الرد على غلاة التجريح والتبديع: الخليفي نموذجًا

12 يونيو 2023

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، وسلم تسليمًا كثيرًا، أما بعد:

فقد كان العهد بأهل الغلو في التبديع والتجريح - منذ خروجهم في المدينة النبوية قبل ثلاثين سنة - أنَّهم كانوا حربًا وإلبًا على مخالفيهم من علماء الإسلام ودعاته المعاصرين، يقتصرون على من عاصروه، ولا يوسِّعون دائرة حربهم على من مضى من هداة المسلمين، ويتهيَّبون الوقيعة في غير المعاصرين، ولذلك أسبابٌ ليس هذا موضع ذكرها.

هكذا كان العهد بهم؛ ثم أبى الغلو إلا أن يأكل بعضه، وأن يحيق المكر بصاحبه.

فعاد غلاة الغلاة على أصحابهم بالثلب والسب والنقض، واطَّردوا في أصولهم الغالية في حرب المصلحين، فوسَّعوا دائرة الذم والمقت على السالفين مع المعاصرين، ودارت بينهم حروبٌ فكرية وعقدية طويلة، فرَّقتهم فرقًا كثيرة، وصاروا كلما حدث فيهم حدثٌ أحدثوا اسمًا وأبدعوا فرقة، حتى لا تكاد تحصى أسماء فرقهم المعاصرة، ولا يعرف في المنتسبين للسنة اليوم أكثر منهم تفرقًا وتحزبًا، فالله المستعان.

وكان من أبناء دعوتهم شابٌّ عجولٌ، وكاتبٌ مجهولٌ، يلقِّب نفسه بعبد الله الخليفي، كان في بداءة أمره قد رضع من لبان غلاة التبديع، وفقست به بيضتهم، ودرج على عشهم.

ثم كان في طراءة عهده بالقلم يكتب مقالاتٍ غاليةً في مدح كبيرهم دكتور الحديث الذي فتق هذا الفتق في الأمة بمدينة النبي صلى الله عليه وسلم، ويشبهه بيحيى بن معين! ويذمُّ مخالفيه ويتهمهم بكل نقيصة بغير رويَّة ولا وازعٍ من تقوى.

ثم غصَّ الغُلَيِّم باللقمة، وانقلب على متبوعيه، وصار يبدِّعهم ويضلِّلهم، ثم استسمن نفسه، وأعجب بعلمه، فرجع على علماء الأمة وصالحيها من مخالفيه، ذمًّا وقدحًا وسبًّا وشتمًا، من السالفين والمعاصرين، حتى وصل إلى أبي حنيفة - رحمه الله - فجعل تبديعه وتجهيمه كبرى قضاياه، وصار يمضغ المسألة ليله ونهاره، وتحوَّر عليها، وقاس أولياءه وأعداءه بمسطرة القرب والبعد من هذه المسألة.

هكذا كانت القصة! فلا تغفل عن أصل البذرة إذا أردت أن تعرف طعم الثمرة!

فالخليفي أراد أن يقول للناس: إنَّ الأمة المرحومة الخاتمة التي هي أكثر أهل الجنة؛ لا يزال جمهور الناس فيها من القرن الرابع على ضلالة، وعامة الأمة على سفاهة، بل عامة أهل العلم المتأخرين والقضاة والمفتين على الكفر والردة.

وأراد أن يقول: إني وجدت الناس على ضلالة، وعامة علمائهم في عماية، فعصبت الأمر برأسي، وعزمت على رد الناس عن الضلال والعمى!

والخليفي في المتسننة المنتسبين لأهل الحديث نظير الكوثري في غلاة مبتدعة المتجهمة، ذاك يعنِّف كل من قدح في أبي حنيفة، وهذا يعنِّف كل من أثنى على أبي حنيفة!

وإني لأذكر هنا مقالةً لابن ناصر الدين الدمشقي الشافعي - وهو على تقرير الخليفي ضالٌّ مضلٌّ مبتدع - قالها وهو يرد على متهوِّكٍ من المتهوِّكين، من أشباه الخليفي في الطبع والهور، وإن خالفه في التأصيل والتنزيل - وهو محمد بن محمد البخاري الحنفي، وهو على تقرير الخليفي كافرٌ مرتدٌّ أيضًا - وكان الحنفي هذا قد كفَّر ابن تيمية، بل كفَّر من وصف ابن تيمية بشيخ الإسلام!

فردَّ عليه ابن ناصر الدين الدمشقي في كتابٍ بناه على جمع أسماء العلماء الذين وصفوا ابن تيمية بمشيخة الإسلام - وأكثرهم جهمية مرتدون على تقريرات الخليفي - فكان مما قاله ابن ناصر الدين:

فلعن المسلم المعيَّن حرام، وأشد منه رميه بالكفر وخروجه من الإسلام، وفي ذلك أمورٌ غير مرضية، منها إشماتُ الأعداء بأهل هذه الملة الزكية، وتمكينهم بذلك من القدح في المسلمين، واستضعافهم لشرائع هذا الدين⁠1⁠.

وهنا طريفٌ من الكلام، أريد أن أبدأ به قبل الحديث عن إشكالات هذا الرجل وأسباب زلله.

