هل أثرُ مجاهدٍ في المقام المحمود ثابتٌ ويجب الاعتقادُ به؟

15 أغسطس 2026

تحريرُ محلّ السؤال

الأثر المقصود هو الأثر المشهور عن مجاهد رحمه الله في تفسير قوله تعالى: ﴿عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾، أن المقام المحمود هو إجلاسُ الله عز وجل نبيَّه محمدًا صلى الله عليه وسلم معه على العرش.

والسؤال: أثابتٌ هو؟ وهل يجب اعتقادُه، حتى يكون منكرُه جهميًّا كما يقول بعض المتأخّرين؟

أولًا: المقام المحمود عند جماهير أهل العلم

جماهير العلماء، بل نُقل الإجماع في ذلك، على أن المقام المحمود في الآية الكريمة، وفي الدعاء الذي أُمرنا أن ندعو به بعد الأذان: «آتِ محمدًا الوسيلةَ والفضيلة، وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدتَه»، هو الشفاعة العظمى.

وهي شفاعةُ النبي صلى الله عليه وسلم في أن يبدأ الحساب، كما في الحديث المشهور في «الصحيح»: أن الناس يأتون آدم عليه السلام، ثم نوحًا، ثم كذلك، فيعتذر كلُّ نبيٍّ بعذره، حتى يأتوا محمدًا صلى الله عليه وسلم فيقول: أنا لها. فيسجد تحت العرش، فيفتح الله عليه من المحامد ما يفتح، ويسجد ما شاء الله أن يسجد، ثم يقول له: يا محمد، ارفعْ رأسك، وسَلْ تُعطَه، واشفعْ تُشفَّع. فيقول النبي صلى الله عليه وسلم: أمتي أمتي. فيقيم الله سبحانه الساعة.

وهذا هو الذي فسّر به النبيُّ صلى الله عليه وسلم الآيةَ بنفسه؛ فقد ساق ابنُ جرير الطبري في تفسيره أن أكثر أهل التأويل على هذا، وأورد حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه سُئل النبيُّ صلى الله عليه وسلم عن الآية فقال: «هي الشفاعة».

فالمسألة ليست موضعَ نزاعٍ في أصلها؛ وإنما النزاع في أثرٍ زائدٍ على هذا.

ثانيًا: درجةُ أثر مجاهد

الأثر ثابتٌ عن مجاهد، لا نُنازع في ذلك. لكنه:

ليس مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

وليس موقوفًا على أحدٍ من الصحابة رضي الله عنهم.

ومجاهدٌ رحمه الله تابعيّ. فهذا الأثر على اصطلاح المحدّثين يُسمّى مقطوعًا. وهذا هو المدخل الذي يُبنى عليه كلُّ ما بعده؛ فإن مَن غفل عن رتبة الأثر بنى عليه ما لا يحتمله.

ثالثًا: مذهبا أهل العلم في الأثر

وقد انقسم أهل العلم فيه على قولين، وكلاهما مسلكُ أئمة:

القول الأول: من قَبِله واعتدّ به، ولم يجعله منافيًا لكون المقام المحمود هو الشفاعة، بل قال: لا تعارضَ بينهما، فالله يجمع لنبيه صلى الله عليه وسلم بين هذا وهذا. وهذا يُروى عن الإمام أحمد، وعن الدارقطني، وعن ابن تيمية، وعن ابن القيم، وعن جمعٍ من أهل العلم.

القول الثاني: من قال: هذا أثرُ تابعيّ، وأقوال التابعين ليست حجة. ولو كان مما لا مدخل للرأي فيه فإن هذه الميزة، وهي أن يُعطى حكمَ الرفع، إنما تكون لقول الصحابي إذا صدر عنه فيما لا مجال للرأي فيه؛ وأما التابعي فلا يُعطى هذه المرتبة.

فهذان قولان لأهل العلم، والخلاف فيهما قديمٌ معروف، ولم يُبدَّع فيه أحدُ الفريقين صاحبَه.

رابعًا: كلمة «مَن أنكر أثرَ مجاهدٍ فهو جهميّ»

وقد شدّد بعض الناس فقال: من أنكر هذا الأثر فهو جهميّ، وأُثر ذلك في بعض عبارات السلف.

