الدرجة الرابعة · أن تنزل الميدان

مغالطةُ الميزانين

«تعذرون النووي ولا تعذرون من بدَّعه!»

يقولون لك: أنتم تعذرون الإمام النووي وقد أخطأ في صفات الله، ولا تعذرون من أخطأ في حق النووي فبدّعه! ثم يرفعون الصوت بالسؤال الذي يظنونه قاصمًا: أيُّهما أعظم عندكم، الله أم النووي؟

وقد ضخّم القومُ هذه الحجة حتى قدّموها للعامة على أنها أقوى ما عندهم. والحقيقة التي تُقال بلا مواربة: ليست هذه حجةً قوية، ولا قاصمة، ولا محكَمة البناء. إنها حجةٌ سخيفةُ التركيب، ضخّمها أصحابها لأنهم لم يفهموا أصل المسألة التي يتكلمون فيها.

وإنما نفصّل فيها لكثرة ترديدها ونفخِهم فيها، لا لعمقها. فإذا فُكِّكت من أصلها بالقرآن والسنة وعمل الصحابة وكلام أئمة الإسلام، لم يبق تكرارُها بحثًا عن الحق، بل عجزًا عن مواجهة الجواب.

قبل كل شيء

تحريرُ محل النزاع: نغلق باب التلبيس الأول

نحن لا نصحّح تأويلات الإمام النووي في صفات الله، ولا ندافع عنها، ولا نتابعه عليها، ولا نجامل فيها أحدًا مهما بلغت منزلته. بل نقرّر بوضوحٍ أنها أخطاء، ويجب ردّها وبيان الصواب فيها.

ولكن فرِّق فورًا بين أمرين: الحكمِ على التأويل نفسه بأنه خطأ، والحكمِ على الإمام النووي بعينه بأنه مبتدعٌ ساقط الإمامة أو داعيةُ ضلالة أو مقطوعٌ بمآله عند الله.

والعبارة المركزية التي تُغلق الباب: الإعذارُ شيء، وتصحيحُ المقالة شيءٌ آخر تمامًا. فالإعذار حكمٌ يتعلق بحال القائل ومآله عند الله بعد تقرير بطلان قوله، وليس تخفيفًا لبطلان القول نفسه.

ونحن نهدم المقالة الباطلة، لكننا لا نهدم الدار على رأس صاحبها المجتهد. نردّ التأويل، ولا ننسف تاريخ إمامٍ خدم السنة والفقه، ولا نمحو حسناته، ولا نحوّله بسبب زلّاتٍ محدودة إلى داعية ضلالةٍ يُمتحَن الناس على تبديعه. والفرق بين الأمرين كالفرق بين إزالة جدارٍ مائل من دار رجلٍ صالح، وبين إحراق الدار كلها على صاحبها.

التشريح

خمسُ مغالطاتٍ تقوم عليها الشبهة

اختراعُ مناطٍ لم ينصبه الشرع

صورتها

تفترض الشبهة أن العذر وعدمه يدوران مع منزلة من وقع الخطأ في حقه: فإن كان الخطأ متعلقًا بالله فلا عذر، وإن كان متعلقًا بمخلوقٍ فهو أهون وأولى بالعذر.

وهذا أصلُ الفساد كله.

موضع الكسر

يقال له: من أين جئتَ بهذا المناط؟ وفي أي آيةٍ قرأتَه؟ وفي أي حديثٍ وجدتَه؟ وأيُّ صحابيٍّ قال إن المخطئ لا يُعذَر إذا كان خطؤه متعلقًا بحق الله، ويكون أولى بالعذر إذا تعلق خطؤه بمخلوق؟ وأيُّ إمامٍ متبوع قرّر هذه القاعدة؟

وهذا يسمّى قياسًا فاسد المناط، وفاسد الاعتبار، ومصادرةً على المطلوب. فصاحب الشبهة اخترع قاعدةً من عنده، ثم حاكم أهل السنة إليها، ثم اتهمهم بالتناقض لأنهم رفضوا قاعدته المخترَعة.

هاتِ نصًّا واحدًا يجعل عِظَمَ متعلَّق الخطأ مسقِطًا للعذر عن المخطئ.