فمما رأيته في بعض أهل الغلو أنهم يكثرون من ذمِّ من هو أشد غلوًّا منهم! ليرموا عليه عهدة ذم الغلو، ولينوِّموا ما يستيقظ من (ضمائرهم!)

وقد وجدت هذا الطعَّان اللعَّان حين تحدَّث عن الحجي والحداد أكثر من الذم واللمز والسباب، وأطال في غير موضع الإطالة، حتى إنه لما تحدث عن مسألة أصل إبليس هل هو من الملائكة أو من غيرهم، انفتح له الكلام عن طالبٍ للحجي، من السبَّابة الغلاة، فعلَّق الخليفي: أنَّ هذا نتيجة تربية الحجي! التي تخرِّج تلاميذ لا يجلُّون أهل العلم! ويحتقرونهم، ويطيلون عليهم ألسنتهم!

أي والله! هكذا!

ومشكلة هذا الطعَّان نفسيَّةٌ ليست شرعية فحسب، فهو ذو نفْسٍ حانقةٍ مهتاجة، وطبعٍ غضبيٍّ موتور، يعيش صراعًا متوهَّمًا، وغضباتٍ لم يجد لها منفسًا، فعاد ينفثها على صلحاء الأمة وعلمائها من مخالفيه.

ثم وجد نفسه في الخصومة والخصومات، وصار أعداؤه هم السلفيين حقًا، وجعل هدفه تجديد السلفية، كما ترى ذلك في كلامه وكتابته.

الأمور التي أُتي منها

ولقد دُخِل على هذا الرجل وأُتي من أمورٍ أورثته هذا المنهج الحادَّ المحرق البدعي:

فأُتي من عدم تزكيته في مجالس العلماء وصحبة الطلاب في حلق العلم، فإنه لا يُعْرف له حضورٌ في مجالس العلم، ولا يُدرى له شيوخ، ولم يتغرغر بتربيتهم.

وقد قال الشاطبي - رحمه الله، وهو مجروحٌ مذمومٌ بمرَّة على تقريرات هذا الخليفي - في علامات العالم المتحقق بالعلم:

أن يكون ممن ربَّاه الشيوخ في ذلك العلم؛ لأخذه عنهم وملازمته لهم؛ فهو الجدير بأن يتصف بما اتصفوا به من ذلك، وهكذا كان شأن السلف الصالح.. وحسبك من صحة هذه القاعدة أنك لا تجد عالمًا اشتهر في الناس الأخذ عنه إلا وله قدوة واشتهر في قرنه بمثل ذلك، وقلَّما وُجِدت فرقةٌ زائغةٌ ولا أحدٌ مخالفٌ للسنة إلا وهو مفارقٌ لهذا الوصف!⁠2

وأُتي هذا المجهول من قلبه للطرق العلمية، وعكسه لترتيب المسائل.

فإنه إذا رأى بعض مخالفيه على شأنٍ صار يترك كل ما عندهم حتى ترك ما وافقوا فيه الحق، وانظر ذلك في رأيهم من الحكم بما أنزل الله، وحقوق المرأة مثلًا، فإنهم لسفاهةٍ بهم ضادُّوا هذه الأمور بما لا تعارض به، لولا أن خصومهم قد قالوا بها.

وكثيرٌ من سفهاء الضالين يتركون من الشريعة ما يرون أهل الباطل قد أخذوا به ولو وافقوا الحق فيه، كما فعل النصارى في ملابساتهم للنجاسات مضادةً لغلو اليهود في الطهارات.

ثم إنَّ الذي يبدو لك إذا قرأت له أنه إنما أخذ العلم من كتب الردود ابتداءً، ثم ذهب يقرأ لعلماء الأمة يبحث عن الزلل، ولا يستطيع أن ينكر أنه كان يقرأ قراءة من يتتبع العُثَر، ومن يتسقط الزلات، وهذا بيّنٌ واضحٌ في اجتماع ما يراه زلاتٍ للعلماء، سواءٌ أكانت زلةً في ذاتها أو تزيَّد فيها ليجعلها زلة.

فاجتمع له من متفرقات المعلومات على هذا النحو، ومن كان ذا معرفةٍ بطرق العلم والتعليم بان له ذلك.

وأُتي هذا الشتَّام من الانتفاج والانتفاخ والفخر بالنفس، فالرجل منتفخٌ معجبٌ بنفسه، يكثر التوجُّع من إعذار الناس لأبي حنيفة، وعدم إعذارهم المتَّبِع السني - يعني نفسه - وإذا ذكر نفسه بتواضع كما في بداية الحلقة الثانية من كتابته في المعاصرين فيقول: لا يحملك استصغاره لقدر الكاتب في نفسه!

وكأنه ليس أهلًا أن يستصغر، ولكن إنما يقع في نفس القارئ هذا الاستصغار!

وقد كان يقع في قلبي مثل هذا عنه، ولكن بقيت أنظر في حاله، حتى وجدته يحتقر الكبار في علمهم، كما في احتقاره لعلم ابن حجر مثلًا!

ثم لما رأيته ينهى بعض أتباعه (اليوتيوبيين) أن يذكر اسم أحد المشايخ المخالفين له في ردهم عليه، ويلقِّنه يقول: «رد عليه دون أن تذكر اسمه، فإنه يريد منا أن نذكر اسمه ليشتهر!» عرفت من أين أُتي هذا الشاب.

