ولهذا ننازع الخليفي! (2)

14 أغسطس 2026

فهل تفعل الأعداء إلا كفعلكم
هوانَ السراة وابتغاء العواثر!

ننازع هذا الرجل لرهَق في لسانه بالتكفير، وذاك من أشد بدع هذا الرجل، فإنه متساهل في التكفير بغير مكفر. وهي بدعة كان يكثر من اتهام خصومه بها، فابتلي هو بها، نسأل الله السلامة.

ولذا فإنه حين نظر في كلام بعض أهل العلم المعاصرين الذين أنكروا ما جاء في بئر برهوت، قال: هذا كلام كفر!

ثم لما انتقده المخالف والمؤالف وشنعوا عليه، لم يتب ولم يتبرأ من صنيع نفسه، لكنّه غيّر اللفظة في كتابته وعدلها، وسكت! عسى أن ينسى الناس ذلك، لكنّ كلامه قد صُوّر ووثّق عليه، إذ ابتلي بمن يتتبع شنائعه، كما كان يصنع في تتبع أخطاء المؤمنين.

والمسألة ليست خطأ فرديًا في التكفير، فليس هذا مما يخرج به الإنسان من السنة المحضة، ولكن الخلل في تأصيل ذلك الأصل الفاسد الذي كفّر بمقتضاه! وفي ابتداع ذلك المكفِّر الجديد!

وعندي أن الذي يحمله على التهوّك في التكفير، والمسارعة فيه، أنه جعل ينظر كلام السلف في الحكم على أعيان الجهمية وغيرهم من الكفار، ويراه مجموعًا في موضع واحد، فينتفخ إلى نحره متغيظًا، وينطبع في عقله متوهمًا أنّ القوم متساهلون في إطلاق القول بالتكفير، ثم يعود يريد أن يدلق ما يجد في صدره من الغيظ، فينطلق كالسهم مكفرًا واثقًا من نفسه.

ولو سلكنا مع هذا اللعان مسلكه مع علماء الإسلام، لقلنا: هذا رجل خارجي، فإن أخص صفات الخوارج التكفير بغير مكفر، وكل خصلة بعد فهي فرع عن هذه الخصلة، والرجل يتهم كل من يرى السيف بالخارجية مطلقًا كما يصف ابن حزم وابن الوزير، فمن يكفر المسلم بغير مكفر فهو أولى بذلك.

وقد وجدناه يكفر من ثبت إسلامه بيقين لأنه رد الاعتقاد بأن أرواح الكافرين في بئر برهوت، فكفره مباشرة، وحكم بردته.

فانظر كيف جعل من المكفرات عدم اعتقاد صيرورة أرواح الكفار في بئر برهوت، مع أن مستقر أرواح الكفار مما اختلف فيه أهل السنة، ومنكر استقرارها في بئر برهوت لم ينكر أمرًا يعلم بالضرورة الدينية، أو قد يكون رد ذلك لعدم معرفته بما جاء في الباب، أو عرفه وحكم بضعفه، أو قام له معارض من المعارضات.

لكن لم نقل ذلك، وهو وإن كان قد جمع انحرافات كثيرة، لكن لا يجوز أن يقال فيه ما ليس فيه.

وقد جرت العادة أن كثيرًا من الغلاة يبعثهم إلى الغلو ضعف العلم أو ضعف العقل. ولهذا يكثر في من لم يرتض عقله بالتجارب، ولم تصقل ملكاته بالعلم والمعارف.

على أنني أنبه هنا أن التهمة بالغلو من تهم التراجُم، التي يرجم الخصوم بعضهم بعضًا بها، وتتقاذفها الطوائف، ولكننا مع هذا الكاتب في أمر بيّن غير مريج.

رجل لا يكاد يسلم معه ومنه أحد من أهل العلم في القرنين الماضيين، على كثرة ذيوع مذهب السلف وتحقيقه والكتابة فيه.

ثم أتى إلى مَن انطوت على الثناء عليه أجيال الأمة، فجدّع وسب، وشان أمة محمد صلى الله عليه وسلم في تاريخها العلمي، وتراثها المعرفي، فقدح في حملة العلم، وأهل الديانة.

ومع ذلك فلسنا في شك من اقتراف طوائف من الأمة للبدع، واجتراحها للمحدثات، فذاك أمر واقع بيّن، ولا زال أهل الأثر يدفعون منكرات الاعتقادات، ويبينون الخطأ فيه والزلل.

ومن أخطر انحرافات الرجل: انحرافه في أبواب البراءة من الكفار الأصليين!

وتجد بعض ذلك في مقارناته الفاسدة التي لا تحضر إلا في عقل من انحرف عن سبيل السنة! فانظره حين يقول:

هداية مشرك واحد من عبادة القبور خير من زوال احتلال إسرائيل!

فانظر هذه المقارنة الفاسدة! ويكأن اليهود يوحدون الله في الأرض المحتلة! ولماذا تُعقد هذه المقارنات التي تهوّن من تسلط الكافر الأصلي على المسلمين!

ثم أي عقل فاسد ذلك العقل الذي صور لصاحبه أن مخالفه يرضى بأن يشرك بالله عند القبور؟ حتى إذا أراد تخبيث الشرك عنده أتى بمثل هذه المقارنة!

ولكنني أنبه هنا إلى أمرٍ عظيم في وصف النبي صلى الله عليه وسلم للغلاة: «يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان».

وذلك أن البراءة إذا بذلت في وجه وأعطاها صاحبها في جهة؛ ضعفت براءته فيما يقابلها! فلما كان صاحب الغلو حقودًا على المسلمين، متشرسًا عليهم، لا جرم نقص غضبه على الكفر والكافرين!

وهذا بعينه ما تراه في هذا الغالي، فإنه لمّا شحنت نفسه بأوتار البغضاء على المسلمين، وتكفير من كفّر منهم، خمدت نفسه على الكفار المحتلين، فقال كلمة الزور تلك.

وهي عندي بدعة كبرى، وإني والله لأخشى على من سلك مسلك الغض من علماء الإسلام، والاحتقار لهم؛ أن يُبتلى ببرودة قلبه على الكافرين، وأخشى أن يمعن في هذا حتى يزل زللًا لا تقال فيه عثرته، أسأل الله ألا يكلنا إلى أنفسنا وألا يكل الخليفي ولا غيره من المسلمين إلى نفسه طرفة عين.

د. محمد آل رميح

كلّ المقالات منهج التوثيق والتصحيح
المزيد

مقالات أُخرى