الخلطُ بين الحكم على القول والحكم على القائل

صورتها

يُنقَل الحكم من المقالة إلى صاحبها في نفَسٍ واحد، كأن الشخص ليس له علمٌ وقصدٌ واجتهادٌ وتأويلٌ وحال.

موضع الكسر

قد يكون القول كفرًا أو بدعةً أو ضلالًا في نفسه، ولا يلزم أن يكون كلُّ من قاله كافرًا أو مبتدعًا بعينه، حتى يُنظَر في علمه، وقصده، واجتهاده، وتأويله، وقيام الحجة عليه، وفهمه للحجة، وانتفاء الموانع عنه. وهذا أصلٌ قرّره الصحابة وأئمة السنة، وليس تمييعًا اخترعه المعاصرون.

أتُثبت لي أن أئمة السنة لم يفرّقوا قطُّ بين المقالة وقائلها؟

الثنائيةُ الزائفة

صورتها

تضع الشبهة المخاطَب بين خيارين مصنوعين: إما أن تبدّع النووي وتهدم إمامته، وإما أن تكون متهاونًا في صفات الله.

موضع الكسر

وهذه ثنائيةٌ باطلة؛ إذ يمكن الجمع بين الردّ الصريح على التأويل، وحفظِ حق الإمام المتأوِّل، ورفضِ تبديعه بإطلاق، والتحذيرِ من منهج من يمتحن الناس به. أربعةُ أحكامٍ تجتمع ولا يتناقض منها اثنان.

من أين علمتَ أن الخيارين اثنان لا ثلاثة؟

الابتزازُ العاطفي

صورتها

يُستخدَم سؤال «أيهما أعظم عندكم: الله أم النووي؟» لا لإثبات حكمٍ شرعي، بل لإحراج المخاطَب وإجباره على قبول النتيجة، وكأن تعظيم الله لا يتحقق إلا بإسقاط النووي.

موضع الكسر

اللهُ أعظم، ولذلك لا نكذب على شريعته، ولا ننسب إليها قاعدةً لم تقل بها، ولا نظلم عباده بدعوى نصرته. والسؤالُ الذي لا يُنتج حكمًا شرعيًّا ليس حجةً، وإنما هو خطابةٌ في ثوب استدلال.

وهل ينتصر الله بالظلم؟ أم ينتصر بالعدل الذي أمر به؟

خلطُ الأبواب المستقلة

صورتها

تخلط الشبهة بين ثلاثة أبواب: الحكمِ على المقالة، والحكمِ على قائلها المعيَّن، وكفِّ شرِّ الحيِّ المفسد والتحذيرِ من منهجه.

موضع الكسر

فيجعلون بيان خطأ الحدادي وتحذير الناس من منهجه مساويًا للحكم بمآله عند الله، ثم يسمّون عدم السكوت عنه «عدم إعذار». وهذا تلبيس؛ لأن كفَّ المنكر الحاضر بابٌ، والحكمَ الأخرويَّ على فاعله بابٌ آخر.

حين تمنع رجلًا اليوم من ظلمٍ يفعله، أتكون قد حكمتَ عليه بالنار؟

الأصل الحاكم

ميزانٌ واحد لا ميزانان

أهل السنة لا يملكون ميزانين، بل ميزانًا واحدًا يطبّقونه على العلماء، وعلى الحدادي، وعلى كل شخصٍ معيَّن. وإذا اختلف الحكم بين شخصين فليس ذلك لازدواج الميزان، بل لاختلاف حال الموزونَين.

والطبيبُ الواحد قد يصف لمريضين دواءين مختلفين، ولا يقول عاقلٌ إنه متناقض؛ لأن المرضين مختلفان. وإنما المتناقض هو من يصف دواءً واحدًا لكل داء، ثم يسمّي هذا عدلًا واطرادًا.

أربعة عشر عنصرًا في الميزان الواحد

ثبوت الخطأ أولًا

فلا وزنَ قبل ثبوت الموزون.

نوع المسألة التي وقع فيها الخطأ

أهي من الظاهرات أم مما يخفى؟

وجود تأويلٍ له وجهٌ في لغة العرب

أو شبهةٍ علمية معتبَرة من حيث الجنس، وإن كانت مرجوحة.