ولقد انتفج انتفاجةً جعلته حين يتكلم عن الأئمة الذين وافقهم فضلًا عمن يخالفهم، تحدَّث بهيئةٍ مستعلية، كأنما كان الناس ينتظرون تقييمه لهم في أنفسهم، وفي أئمتهم.

فيأتي بكلامٍ مسجٍ في موافقاته للأئمة، لا تخرج إلا من نفوسٍ مستعلية، فانظر حين نقل عن الترمذي مسألةً في حديث: «من تقرَّب إليَّ شبرًا، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة»، وأنَّ ذلك برحمته ومغفرته، قال: (والإمام الترمذي لا تخفى عقيدته سلفية، ولذا اعتمدنا على نقله!)

هكذا!

وتكلَّم في مسألة نكاح الإنس من الجن، ونقل كلامًا لابن تيمية: أنه واقعٌ كثيرًا، قال: وابن تيمية ثقة، إذا قال يقع فهو كذلك!

فالحمد لله، الذي أبان لنا بك أنَّ ابن تيمية ثقة! وأنه يؤخذ بقوله!

وهو أراد أن يحاكي كلام بعض أئمة الفقه الذين ذكروا مثل هذه عن ابن تيمية في النقل عن مذاهبهم، لكنه لم يتنبه لاختلاف سياقهم عن سياقه بما يجعل كلامه مسجًا تتكرهه النفوس.

وأُتي هذا اللعَّان من العجلة في النظر، والجرأة في الحكم، والتهوُّك بلا بصر.

إذا قرأت أو سمعت له رأيته منفعلًا بطبعه، يقرأ منفعلًا، ويكتب منفعلًا، ويتكلم منفعلًا، تراه منزوع السكينة في شأنه ورأيه وحكمه، فأقرب الأقوال له وأدنى الآراء منه؛ ما كان متوقدًا موَّارًا.

يلتقط من كلام الأئمة ما وجده في أول أمره مما يعجبه، فيثبته، ثم لا يقارن ولا يجمع تعلَّةَ أن يختلف عليه ما وجد، وخشية أن يعثر على ما ينقض ما تصوَّره من كلام الأئمة، ولذا لما جاء في حكمه على أبي إسماعيل الهروي نقل كلامًا لابن تيمية عن الذهبي، أنَّ شيخ الإسلام كان يرميه بالعظائم، فطار بهذه الكلمة لينقض ما ينشره الناس من مدح ابن تيمية للهروي، وتجاهل تقريرات ابن تيمية المتكاثرة في إعذار المتأولين، والحكم بأجر المخطئين المجتهدين، والثناء عليهم، والبعد عن السب والشتم والذم الذي دنَّس به هذا الخليفي كتابته.

وانظر تهوُّره ومجازفته، كما تجد ذلك في مجازفاته في الحكم بالإجماع، فهو يحكي الإجماع على تجهيم أبي حنيفة، ويقول: محمد بن الحسن الشيباني لا يختلفون أنه جهمي!

على أنه أراد أن يبسط العذر لنفسه في حكايات الإجماع، فجاء بنظرٍ عجيبٍ للإجماع، وقرَّر أنَّ الإمام المعتبر من أئمة الأثر إذا ذكر مسألةً ووجدت في كتب الاعتقاد، ولم تنكر فهي إجماع!

ومن تهوُّره في التأصيل زعمه أنَّ الأصل هجر المبتدع، وقد رضع ذلك من لبان أدعياء السلفية السبَّابة، لما كان في صفهم، دون أن ينظر إلى أنَّ الهجر من جنس العقوبات التي يضبطها غلبة الظن بوجود المصالح بإيقاعها، واندفاع المفاسد.

وأُتي هذا الكاتب من محبة ثلب الناس والقدح فيهم، وهو مرضٌ قلبيٌّ ونفسانيٌّ معروف، وإذا قرأت كتابته في المعاصرين عرفت أنَّ الرجل يحب النقد لذات النقد، ويتوق للذم، ويجنح للثلب.

وقد وقع في قلبي أنه متأثرٌ بكتاب الجامع في طلب العلم الشريف، مع اختلاف ما بينهما في المنهج، ولكن كأنه قرأه ثم أراد محاكاته، فمضى على منواله، مع الفرق بين الموضوعين، والاتفاق في النفسين.

فهو مولعٌ باتهام الناس، وإساءة الظن فيهم، ينْفُس أن يصيب غيرُه الحقَّ، كأنما يغضبه عذر المعذورين!

ويسهل عليه رمي مخالفيه بالتجهم كلما تمطَّق بلسانه، ويختبئ خلف الألفاظ السلفية التي يقل استعمالها، ليكون لكلماته ثقلٌ في الميزان العلمي، فهو يكرر كلمة: (فيه تجهم) كلما سنحت له سانحةٌ أو بارحة.

ويرى لنفسه الحق في الفتيا في مسائل كان يرحل في جنسها كبار علماء السلف.

فتراه حين فرغ من تقرير اختلاف أهل السنة في إثبات صفة الهرولة، عقَّب: بأنَّ من نفى صفة الهرولة لعلة التشبيه فهو جهمي! دون أن ينسبه لأحد من السلف، أو لعلماء الأمة.

مع أنه لو بحث في هذه المسألة لوجد فيها أثارةً من علم.