والجواب: أن هذه الكلمة إن صحّت فهي محمولةٌ على نفي الاستواء، لا على ذات الأثر قطعًا. ووجهُ ذلك ظاهر: كيف يُقال ذلك في مسألةٍ لم تثبت أصلًا عن النبي صلى الله عليه وسلم؟ فالتجهيمُ حكمٌ عظيم، لا يُعلَّق على إنكار أثرٍ مقطوعٍ عن تابعيّ.

فالكلمة إذًا محمولةٌ على من نفى استواء الله على عرشه، وهذا هو الجهميّ حقًّا. أما من أثبت الاستواء وتوقّف في هذا الأثر بعينه، فليس من هؤلاء في شيء.

خامسًا: مسائلُ عَقَدية يسوغ فيها الخلاف

فالخلاصة أن هذه القضية لم تثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، واختلف فيها السلف، وهي من القضايا العقدية التي يمكن أن يُقال: يسوغ فيها الخلاف.

وليست كلُّ قضايا العقيدة لا يسوغ فيها الخلاف. بل هناك قضايا عقدية اختلف فيها الصحابةُ أنفسهم رضي الله عنهم.

ومثالُها: هل رأى النبيُّ صلى الله عليه وسلم ربَّه ليلة الإسراء أم لم يره؟ أليست هذه قضيةً عقدية؟ بلى بلا شك. وقد اختلف فيها الصحابة، فمنهم من أثبت ومنهم من نفى.

فمن أثبتها فلا حرج عليه، ومن نفاها لا نقول إنه جهميّ لمجرّد أنه نفاها، ولا إنه مبتدع؛ وإنما هي قضيةٌ لم يثبت فيها قولٌ فاصلٌ عن النبي صلى الله عليه وسلم. فليُفهم أثرُ مجاهدٍ في هذا السياق.

استطرادٌ لا بدّ منه: استطالةُ الأغرار على الأئمة

وقد صار في الفترة الأخيرة استطالةٌ من بعض الأغرار الذين ابتدؤوا للتوّ يقرؤون ويطّلعون على بعض عبارات السلف. وهذه العبارات يعرفها العلماء وقالوها من قبلُ، لكنّ هؤلاء خرجوا يريدون أن يغيّروا منظومة عقيدة أهل السنة والجماعة، فأخرجوا من أهل السنة والجماعة حتى لم يكد يبقى فيها أحدٌ سواهم؛ تكفيرًا وتبديعًا وتفسيقًا واستطالةً على العلماء والأئمة.

وهذه مشكلةٌ متكرّرة بين جيلٍ وجيل: يأتي من ابتدأ للتوّ يصلّي فيذهب يكسر ويهدم لأنه عرف كلمتين فظنّ أنه أحاط بالدنيا. أو من ابتدأ يطلب العلم، ولعلّه لم يُكمل كتابًا، وحفظ حديثين، ولم يُتمَّ جزءًا من القرآن، فيظنّ أن العلم كلَّه في هذا الذي يعرفه، لا يدري أن ثمّ آفاقًا أخرى وأقوالًا أخرى.

كيف صُنعت الحجة؟

والصورة معروفة: طُبعت في الفترة الأخيرة كتبٌ من كتب السلف، ككتب الخلال والأثرم وغيرها، فقرأ أحدهم فيها كلمة: «من قال كذا فهو جهميّ»، فأمسك بها. ثم راح ينبش في كلام العلماء يجمع نظائرها: هذا قالها، وهذا قالها. ثم أجرى العملية الحسابية: واحدٌ زائد واحد، إذًا هذا جهميّ، فأخرِجه!

وليست المسألة هكذا. كلامُ العلماء يُفهم في سياقه: لمن قالها؟ وما مقصودُه بها؟ ثم يُنظر: هل الرجلُ الذي أُنزلت عليه الكلمةُ اليوم هو الذي تكلّم عنه السلف؟ وهل قالها في السياق نفسه الذي قالوها فيه أم لا؟

ومن أهمّ ما يُغفَل هنا: أن الكلام الذي يقوله العالم في سياق المناظرة لا يجوز أن يُنزَّل في سياق التقرير. فالعالم في المناظرة قد يقول كلامًا على سبيل التنزّل مع الخصم، أو يقع في المجلس احتدادٌ من الطرفين فيقول كلامًا يقصد به شيئًا آخر. ثم إن هذا العالم ليس معصومًا؛ فقد يشتدّ في أمرٍ لا داعيَ للتشديد فيه.