أهلية الشخص للاجتهاد والنظر

فالعذرُ ثمرةُ الاجتهاد المؤهَّل، وليس مكافأةً على التجرؤ.

مقدار ما بذله في طلب الحق

أفنى عمره في الطلب، أم قرأ مقتطفات ثم حكم؟

بلوغ الحجة إليه

لا مجردَ وصول اللفظ إلى أذنه.

فهمه للحجة وزوال الشبهة عنه

فقد تصل ولا تُفهَم، وقد تُفهَم ويبقى عنده معارضٌ يظنه أقوى.

وجود الموانع أو انتفاؤها

من إكراهٍ أو جهلٍ مؤثر أو تأويلٍ معتبَر.

حاله بعد البيان

هل رجع وانقاد، أم أصرّ وامتحن الناس؟

أزلّةٌ محدودة أم منهجٌ مبنيّ عليها

يوالي ويعادي عليه؟

هل دعا إلى الخطأ

أم وقع فيه في موضعٍ علميّ ومضى؟

هل عاقب أو هجر أو بدّع مخالفه

أم اكتفى بتقرير رأيه؟

هل كفّر أو أخرج من السنة من خالفه

وهذه أعلى الدرجات في تحقق المناط.

ما الآثار الواقعية المترتبة على فعله

فالشجرة تُعرَف بثمرها.

المقابلة

ثمانيةُ فروقٍ بين زلّة الإمام ومنهج المبدِّع

الأهلية والاجتهاد

النووي إمامٌ مجتهد بشهادة الأمة، يملك آلة النظر من الحديث والفقه واللغة والأصول، واستفرغ وسعه في طلب الحق. والمجتهد إذا أصاب فله أجران، وإذا أخطأ فله أجر. أما من يتصدر لتبديع أئمة الإسلام ففي الغالب متكلِّفٌ اقتحم واحدًا من أخطر أبواب الدين بغير آلةٍ تكافئ خطورة الباب. قال ابن تيمية: «وكثيرٌ من مجتهدي السلف والخلف قد قالوا وفعلوا ما هو بدعة، ولم يعلموا أنه بدعة، إما لأحاديث ضعيفة ظنّوها صحيحة، وإما لآياتٍ فهموا منها ما لم يُرَد منها، وإما لرأيٍ رأوه وفي المسألة نصوصٌ لم تبلغهم».

طبيعة المسألة والشبهة

النووي تأوّل نصوصًا لألفاظها في لغة العرب وجوهٌ من الاحتمال، وإن كانت مرجوحة مخالفةً لطريقة السلف. وفعل ذلك تحت ضغط شبهةٍ كلامية عمّت أهل عصره، وما تلقّاه عن شيوخه، واعتقاده أن التأويل طريق التنزيه. فله شبهةُ تأويلٍ معتبرة من حيث الجنس، مع بطلان تأويله في نفسه. أما من يبدّعه، فما النصّ الذي تأوّله؟ هو يصادم نصوص حرمة أعراض المسلمين، وتلقّي الأمة لإمامة النووي جيلًا بعد جيل، وقواعد التفريق بين المطلق والمعيَّن. فأين التأويل السائغ الذي يُطلَب له به العذر؟

الزلّة والمنهج

تأويلات النووي زلّاتٌ في مواضع محدودة، غمرتها بحار علمه وخدمته للسنة، ولم يجعلها أصلًا يصنّف الناس به، ولا عقد عليها الولاء والبراء، ولا جعلها محنةً يمتحن بها المسلمين. أما تبديعه عند القوم فليس زلّةً عابرة، بل صار أصلًا منهجيًّا: يبنون عليه موقفهم من العلماء، ويصنّفون به طلبة العلم، ويمتحنون به الداخل والخارج، ويجعلون الموقف من النووي وابن حجر بوابةً للدخول في السنة أو الخروج منها.