وقد جاء عن بعض السلف الحكم بتجهيم منكر صفة الصورة مثلًا، ثم رأينا إنكارها قد وقع لبعض كبار أهل السنة، اتقاء التشبيه، وهو أمرٌ أصرح من حديث الهرولة، كما صنع ابن خزيمة في حديث خلق آدم.

فهل يقول عاقلٌ يدري ما يخرج من رأسه: إنَّ ابن خزيمة جهمي؟ وهو الذي كان يرد على الجهمية حتى في تقريره لمعنى هذا الحديث عنده.

نعم قد بيَّن أهل العلم غلط ابن خزيمة، وردُّوا قوله، وعدُّوه من ندرة المخالف، كالكرخي صاحب الفصول وابن تيمية في بيان التلبيس، ولم يتقحَّموا وصفه بالتجهم، كما هو لازمٌ لتقرير الخليفي.

بل قال قوام السنة التيمي: لا يطعن على ابن خزيمة بسببه، وعلَّق أبو موسى المديني فقال: أشار بذلك إلى أنه قلَّ من إمامٍ إلا وله زلَّة، فإذا تُرِك ذلك الإمام لأجل زلَّته تُرِك كثيرٌ من الأئمة، وهذا لا ينبغي أن يُفعل!

وقد أُتي هذا الرجل من طريقةٍ عجيبةٍ في التعامل مع المنقول عن السلف، فتراه يجعل دلالات الألفاظ المستعملة في نصوص الوحي المحكمة المحفوظة، يجعلها في الألفاظ المنقولة عن السلف، فيعطيها حكمها من العام والخاص والمنطوق والمفهوم والمقيَّد والمطلق، وهذا كثيرٌ لا يحتاج للأمثلة.

وقد أُتي هذا السبَّاب من ثقةٍ عاليةٍ في فهمه، وعدم اتهامه لرأيه، مع أنه متهمٌ في فهمه، حقيقٌ بأن يكثر المراجعة وأن يعيد النظر.

فانظر ضعف فهمه لكلام السلف في باب التجهيم - وهو واديه الذي يحلو له أن يمرع فيه ويسرح - حين يلحق الأشاعرة بالجهمية من كل وجه.

وانظره حين ينزِّل كلام بعض السلف بتجهيم منكر بعض الصفات على كل منكرٍ لأي صفة، دون النظر لما يحتف بهذه القضية من تغيُّر زمن قيام الحجج، وتعاظم الشبه، وخفاء العلم في زمنٍ أكثر من زمن.

ولهذا تجد الأئمة العارفين كابن تيمية - وهو الذي يصف الأشاعرة أحيانًا بالتجهم - لا ينزِّل أحكام الجهمية من كل وجه على الأشاعرة، لترتيبه المسألة على الشأن الذي ذُكر.

وهذه مسألةٌ كبرى يشد عليها يديه، يعرف أنها لو أفلتت منه لم يبق له مشروعٌ يصارع من أجله! وهذا يفسر لك شدته في هذه المسألة، وازدياد غلوه فيها يومًا بعد يوم، وتقصِّيه فيها في كل حين.

ومن ضعف فهمه أنه كثيرًا ما يستدل على تفضيل مسائل الأسماء والصفات على غيرها من مسائل التوحيد؛ بأنَّ كلام السلف فيها أكثر من غيرها! وأنهم أوعبوا فيها الردَّ على المخالفين ما لم يوعبوا في غيرها، وأنَّ ردودهم فيها على المخالفين أكثر من ردودهم في غيرها!

وهذه غفلةٌ عظيمةٌ عن مقتضيات الكلام وأسباب انتشاره وكثرته.

فقد ينتشر الكلام ويكثر لقيام حاجة الناس إلى البيان في هذه المسائل، أو لاستحداث بدعٍ أوجبت الرد والنقض، فيكثر الكلام فيها بحسب الأحدوثات.

وهذا الذي وقع في مسائل الأسماء والصفات، فإنها وإن كانت عظيمةً جليلة، لكنَّ كثرة الكلام الذي اجتمع فيها إنما كان لمخالفة المخالفين من الجهمية وغيرهم فيها في مستهل تاريخ الأمة، فكثر كلام الأئمة في الرد على هؤلاء، والنقض لشبههم، والكسر لاستدلالاتهم.

كما كثر الكلام في القرن الأول في مسائل الإيمان والقدر، أكثر من كلامهم في مسائل الأسماء والصفات، لحداثة الحدث فيها من الوعيدية والقدرية، وهكذا يتجدد من اشتغال أهل العلم والإيمان بالأقضية بحسب رتبها، وبحسب الحاجة لها، وبحسب حدوث الحدث فيها، وبحسب غموضها، وغير ذلك من المقتضيات.

ومن ضعف فهمه أنه حين ذكر مسألة الإنكار في المسائل الخلافية، أتى بإنكار حذيفة على من لم يحسن صلاته، ليستدل به على جواز الإنكار في المسائل الخلافية. ثم قال: وعدم وجوب الطمأنينة مذهبٌ لجماعةٍ من أهل الرأي والمتأخرون يرفعون من شأنهم!