وفي الطلب قفزةٌ ينبغي التنبّه لها

وتأتينا أسئلة كثيرة من عوامّ لا يُحسن أحدُهم أن يكتب، ويلحن في كلامه، وبعضهم لا يتكلم العربية على وجهها، ثم يقول: «قال الأثرم في السنة للخلال»، و«قال في السنة لعبد الله بن أحمد»!

فأقول: أين هذه القفزة؟ تعال خذها حبةً حبة. أوّلًا: ثمّ شيءٌ اسمه سورة الفاتحة، تحفظها. وثمّ شيءٌ اسمه جزء عمّ. وثمّ أركانُ الصلاة. ثم بعد ذلك لاحقٌ على الخلال، ولاحقٌ على الإشكالية.

ثم إن هذه العبارات والآثار قد قرأها قبلك علماءُ أهل السنة قرونًا متطاولة، ويعرفونها؛ فلستَ أولَ من اكتشفها. وهؤلاء العلماء لم يقولوا بمثل قولك. فانظر كيف كان تعاملهم: يقبلون من العالم ما أجاد فيه وأصاب، ويردّون ما أخطأ فيه. كما صنعوا مع الإمام النووي وهو إمامٌ من أئمة المسلمين، ومع الحافظ ابن حجر العسقلاني. أفلا يخطئون؟ بلى، لا نقول إنهم لا يخطئون. لكنّ إهدار العالم وإهدار علمه شيءٌ آخر.

وإلى أين ينتهي هذا؟

وتدرون ما معنى ذلك؟ معناه أنك شيئًا فشيئًا لن تستفيد من أيّ كتاب. وهذه ليست دعوى، فقد كان قبلَ هؤلاء من يقول: يجب حرقُ «فتح الباري»، ويجب حرقُ «شرح مسلم» للنووي.

حسنٌ. تعال: حرقتَ «فتح الباري»، وحرقتَ «شرح مسلم» للنووي، فماذا بقي لك؟ فكلُّ عالمٍ زلّ في كلمةٍ هنا أو كلمةٍ هناك، أو أنت تعتقد أنه زلّ في كلمةٍ هنا أو هناك، حرقتَ كتابَه. فأيُّ شيءٍ يبقى؟

ثم إن الأمر لم يقف. فقد بلغني اليوم، وسمعتُه بأذني، ولم أكن أصدّق حتى سمعتُه: من يقول: «الجهميّ ابن تيمية»، ومن يقول: «زندقةُ ابن تيمية»! فصار ابن تيمية زنديقًا. فإلى أين وصلنا؟

طاح أبو حنيفة، وذهب ابن تيمية. فانتظرْ قليلًا؛ فوالله لَيقتربنّ الأمرُ من الصحابة رضي الله عنهم، فيقال: هذا الصحابي قال كذا، وهذا قال كذا. ثم خذ السلسلة حتى تتساقط. ويتساقطُ الدينُ بتساقط حملة الدين.

وهذا ليس منهج أهل السنة

ليس هذا منهج العلماء، ولا منهج أهل السنة والجماعة. وإنما منهجهم:

تقديرُ العلماء لا تقديسُهم، وردُّ الخطأ على صاحبه، وقَبولُ الحقّ.

فالعالم يُقدَّر ولا يُقدَّس؛ يُعرف قدرُه وسابقتُه وجهدُه، ثم يُردّ ما أخطأ فيه بعلمٍ وأدب، ولا يُهدَر لأجل زلّةٍ ولا يُحرَق كتابُه. وهذا هو الميزان الذي مشى عليه أهلُ العلم قرنًا بعد قرن، ومن خرج عنه لم يبقَ له في آخر الطريق كتابٌ يقرؤه ولا عالمٌ يأخذ عنه. والله المستعان.

د. مطلق الجاسر

كلّ المقالات منهج التوثيق والتصحيح
المزيد

مقالات أُخرى