الاعتراف بالخطأ قبل طلب العذر

لو أن المطالِب بإعذار من بدّع النووي قال أولًا: لقد أخطأ فلانٌ في تبديع الإمام النووي وتجاوز الحدّ، لسقط أصل الشبهة، وصار البحث بعد ذلك في إمكان عذره بحثًا مفهومًا. لكنهم يصرّون على أنه مصيب، ثم يطالبون بإعذاره. وهذا وحده يكشف المقصد.

الحصيلة والآثار

ضع في كفة: شرح صحيح مسلم، ورياض الصالحين، والأربعين، والأذكار، والمجموع، وما لا يُحصى من خدمة النووي للسنة والفقه واللغة والتربية. ثم ضع في الكفة الأخرى حصيلة المنهج الحدادي: تتبُّعَ زلّات العلماء وتضخيمَها، وتمزيقَ الشباب بالخصومات، ونسفَ الثقة بأئمة الأمة، وهدمَ المرجعية، وملءَ القلوب بالحقد، وتخريجَ طلبةٍ يحفظون قوائم المبدَّعين أكثر مما يحفظون أبواب العلم. ثم قل: بأيّ ميزانٍ عاقل يُسوَّى بين زلّة إمامٍ ملأت حسناته الآفاق، ومنهجٍ لم يورث أتباعه إلا التبديع والتشاحن؟

الحيّ والميت

النووي أفضى إلى ما قدّم منذ قرون، والبحث في عذره اليوم متعلقٌ بمآله عند الله، ولا توجد من جهته مفسدةٌ حاضرة يجب دفعها. أما الحدادي الحيّ فيهدم اليوم، ويمتحن اليوم، ويمزّق اليوم، ويؤثر في شبابٍ أحياء اليوم. ولهذا يقال للحيّ: هذا منكر فكُفَّ عنه، وتُب إلى الله، ولا تظلم العلماء. ولا يُقدَّم له صكُّ إعذارٍ مسبق يجعله ذريعةً للاستمرار. ومن أراد اليوم استحلال دم مسلمٍ متأوِّلًا شدّدنا عليه ومنعناه، ولا نقول له: قد تأوّل الخوارج في التاريخ فعُذروا، فامضِ أنت في تأويلك. تلك واقعةٌ مضت، وأما فعلك فواقعٌ حاضر يجب إيقافه.

خطأٌ يقف عند صاحبه وخطأٌ يتسلسل

خطأ النووي يقف عنده. أما تبديع الحدادي فيتسلسل بطبيعته: النووي مبتدع، ومن لم يبدّعه مبتدع، ومن ترحّم عليه مميّع، ومن دافع عنه مجروح، ومن جالس المدافع عنه يَلحق به. فتتحول المسألة إلى سلسلةٍ لا تقف حتى تبتلع أئمة الأمة وعلماءها وطلبة العلم وعوام المسلمين. وهذا ليس خطأً في معيَّن فحسب، بل هدمٌ للمرجعية العلمية كلها.

موضع العدل والإنصاف

ومع كل ما سبق، لا يُعامَل الحدادي بنقيض الأصول التي نحتجّ بها. فلا نكفّره لمجرد هذا الخطأ، ولا نقطع بمآله عند الله، ولا نزعم الاطلاع على قلبه، ولا نمتحن الناس بشخصه. بل نبيّن خطأه، ونقيم الحجة عليه، ونفصّل في حاله، ونحذّر من منهجه إن أصرّ، ونكفّ شرّه عن الناس. وهذا هو الفرق بيننا وبينه.

ولو أنا كلما أخطأ إمامٌ في اجتهاده في آحاد المسائل خطأً مغفورًا له قمنا عليه وبدّعناه وهجرناه، لما سلم معنا لا ابن نصر ولا ابن مندة ولا من هو أكبر منهما. والله هو هادي الخلق إلى الحق وهو أرحم الراحمين، فنعوذ بالله من الهوى والفظاظة.

الإمام الذهبي، سير أعلام النبلاء 14/40

وتأمّل خاتمة كلامه: «فنعوذ بالله من الهوى والفظاظة». فإن الإنسان قد يتوهم أنه يدافع عن السنة، بينما الذي يقوده في الحقيقة هو الهوى والفظاظة وحبُّ إسقاط الآخرين.