فهل تتعجب منه؟

فإنَّ حذيفة أنكر على رجلٍ لم يتم الركوع والسجود، وأهل الرأي لا يقولون بمشروعية حذف الصلاة ولا يمنعون الطمأنينة، لكن النزاع معهم في الوجوب، مع الاتفاق على أصل المشروعية، لكنه أراد أن يستجلب نزاعه مع الحنفية حتى في هذه المسألة.

ومن ضعف فهمه أنه نظر كلامًا لابن حمدان في نهاية المبتدئين، في تكفير مستحل سب الصحابة، ووجد كلامًا لابن تيمية في الصارم، فبنى عليه تكفير الزيدية لأنهم يتدينون بسب معاوية، وهذا استحلالٌ منهم، إذن فهم كفار! مع أنه لن يعجز أن يكفرهم بالتجهم.

ومن ضعف فهمه أنه يجرد المسائل من المؤثرات التي تؤثر فيها، ويوردها مجردةً لتروج على من يراها، وهي طريقة غلاة التبديع الذين نشؤوا في المدينة النبوية مع شيخهم الدكتور الذي فتق هذا الفتق في الأمة، والله حسيبه.

فكثيرًا ما يكرر الشكاية من مدح السلفيين لبعض العلماء - الذين يحكم عليهم هو بالتجهم - ومن قدح الناس فيه لأنه يتكلم على هؤلاء الجهمية! حميةً للدين!

ويريد أن يقول: إنَّ حاله أبلغ في الإعذار من أولئك، يقول: كيف تعذرون منكري العلو، ولا تعذرون من حملته الحمية للدين فاشتد على منكر العلو؟

وهذه إحدى تدليساته، فإن المسألة ليست بهذا التجريد.

وأُتي هذا اللدود من نفسه الغضبيَّة، ولكنه - لسابق منهجه - لم يفرغ غضبه فيمن يستحقه من أعداء الإسلام (حقًا)، فظلَّ صدره ضيقًا حرجًا من كظمة الغضب، فراح يخرج العظماء من قبورهم يوسعهم بلسانه شتمًا وذمًّا، ورأى في هذا الفعل تنفيسًا له من غضباته، وإفراغًا لغيظه.

ولهذا فهو يسخر من قضايا الأمة الكبرى، ومن صراعها مع اليهود، ويضع مقارنةً - مثلًا - بين مصلحة طرد المحتل الإسرائيلي، ومصلحة هداية عابد الأضرحة! ليهوِّن من هذه القضية، كأنَّ بين الأمرين تضادًا، لا يتم هذا إلا بنفي ذاك!

وربما يتعجب الإنسان من سبب هذا التهوين لقضية متعلقة بالبراءة من الكافر، مع أنه يسلك مسلك الغالين في البراءة من المخالفين، فكيف التأم له هذا؟

لكن من عرف تاريخ هذا الرجل، وأنه كان من أدعياء السلفية المداهنين، عرف أنَّ هذه المجانبة لمقتضيات البراءة من الكفار المحاربين هي من بقايا منهجه السابق، وشؤم انحرافه الماضي.

ومن حملاته الغضبية أنه حين ذكر كفر سابِّ الله، وعدم إعذار الغاضب، عرَّض بأهل سوريا، وتعجَّب من بعض الدعاة الذين يحكمون على بعض الشعوب الذين اشتهر فيهم سب الله بأنهم شعوبٌ مسلمة!

لسان الصدق لأبي حنيفة

ثم باض هذا المنهج وفرَّخ، فصاروا لا يبالون بما تواضعت عليه هذه الأمة المرحومة، ولا تلين رقابهم لما تعاقب عليه علماؤها وعبَّادها ومجاهدوها وصلحاؤها، من الثناء على أعلامها وعلمائها.

وإذا كان من المتقرر أنَّ أمتنا لا تجتمع كلمتها على باطل، وأنك إذا رأيت مسألةً شرعيةً ذاعت على تعاقب القرون دون نكيرٍ من أئمة الإسلام فهي من الحق، بلا شك.

وأنك إذا رأيت عالمًا أو عابدًا أو واليًا تداولت الأمة اسمه بالثناء والمدح على تعاقب القرون فهو كلام حق.

ولقد كان لفقيه الملة وعالم العراق أبي حنيفة؛ لسان صدقٍ في المسلمين، ومقام مدحٍ على ألسنة علماء الإسلام على تعاقب الزمان وتقلب الدهر.

وظلَّت ألسنة أئمة الدنيا رطبةً بالتنويه بفضله، وذكر مناقبه، وشحنت كتب الفقه بذكر أقواله واعتبار آرائه.

وإنَّ من العار على أمة محمد صلى الله عليه وسلم أن يكون من هذا شأنه؛ مغموزًا في دينه، مذمومًا في معتقده.

ولله أكرم وأرحم بهذه الأمة من أن يجعل رجلًا امتلأت كتب أئمة الإسلام بفقهه وآرائه؛ أن يجعله محل قدحٍ وثلب، حاشا لله!

ونجزم بأنَّ جملة ما نقل عنه من الأقوال لا تخرج عن أحوال:

- إما أنها ضعيفٌ لم يثبت عن قائله.

- أو صحيحٌ ثبت عن قائله، لكن لم يثبت عن أبي حنيفة فعله.

- أو صحَّ عن قائله وصحَّ عن أبي حنيفة فعله ولكن رجع عنه.

