لا نقول بكفر من صحّت ديانته، وشُهر صلاحه، وعُلم ورعه وزهده، وحسنت سيرته، وبلغ من نصحه الأمة ببذل نفسه لتدريس العلوم النافعة والتآليف فيها، وإن كان مخطئًا في هذه المسألة أو غيرها.

الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب
سؤالٌ يُقلَب

ومن الذي أخرج زلّات العلماء إلى العامة؟

من حِيَل الطاعن أن يقول: أنتم تخرقون الإجماع أيضًا! فإني إن كنتُ خرقتُه بنفي إمامته، فأنتم خرقتموه بتخطئته إذ لم يخطّئه أحدٌ قبلكم. فإما أن تبطلوا الاحتجاج بالإجماع، وإما أن يلزمكم ما لزمني.

وهذه حيلةٌ سخيفة ممزوجةٌ بكذبٍ واضح، وجوابُها من وجهين.

فإن قالأنتم أيضًا خالفتم الإجماع بذكر أخطائه!

قيل له

قيل له: بل كان عوامُّ المسلمين في عافيةٍ من سماع زلّات العلماء على المنابر. لم تكن تلك الأخطاء تُذكَر بالتفصيل إلا في مجالس طلبة العلم الأقوياء، ومن الشيوخ أنفسهم، من باب التعليم والتنبيه، مع كامل الأدب والثناء والاستغفار لهم.

فأنتم أولُ من تكلّم بزلّات العلماء، وأولُ من نشرها، وأولُ من ابتدع فتنة العوام بتحديثهم بما ليسوا له بأهل. وأما نحن فإنما نذكرها اضطرارًا؛ لأنه لا يسعنا تكذيبُكم إذ أخرجتموها للناس أولًا.

فإن قالفمن أين عرفتم أنتم تلك الأخطاء إذن؟

قيل له

قيل له: هذا هو الوجه الثاني، وهو قاصمٌ عليك. فلو كان زعمُك صحيحًا أن العلماء لم يتكلموا عنها، فكيف عرفتَها أنت؟ وهل كنتَ ستعرفها لولا بيانُ هؤلاء العلماء أنفسهم؟

فإن كثيرًا ممن أثنوا على النووي هم أنفسهم من بيّن تلك الأخطاء وحذّر الناس منها. فقد جمعوا بين الأمرين اللذين تزعم أنهما لا يجتمعان: بيّنوا الخطأ، وحفظوا الإمامة. وهذا هو العلم الذي أعوزك.

غير أنه لا يلزم من تصحيح الزلّة أن تُقرَن باسم صاحبها صباح مساء على المنابر وفي حلق العلم وبين العامة والخاصة. فذلك فكرٌ محدَثٌ في الإسلام لم يكن من فعل أهل العلم قط.

تحريرُ لفظ

ما معنى «شيخ الإسلام» عند النقّاد؟

ولئلا يقال إنها ألقابٌ تُرمى بلا معنى، فهذا حدُّها عند من يُحسن الصنعة. قال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: معناه المعروف عند الجهابذة النقّاد، المعلوم عند أئمة الإسناد.

ومشايخُ الإسلام والأئمة الأعلام هم

المتّبعون لكتاب الله

المقتفون لسنة النبي صلى الله عليه وسلم، المتقدمون بمعرفة أحكام القرآن ووجوه قراءاته وأسباب نزوله وناسخه ومنسوخه.

الذين أحكموا من لغة العرب

ما أعانهم على علم ما تقدّم، وعلموا السنة نقلًا وإسنادًا وعملًا بما يجب العمل به.

القائمون بما فرض الله عليهم

متمسكين بما ساقه الله من ذلك إليهم، متواضعين لله العظيم الشأن، خائفين من عثرة اللسان.

لا يدّعون العصمة

ولا يفرحون بالتبجيل، عالمين أن الذي أوتوا من العلم قليل. فمن كان بهذه المنزلة حُكم بأنه إمام، واستحق أن يقال له شيخ الإسلام.

إلزامُ المنقلبين

وأخيرًا: ما الذي تغيّر؟

ومن أنفع ما يُقال لمن التحق بهذا الركب بعد عمرٍ في خلافه: أنت بنفسك كنتَ تسمّيه إمامًا، وتترحّم عليه، وتنقل إجماع العلماء على أنه من كبار أئمة الأمة، وتحيل قرّاءك في كتبك إلى «شرح صحيح مسلم» مراتٍ ومرات. فما الذي تغيّر؟

أما كنتَ قد قرأتَ كلامه في الصفات قبل أن تسمّيه إمامًا؟ بلى، ولذلك كنتَ تصفه بالأشعرية وتسمّيه إمامًا في النفَس نفسه. أما كنتَ تعرف الآيات والأحاديث التي تحتجّ بها اليوم؟ بلى، وكنتَ تفسّرها وتحتجّ بها على غيرك.

فلم يتغيّر النووي، ولا تغيّرت النصوص، ولا ظهر مخطوطٌ جديد. وإنما تغيّر شيءٌ عند الناقل. فليصارح نفسه بما هو، فإن مصارحة النفس أولُ العلم.

وهذا إلزامٌ ثانٍ يلحقه

فإنك إن قلتَ اليوم: كان النووي يكذب على السلف، فما حكم من يستدلّ بكلام الكذّابين؟

وأنت في كتبك المطبوعة تقول لقرّائك: انظر كلام الشرّاح في بيان معناه، مثل شرح مسلم للنووي. فهذا الكلام إن صحّ فهو طعنٌ في كتبك أنت قبل أن يكون طعنًا فيه.

  • إن قلتَ: كنتُ أجهل حاله حينئذفقد أقررتَ بأنك كنتَ تحيل الناس إلى من لا تعرف حاله، وتلك آفةٌ في الصنعة تُسقط الاحتجاج بك اليوم كما تُسقطه أمس.
  • وإن قلتَ: بل كنتُ أعلمفقد سمّيتَه إمامًا وأنت تعلم، فإما أنك جاملتَ في دين الله وقتها، وإما أنك مصيبٌ وقتها ومخطئٌ اليوم. ولا ثالث.

واعلم أن القضية لم تكن قط: أنعذر النووي أم لا. القضيةُ أن رجلًا جعل مصداقيته رهينةً بسقوط إمامته، فلم يبق له مخرجٌ إلا أن يهدم الأداة التي بها عرف السلفَ أنفسهم.

فمن أراد أن يحفظ عقيدته فليحفظها بالعلم لا بالهدم؛ فإن الشرع لا يُحفَظ بإسقاط حملته، ولا تُنصَر السنةُ بتوهين الثقة بمن نقلوا أحاديثها وشرحوها وخدموها.

وثمّ خيارٌ ثالث لا يذكره لأتباعه: أن تردّ الخطأ وتحفظ القدر. وهو الذي مشى عليه أئمةُ الإسلام سبعةَ قرون، فما ضاعت به عقيدة، ولا سقط به إمام.