وقال الذهبي في ترجمة قتادة وقد رُمي بالقول بالقدر: «ولعل الله يعذر أمثاله ممن تلبّس ببدعةٍ يريد بها تعظيم الرب وتنزيهه، وبذل وسعه، والله حكمٌ عدلٌ لطيفٌ بعباده». وهذا الوصف ينطبق على أصل حال النووي في تأويله؛ فقد أراد تنزيه الله لكنه أخطأ الطريق.

الحصار

سبعةُ إلزامات لا مخرج منها

الإلزام الأول: حسنُ القصد

يقول الحدادي: إنما حمل صاحبَنا على تبديع النووي الغَيرةُ على صفات الله، وقصدُه حسن، فينبغي إعذاره.

فيقال له: لقد سلّمتَ بأن حسن القصد والغَيرة قد يؤثران في الحكم على القائل. فلماذا منعتَ العذر نفسه عن الإمام النووي؟ وهو قد صرّح بأنه يريد تنزيه الله، وبذل وسعه بحسب ما بلغه من العلم، وكان من أعلم أهل زمانه، وأفنى عمره في خدمة حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فأنت أعطيتَ العذر بحسن النية لمتكلِّفٍ معاصر مزّق الصف، ومنعتَه إمامًا خدم الدين وانتفعت الأمة بكتبه قرونًا. فمن صاحب المعيار المزدوج هنا: نحن أم أنتم؟

  • إن كان حسن القصد يؤثرفهذا يقال في النووي كما يقال في غيره، وسقط اعتراضك.
  • وإن كان لا قيمة له مطلقًافلا تطلبوا به العذر لمن يبدّعه، وسقط طلبكم.
الإلزام الثاني: اطرادُ القاعدة

إن كانت القاعدة: كلُّ من تأوّل شيئًا من الصفات يُبدَّع ولا يُعذَر؛ فليطردوها، وليبدّعوا ابن حجر، والبيهقي، وابن الجوزي، والقرطبي، والقاضي عياض، والخطابي، والعزّ بن عبد السلام، وخلائقَ من حفاظ الحديث وفقهاء الملّة.

ثم لينظروا ماذا يبقى من علم الأمة. وقد صرّح بعض غلاتهم بهذا اللازم فعلًا، فبدّعوا وكفّروا وطعنوا في أئمةٍ متبوعين؛ فصاروا البرهان العملي على أن هذه القاعدة لا تقف عند حدّ، بل تنتهي إلى إحراق المكتبة الإسلامية.

وكيف يُحفَظ الشرع بإسقاط حملته؟ وكيف تُنصَر السنة بهدم الثقة بمن نقلوا أحاديثها وشرحوها وخدموها؟ هذا ليس حفظًا للدين، بل هدمٌ للدين باسم الغَيرة عليه.

  • إن اطردوا القاعدةأحرقوا المكتبة الإسلامية بأيديهم، وانكشف مآل مذهبهم للعيان.
  • وإن قالوا: نفرّق بين عالمٍ وعالم، ومسألةٍ ومسألة، وحالٍ وحالفقد اعترفوا بالفروق والموانع والأعذار، وسقط اعتراضهم من أصله، وصار الخلافُ في ضوابط التنزيل لا في أصل التفريق.
الإلزام الثالث: أقوالُ مراجعهم أنفسهم

قرّر ابن باز فيمن يحذّر من كتب النووي وابن حجر ويخرجهما من أهل السنة: أن لهما أشياء غلطا فيها في الصفات، وأنهما ليسا من أهل السنة في المسائل التي خالفا فيها، ولكنهما من أهل السنة فيما سلما فيه ولم يحرّفاه. وقرّر أن الواحد منهما يسمّى إمامًا؛ لأنه يُقتدى به في علمه وفضله وفقهه، مع وجود أغلاطٍ عنده.

وقال الفوزان إن من كانت عنده أخطاء اجتهادية تأوّل فيها، كابن حجر والنووي، لا يُحكَم عليه بأنه مبتدع، ورجا لهما المغفرة، ووصفهما بأنهما «إمامان جليلان موثوقان عند أهل العلم».