- أو صحَّ عن قائله وثبت عن أبي حنيفة، ولم يرجع عنه، ولكنه من الزلل الذي ليس يمنع إمامة صاحبه مع الحكم بزلله.

نجزم بذلك إذ نعتقد أنَّ حسن الظن بالله يوجب امتناع تتابع الأمة بالثناء على المطعون في دينه، امتناعًا كونيًا قدريًا في هذه الأمة المرحومة.

نعم، ربما اشتهر بالمدح أو بالجرح من ليس أهلًا له، في زمانٍ أو مكانٍ أو عند طائفة، لأمرٍ اقتضى ذلك، كالأشعري في بعض بلدان الأمة، وفي بعض القرون من تاريخ الأمة.

وأما أن يبقى ذلك في عصور الأمة جيلًا بعد جيل، وقرنًا بعد قرن؛ فهذا مما لا وجود له، ولا يتصور وجوده في أمة الشهادة على الحق، الأمة المحمدية المباركة.

ولقد كان شيوخ الإسلام وأعلام الأمة يكتبون في فضل أبي حنيفة، ويسوِّدون في ذلك الصحائف، كما تراه في كتب التراجم والسير، حتى صنَّف ابن عبد البر كتابه الانتقاء الذي قال في أوله أنه أراد ذكر أخبار الأئمة الثلاثة الذين دار ذكرهم في آفاق الإسلام.

وكان أئمة الفتيا يذكرون فضيلة فقهه ويشهدون له بالتقدم فيه، حتى ربما ذكر بعضهم قوله واعتبر رأيه، ولم يذكر أقوال إمام الإسلام والمسلمين أحمد بن حنبل، كما صنع ابن جرير الطبري، وأبو عبد الله المروزي، وابن قتيبة خطيب السنة.

وإني لأعلم أنَّ هناك من لا يقبل الحق ولا يرخي له أذنه؛ إلا إذا جاء من معظَّمٍ عنده من المتبوعين، فأحببت أن أصدِّر هذه الكلمات بذكر شيءٍ من ثناء شيخ الإسلام ابن تيمية على فقيه الدنيا أبي حنيفة، عسى أن يكون فيه وازعٌ يزع بعض المتأثرين بهذا الرجل عن الجراءة في أعراض صالحي أمتنا، وأئمة ديننا.

على أني أعلم أنه قد بلغت به الجراءة أن يرد على من يستدل عليه بكلام ابن تيمية بقوله: أنقل لكم عن السلف، وتأتون لي بكلام عالمٍ من القرن الثامن؟

ومن كان يرى في نفسه تأهلًا لفهم محصَّل المنقول عن السلف في مثل القضايا أكثر من ابن تيمية ومن علماء الأمة غيره؛ فلا حيلة فيه!

ولقد كان شيخ الإسلام ابن تيمية يجعل أبا حنيفة رحمهما الله؛ ممن له لسان صدقٍ في الأمة، فيقول:

من رحمة الله بعباده المسلمين أنَّ الأئمة الذين لهم في الأمة لسان صدق مثل الأئمة الأربعة وغيرهم كمالك والثوري والأوزاعي والليث بن سعد وكالشافعي وأحمد وإسحاق وأبي عبيد وأبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد؛ كانوا ينكرون على أهل الكلام من الجهمية قولهم في القرآن والإيمان وصفات الرب⁠3⁠.

- ولما تحدَّث عن مسألة تقديم الخلفاء الأربعة وتفضيلهم، قال: «فهذا متفقٌ عليه بين أئمة المسلمين المشهورين بالإمامة في العلم والدين»، ثم عدَّ منهم: أبا حنيفة⁠4⁠.

- ولما تكلَّم ابن تيمية عن بعض مسائل الكلام وبدع المتكلمين، نفى أن يكون قولهم موافقًا لأقوال «أئمة المسلمين المشهورين بالعلم والدين، الذين لهم في الأمة لسان صدق، في زمن أحمد بن حنبل، ولا زمن الشافعي، ولا زمن أبي حنيفة ولا قبلهم»⁠5⁠.

- ومن أعجب ما جاء في هذا؛ أنَّ شيخ الإسلام ابن تيمية لما ذكر أقوال أهل السنة في الشهادة لمعيَّنٍ بالجنة، وذكر قول من جوَّز الشهادة لمن أجمعت الأمة على فضله، قال:

وقالت طائفة: بل من استفاض من بين الناس إيمانه وتقواه، واتفق المسلمون على الثناء عليه: كعمر بن عبد العزيز والحسن البصري وسفيان الثوري وأبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد والفضيل بن عياض وأبي سليمان الداراني ومعروف الكرخي وعبد الله بن المبارك - رضي الله عنهم - وغيرهم؛ شهدنا لهم بالجنة؛ لأنَّ في الصحيح أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم مُرَّ عليه بجنازة فأثنوا عليها خيرًا فقال: «وجبت وجبت»⁠6⁠.

- وقد كان شيخ الإسلام ابن تيمية يذكر من إحسان الظن بأئمة الإسلام ما ينفي عنهم تعمُّد الغلط وقصد المخالفة، فقال:

ومن ظنَّ بأبي حنيفة أو غيره من أئمة المسلمين أنهم يتعمَّدون مخالفة الحديث الصحيح لقياسٍ أو غيره فقد أخطأ عليهم وتكلَّم إما بظنٍّ وإما بهوى⁠7⁠.

