ولهذا ننازع الخليفي!

14 أغسطس 2026

أما قبل:

فقد هاجت ريح تبديع وتفسيق بين غلاة التبديع، مرة بعد أخرى، وأوسعوا بعضهم شتمًا وتبديعًا وأودوا بأخوّة المنهج!

واليوم تذكرت ما رواه الخطيب البغدادي في «الفقيه والمتفقه» عن مالك بن أنس قال:

ما قلَّت الآثار في قوم إلا كثرت فيهم الأهواء، وإذا قلّت العلماء ظهر في الناس الجفاء.

والجفاء في ألفاظ الشريعة والمتشرعة: الغلظ وخشونة الطباع الذي يحمل عليها الجهل.

وها أنت ترى أثر فقد العلماء على انبعاث جفاء هؤلاء، الذين جعلوا الفرى على خصومهم من أهل العلم والفضل والدعوة والإصلاح هجّيراهم.

ولأن الشجى يبعث الشجى فقد ذكرت ما بلغ من طعن أحد كبار الطعّانين في خصومه، إذ زعم في مقطع صوتي نشره وأذاعه وسمعته قبل نحو سنة:

أن مخالفيه الذين يردّون عليه يريدون القدح في السلف: سفيان والأوزاعي وأحمد! ولكنهم لا يقدرون على الطعن فيهم! فقدحوا فيه هو وأصحابه!

هكذا بكل جراءة وجفاء وهجمة على الفرية!

أي والله! هكذا قال في مقطع من المقاطع التهييجية التي يهيّج بها الشباب الغيورين، الذين تَحمَى نفوسهم للسلف، ويحبون السلف، ويحسنون الظنّ بكل من أكثر الحديث عن اتباع السلف، وربما لم يعرفوا عظيم جنايته هو على السلف!

ولهذا يجب ألا تغفل عن أن هذا الطعّان إنما جرّأه ما يتوهمه من نفسه، وما يجده من التعاظم المتمادي الذي يتخايله!

وإلا فهل سمعتم أن هناك من يقول: إنّ خصومي حين يردون قولي وقول أتباعي فإنما يريدون ردّ كلام السلف ولكنهم لا يستطيعون! فجعلوا يردّون عليّ!

أوَ قد قام بقلب هذا الشاب أنه من السلف وهم منه؟! حتى إذا رأى أو سمع من يقدح فيه وفي فهمه لكلام السلف، وفي نقله لكلام السلف، وفي تنزيله لكلام السلف؛ صاح متباكيًا إنكم تريدون القدح في السلف! وأنا وقاء للسلف! وعرضي فداء لعرض السلف!

هل طرق آذانكم شيء مثله قط؟

هذا أمر!

وأمر آخر في نفس مقطعه المذكور!

فلقد قام يبشّر أتباعه بالمغفرة! ويحلف أنّهم قد غُفِر لهم!

وأنت إذا كنت لم تسمع مقطعه المذكور، فلا تعجل باستحالة وقوعه منه، ولا تنفِ أن يقع مثله من مثله!

ولا والله ما ظننت أن تبلغ جراءته على قدر الله، وهو يكثر الادعاء بانتسابه إلى منهج السلف حتى سمعت مقطعه ذاك، والله المستعان.

ولكنّ هذا الرجل مولعٌ باتّهام غيره بنقص تعظيمهم لله، حفيٌّ برمي مخالفيه بتمييع الدين، ووصفهم بالتدجين! فابتلاه الله بمثل هذه العثرة، نسأل الله السلامة.

وإنك مهما قرأت في كتب أهل المقالات فلن تجد تعدّيًا على حق الله بحلف الشخص أن ذنوب أصحابه قد غفرت! ولن ترى مياعة علميّة كهذه!

أما بعد:

فإنّ من الناس من رأى هجر بعض المشتغلين بالعلم لكتب الآثار، وبرودة قلوبهم مع المبتدعة والمنحرفين؛ فصار إذا وجد منتسبًا للسلف، ينتحل كتب الاعتقاد المسندة، ويضمّن كلامَه كلامهم؛ أعطاه ثمرة قلبه، وأسلمه رقبته! دون أن يدري عن حاله، وعدالته، وصحة فهمه!

وهذا باب عظيم من أبواب الفتنة بهذا الرجل.

ولهذا فمما يجب أن يعرفه الشباب المتقون، الذين ترتفع أبصارهم إلى مذهب السلف، وينشدون الأخذ عن الأئمة، أنّ الخصومة مع غلاة التبديع ليست من أجل أبي حنيفة، أو غيره من العلماء فحسب!

وليست لأنهم قد رموا وقدحوا عالمًا من العلماء، وانتهى الأمر. فلسنا ننازع هؤلاء الغلاة إذ قدحوا في عالم أخطأ أو ضلّ، فليس هذا لوحده مما يقام له سوق الخصام!

ولكننا ننكر عليهم الليل الأسود! والبحر الخضم: الجراءة على المسائل الضخام، والانفلات في تخطئة الأمّة، والتهاون في البناء العلمي، الذي إن تقوّض انهالت الدعوة، واستبيح الحق، وتقافزت الأقزام!

د. محمد آل رميح

كلّ المقالات منهج التوثيق والتصحيح
المزيد

مقالات أُخرى