وأفتت اللجنة الدائمة في النووي وابن حجر والبيهقي وابن الجوزي وأمثالهم بأنهم «من كبار علماء المسلمين الذين نفع الله الأمة بعلمهم»، مع تقرير خطئهم فيما تأوّلوه. وقال الألباني عن النووي وابن حجر: «من الظلم أن يقال عنهم إنهم من أهل البدعة».

  • إما أن يبدّع ابن باز والفوزان والألباني واللجنة الدائمةوقد فعل بعض غلاتهم هذا اللازم فافتضحوا عند جمهورهم.
  • وإما أن يسلّمبأن التفريق بين زلّة العالم ومنهج المبتدع الممتحِن هو قولُ أئمة الدعوة أنفسهم، لا اختراعُ من يسمّونهم مميّعين. وفي الحالين تسقط الشبهة.
الإلزام الرابع: نقضُ دعوى احتكار الغَيرة

يُسأل أصحاب الشبهة: من الذي صنّف للأمة في إثبات الصفات والردّ على التأويل: أهلُ السنة أم الحدادية؟

ومكتبةُ أهل السنة شاهدة: كتبُ السنة التي صنّفها السلف، وكتابُ التوحيد لابن خزيمة، ومصنفاتُ الدارمي، وأسفارُ ابن تيمية، ومؤلفاتُ ابن القيم، وشروحُ أئمة الدعوة، وكتبُ المعاصرين في تقرير العقيدة ونقض التأويل.

فهذه هي الغَيرة الصادقة: علمٌ يُقرَّر، وحجةٌ تُنشَر، وشبهةٌ تُنقَض، وسنةٌ تحيا، وعدلٌ يحفظ للناس حقوقهم. أما غَيرةٌ لا تُثمر إلا امتحان الخلق وتمزيق الصفوف وإحراق الثقة بحملة الشرع، فليست غَيرةً شرعية، بل حماسةٌ جاهلة ركبت مركب الدين.

الإلزام الخامس: موقفُ ابن تيمية من الجهمية

قال شيخ الإسلام للجهمية الذين امتحنوه: «لو وافقتكم كنتُ كافرًا؛ لأني أعلم أن قولكم كفر، وأنتم عندي لا تكفرون؛ لأنكم جهال». وكان يخاطب علماءهم وقضاتهم وشيوخهم وأمراءهم.

فانظر ماذا صنع: سمّى الكفر كفرًا، ولم يميّع المقالة، ولم يجامل في الحكم عليها. وفي الوقت نفسه لم يُنزِل حكم التكفير على أعيان المتأولين بغير استيفاء الشروط وانتفاء الموانع.

وهذا هو ميزان أهل السنة في كلمتين: حزمٌ في الحق، وعدلٌ في الخلق.

الإلزام السادس: سيرةُ الموجة الحدادية الأولى

وقف ابن باز، وابن عثيمين، وابن غديان، وبكر أبو زيد، والألباني، وجماعةٌ من كبار أهل العلم في وجه محمود الحدّاد ومنهجه في الاستطالة على العلماء، حتى انتهى الأمر بإبعاده وإغلاق ملف فتنته.

واتهامُ أهل السنة بالتساهل في الصفات لا يطول المعاصرين وحدهم؛ بل يستلزم اتهام كبار علماء السنة الذين زكّوا النووي ومدحوه كابن كثير والذهبي وابن تيمية وابن رجب، ويطول بدرجةٍ أكبر العلماءَ الذين تصدّوا للموجة الأولى بشدةٍ وحزمٍ أكثر مما يفعله الدعاة اليوم.

فهل يجرؤ من يكرر هذه الشبهة على القول إن هؤلاء الأئمة بشدّتهم على محمود الحدّاد كانوا يقدّمون حرمة النووي على حق الله وصفاته؟ أم أن هذه التهمة لا يطلقونها إلا على من خالفهم اليوم؟

الإلزام السابع: ابن مسعود والمعوذتان

وهو أقصمُ الإلزامات في هذه الشبهة؛ لأنه يرفع المتغيّرَين اللذين يحتجّ بهما الخصم إلى أقصاهما معًا: عِظَمَ متعلَّق الخطأ، وعُلُوَّ منزلة المخطئ.