- وكان يبيِّن أنه كان معذورًا بوجهٍ من وجوه الإعذار فيقول:

المسائل التي يخالف فيها أبو يوسف أبا حنيفة وتابعه محمد عليها؛ عامتها اتبع فيها النصوص والأقيسة الصحيحة؛ لأنَّ أبا يوسف رحل بعد موت أبي حنيفة إلى الحجاز واستفاد من علم السنن التي كانت عندهم ما لم تكن مشهورة بالكوفة، وكان يقول: «لو رأى صاحبي ما رأيت لرجع كما رجعت»؛ لعلمه بأنَّ صاحبه ما كان يقصد إلا اتباع الشريعة، لكن قد يكون عند غيره من علم السنن ما لم يبلغه⁠8⁠.

- ومن مشهور وصفه لأبي حنيفة وصفه بأنه من أئمة الدين⁠9⁠.

- وكان أئمة الإسلام الكبار إذا صنَّفوا في الفقه جعلوا قوله مما يقدَّم ويعوَّل عليه، كابن المنذر - وهو أول من صنَّف في الخلاف - والطبري وابن عبد البر، وابن رشد، وابن قدامة، وغيرهم من الأئمة، وأكثر هؤلاء ضلالٌ على تقريرات الخليفي.

نعم، قد جاء عن بعض الأكابر جرحٌ لهذا الإمام، لكنه جرحٌ يقابله ثناءٌ ومدحٌ ممن كان ينوِّه بذكائه وورعه واشتغاله بالعبادة، بل نصَّ أئمةٌ من أهل الحديث أنَّ الذين وثَّقوه وأثنوا عليه أكثر من الذين تكلَّموا فيه.

بل لما نقل الخطيب نصوص القدح فيه؛ ختم بقوله:

ومعتذرون إلى من وقف عليها وكره سماعها، بأنَّ أبا حنيفة عندنا مع جلالة قدره أسوة غيره من العلماء الذين دوَّنا ذكرهم في هذا الكتاب.

وقد كان أبو حنيفة محل خصومةٍ أفضت إلى ما تفضي إليه كل الخصومات، من الاستيفاز والمنافرة وشدة القول في الخصم، وتهيُّؤ النفس لقبول ما قيل في الخصم تحيُّزًا إدراكيًا واعيًا أو غير واعٍ، حتى قال ابن عبد البر في الجامع كلامًا من قرأه على البداهة تعجَّب منه، ومن قرأه قراءة عارفٍ بأحوال الناس، مدركٍ لحال الخصومات بان له على ما هو عليه، فقال:

لم يُعْنَ أحدٌ بنقل قبيح ما قيل فيه كما عنوا بذلك في أبي حنيفة لإمامته، وكان أيضًا مع هذا يُحسد وينسب إليه ما ليس فيه ويختلق عليه ما لا يليق به، وقد أثنى عليه جماعةٌ من العلماء وفضَّلوه ولعلنا إن وجدنا نشطة نجمع من فضائله وفضائل مالك، والشافعي، والثوري، والأوزاعي رحمهم الله كتابًا، أمَّلنا جمعه قديمًا في أخبار أئمة الأمصار إن شاء الله تعالى.

حكاية الإجماع المنقولة عن حرب الكرماني

وسيقول هذا الثلَّاب: إننا ندفع عن وجه الشريعة، ونذبُّ عن السنَّة، وننصر السلف، ونحكي لكم الإجماعات القديمة!

ولا جرم أنه لن يعدم حجةً يتحجج بها، يخادع بها نفسه.

وحتى تعلم عظيم تهوُّكه على غير بصر، فسأوقفك على حكاية إجماعٍ واحدةٍ مما أشغل الناس بها في القدح في أبي حنيفة، وسيتبين لك بها أنه غير مأمونٍ في نقله، وليس دقيقًا في فهمه.

فإنه قد جعل من جملة استدلالاته على ما ذهب إليه من تبديعه لأبي حنيفة حكاية إجماعٍ ينقله عن حرب الكرماني.

ومن قرأ كتاب الكرماني عرف أنَّ الخليفي أحد رجلين!

إما مدلِّسٌ يأتي ما يأتي على درايةٍ بدلسته، ولكنه يمررها على الناس وقد وثق أنَّ فتيان الأمة يصدقون ما ينقل لهم دون فحص، ولا يتصورون فيمن برز بقرنه أن يكذب أو يدلِّس.

أو أنَّ الرجل قد أُتي من سرعة انجذابه لأيِّ قدحٍ يجده في أحد، فهو يفرح بالذمِّ إن لقيه، ويراه ظفرًا لا يترك! ويكره أن يجد الناس عذرًا يسقط عنهم ما ظفر به من القدح والذم.

فإنك حين تفحص ما ذكره من إجماعٍ حكاه الكرماني، تجد أنَّ الكرماني ذكر جملةً من اعتقاد أهل السنة، وذكر بأنَّ ما جاء في كتابه فإنه مما أجمع عليه أهل السنة. وكان من جملة ما ذكر الحط على أبي حنيفة! فانفصل بأنَّ ذلك مما حكي فيه الإجماع!

فإذا رجعت لذلك المعتقد وجدت أنَّ الإمام حربًا قد ذكر مسائل إجماعيةً هي أغلب ما جاء في كتابه، وذكر مسائل دون ذلك مما لم يجمع عليها أهل السنة، بل ربما كانت من المسائل التي ذهب الجمهور إلى خلافها.

فقد ذكر - مثلًا - إثبات صفة الحركة، وقد نقل المسألة ابن تيمية عن حرب ثم قال: (وكثيرٌ من أهل الحديث والسنة يقول: المعنى صحيح، لكن لا يطلق هذا اللفظ لعدم مجيء الأثر به).

فهل إثبات صفة الحركة مما أجمع السلف عليه؟

وذكر الكرماني أنَّ من لم ير الاستثناء في الإيمان فهو مرجئ، فهل مثل هذا التقرير بهذا الإجمال مما أجمع عليه السلف؟

وذكر الكرماني المنع من الشهادة لأحدٍ بالجنة، فهل مثل هذه المسألة مما أجمع عليها السلف؟

وذكر إثبات اسم منكر ونكير للملكين، فهل مثل هذا مما أجمع عليه السلف؟

وذكر الكرماني مناولة الله التوراة لموسى عليه السلام، فهل أجمع عليها السلف؟

وهكذا نقول: إنَّ الكرماني لما حكى الإجماع في كتابه حكاه على جملة ما نُقل فيه، لا على كل تفاصيل ما ذكر، وإلا كان في كلامه خُلْف.

ولقد أبقى الله للخليفي ما يسوؤه، فردَّ عليه صلحاء من الأمة، وبيَّنوا ضعف كلامه، وبطلان قوله، فعاد يقول: ما دامت مسألةً خلافيةً بين السلف، فلا تنكروا على مخالفكم إذن!

وهذا بابٌ لو فُتح لكان هذا الرجل أول المتضررين.

أفيقبل أن نجوِّز لكل أحدٍ أن يقدح في أي إمامٍ ثبت فيه قدحٌ من أحد السلف؟

إذن فيا قرة عيون أعداء الدين؛ إن جاء أحدٌ غدًا فقدح في مالك لأنَّ ابن أبي ذئب قال: يستتاب مالك!

وقدح في البخاري - كما يصنع الرافضة - إذ تكلَّم فيه الذهلي، وتركه أبو حاتم وأبو زرعة!

ولو أنَّ ناظرًا أخذ كلام يحيى وأبي عبيد في الشافعي، وأنه كان يتشيع، ورأى كلام العجلي فيه حين قال: ثقة صاحب رأي وكان يتشيع! ثم راح يقدح في الشافعي بدعوى التشيع، ويقول الشافعي مختلفٌ فيه، ومن قدح فيه فقد أخذ بمذهبٍ عند السلف!

فهل يستطيع الخليفي أن يدفع في صدر هذا القول، وأن يردَّه؟ إذن فنحن نرد عليه من جنس الرد الذي يرد به على القادح في مالك والشافعي والبخاري، وسيرجع مغالطًا يدَّعي الإجماع!

وهنا أقارن القدح في مالك والشافعي والبخاري بالقدح في أبي حنيفة، فلا يشك منصفٌ في الفرق بين القدحين، والفرق بين المقدوحين، لكنني أمدُّ قاعدة هذا الرجل، وأطرد أصله، ليتبين فساد مأخذه، وضلال طريقته.

وأخيرًا فإنَّ هذا السبَّاب الطعَّان يحمله على كثيرٍ من امتهان الثلب والشتم؛ ما يجده من لذَّةٍ في الخصومة، واسترواحٍ إلى المنازعة، فهو يجد راحةً ما دام مخاصمًا، كما يجد صاحب الجرب لذَّةً بحكِّ نُقْبة الجرب، وربما توهَّم أنَّ هذه الحلاوة النفسانيَّة من جنس لذة الانتصار لدين الله، وما ثمَّ إلا حكَّة الجرب.

وهذا الخليفي ليس له مشروعٌ في حياته، ولا منجزاتٌ في عمره، فتاريخه صفر اليدين من العلم والدعوة والإصلاح والعطاء إلا الثلب واللعن والسب والشتم وسوء الظن الذي يظهره بمظهر الانتصار لعقيدة السلف.

ولعله لا يزال يجد من خلو تاريخه من المنجز العلمي والإصلاحي وخزةً مؤلمة، فوجد في القدح في عظماء الإسلام إنجازًا وأيَّ إنجاز! ووجد في ثلبهم شغلًا له من البطالة التي تحبسه وتؤلمه، وراح يصبح ويمسي يذم هذا ويقدح ذاك محتسبًا!

والله المستعان، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

د. محمد آل رميح

الهوامش

  1. 1الرد الوافر (ص 11).
  2. 2الموافقات (1/142).
  3. 3مجموع الفتاوى (7/403).
  4. 4مجموع الفتاوى (4/422).
  5. 5مجموع الفتاوى (17/88).
  6. 6مجموع الفتاوى (11/518).
  7. 7المجموع (20/305).
  8. 8مجموع الفتاوى (4/47).
  9. 9مجموع الفتاوى (12/554) - (22/253) - (23/134) - (34/186).
كلّ المقالات منهج التوثيق والتصحيح
المزيد

مقالات أُخرى