ثبت أصل المسألة وصحّ الخبر، وهو من حديث زرّ بن حُبَيش أنه قال لأُبيّ بن كعب: إن أخاك ابن مسعود يقول كذا وكذا. وجاء في بعض الطرق والشروح أن ابن مسعود كان لا يُثبت المعوذتين في مصحفه لأنه لم يسمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ بهما في الصلاة. ومن أهل العلم من أنكر صحة النسبة أصلًا كابن حزم والنووي والباقلاني، ومنهم من أثبت أصلها وحملها على اجتهادٍ أو شبهةٍ قامت عنده.

فهاهنا روايةٌ ظاهرها عدمُ إثبات سورتين من كتاب الله، لا تأويلُ صفةٍ واحدة. وصاحبها صحابيٌّ جليل لا يُقاس به النووي ولا ابن حجر. ومع ذلك لم يقل أحدٌ من أهل السنة: أنكر ابن مسعود القرآن فأسقِطوا صحبته وامحُوا فضائله. بل جمعوا الروايات، ونظروا في ثبوتها، وبحثوا عذره وتأويله، وحفظوا منزلته.

ثم يقال لهم بصيغتهم أنفسهم: أفكانت الأمة تعظّم ابنَ مسعود أكثر من القرآن؟

  • إن قلتم: عِظَمُ المتعلَّق وحده كافٍ للإسقاطفماذا أنتم صانعون بابن مسعود رضي الله عنه؟
  • وإن قلتم: لا بد من مراعاة منزلته واجتهاده واحتمال عدم بلوغ الدليلفقد سلّمتم بالأصل الذي تنكرونه علينا، ولا مخرج لكم إلا بميزانين.
  • وإن قلتم: نعم، عظّمَته الأمةُ أكثر من القرآنفقد رميتم الصحابة والأمة كلها بما فررتم منه.
تحذير

أخطاءٌ في الردّ على هذه الشبهة تُفسده

أن تبدأ بمدح النووي قبل ردّ تأويله

فيظنّ السامع أنك تدافع عن التأويل. قرِّر بطلان القول أولًا، ثم انتقل إلى صاحبه.

أن تسلّم بالمناط الفاسد

فتدخل في مقارنةٍ بين «الخطأ في حق الله» و«الخطأ في حق المخلوق» وكأنها مقارنةٌ صحيحة. اكسر المناط أولًا، ولا تناقش داخله.

أن تستعمل عبارة «تعذرون في حق الله» بلا تصحيح

فإن مجرد ترديدها يثبّت في ذهن السامع تصويرًا باطلًا.

أن تنكر أن الله أعظم من كل مخلوق

فرارًا من الابتزاز. بل أثبتها بأعلى صوت، ثم بيّن أن تعظيمه لا يكون بالظلم.

أن تجعل حسنات النووي وحدها مناط الجواب

فتصير القضية موازنةً عاطفية بدل أن تكون تحريرًا لمناطٍ شرعي.

أن تقطع بمآل الحدادي

فتقع في عين ما تنكره عليه.

أن تخلط بين الإعذار والسكوت

فالإعذار حكمٌ على المآل، والسكوت تركٌ للإنكار. وبينهما ما بين السماء والأرض.

أن تقدّم العذر قبل تقرير المنكر

فتُفهَم منك المصالحة على الباطل.

أن تستعمل عباراتٍ مائعة

توحي بأن المسألة اختلافٌ محتمل بين رأيين متساويين. وليست كذلك.

أن تنسى تسمية المغالطات

فإن تسميتها بأسمائها تعلّم السامع، وتمنع الشبهة من العودة في ثوبٍ جديد.

فليست القضية أننا نعظّم النووي أكثر مما نعظّم الله. القضية أن الله أمرنا بالعدل، فلم نُخالف أمره حين حفظنا حقّ إمامٍ ورددنا خطأه في نفَسٍ واحد.

ومن ظنّ أن نُصرة العقيدة لا تتم إلا بهدم من حملوها إلينا، فليُخبرنا: بأيّ سندٍ وصلت إليه العقيدة التي يغار عليها؟