تفكيك دعاوى الخليفي في التكفير والتضليل (6): دعوى أن الحكم بزندقة علماء الكلام يعني الحكم على أعيانهم بالكفر الأكبر

12 أغسطس 2026

من الدعاوى التي يكررها الخليفي كثيرًا في كلامه ومقالاته مقولة الإمام أحمد: "علماء الكلام زنادقة"⁠1⁠.

فالخليفي لا يمل من تكرار هذه المقولة، ويجعل معناها: الحكم على أعيان علماء الكلام بالكفر الأكبر، وينزل ذلك الحكم على أعيان الجهمية والمعتزلة والأشاعرة وغيرهم.

ويوهم الخليفي القراء بتكراره لهذا المعنى بأن لديه دليلًا قويًا على تكفير أعيان الأشاعرة وغيرهم يحرج به من يخالفه، وهو في الحقيقة لا جديد فيه، بل هو محرج له جدًا، ويزيد من ظهور شناعة انحرافه في فهم كلام أئمة السلف، ومخالفته لفهم المحققين من أهل السنة.

فإن منهجه الظاهري الصلف في فهم كلام أئمة السلف الذي أطلقوا فيه تكفير الجهمية أو غيرهم أدخله في لوازم شديدة الشناعة ما زال منذ سنوات طويلة يتهرب من التصريح بها، وهي لازمة له لا تنفك عن قوله أبدًا.

ومع ذلك فاعتماده على المنهج الظاهري الصلف في الحكم بالزندقة أشد شناعة في لوازمه؛ لأنه يستلزم تكفير كل من تبنى علم الكلام حتى ولو لم يكن من الجهمية ولا من الأشعرية، فدائرة التكفير الشنيع التي كان يتهرب منها منذ زمن اتسعت عليه بناء على هذا الاعتماد كما سيأتي بيانه.

واعتماد الخليفي في تكفيره لأعيان الأشاعرة وغيرهم على كلام السلف الذي فيه الحكم بالزندقة على المتكلمين كثير منتشر في مقالاته.

فإنه ذكر نقل ابن تيمية، حيث يقول ابن تيمية: "ولما ظهر هؤلاء، ظهر حينئذ من المنتسبين إلى إثبات الصفات من يقول: إن الله لم يتكلم بصوت، فأنكر أحمد ذلك، وجهّم من يقوله، وقال: هؤلاء الزنادقة إنما يدورون على التعطيل، وروى الآثار في أن الله يتكلم بصوت"⁠2⁠.

يقول الخليفي مستنتجًا: "فهنا الإمام أحمد وصف ابن كلاب ومن على مقالته بأنهم (زنادقة)، وهذا من ألفاظ التكفير، وابن كلاب مقالته في القرآن هي مقالة الأشعرية، وهل يوجد خلاف بين الناس في هذا؟ في الواقع لا أعرف خلافًا في ذلك".

ثم يقول: "ومما يؤكد صحة هذا الفهم أن ابن مندة الحنبلي وصف الأشعرية بالوصف نفسه، وكذلك صنع ابن البناء وابن عقيل وغيرهم، وحتى ابن تيمية معهم حين نزل كلام أحمد في الكلابية على الأشعرية"⁠3⁠.

ويقول في الاعتراض على أحد مخالفيه: "ألا يعلم أيضًا أن الشيخ حين قال إن المخالفين لطريقة أهل الحديث زنادقة منافقون بلا ريب كان يتحدث عن شمس الدين الأصفهاني وهو أشعري، ألا يعلم أن ابن تيمية في النبوات بعدما ذكر كلام عدد من كبار الأشعرية وتعقبه نقل قول الإمام أحمد (علماء الكلام زنادقة)، منزلًا لهذا الكلام عليهم"⁠4⁠.

فدعوى الخليفي تقوم على ثلاث مقدمات:

  • المقدمة الأولى: أن الإمام أحمد وغيره أطلقوا لفظ الزندقة على علماء الكلام.
  • المقدمة الثانية: أن مقصود الإمام أحمد وغيره بالزندقة الكفر الأكبر والنفاق الأكبر.
  • المقدمة الثالثة: أن مقصود الإمام أحمد وغيره من الأئمة بذلك الحكم تنزيله على الأعيان⁠5⁠.

ونتيجة هذه المقدمات: أن كل علماء الكلام محكوم عليهم بالكفر الأكبر والنفاق الأكبر.

وهذه الدعوى ينكشف بها الخلل الكبير في منهج الخليفي، وينجلي بها حجم الانحراف الخطير في تعامله مع كلام أئمة السلف.

والبحث هنا ليس في ثبوت الحكم بالزندقة على علماء الكلام عن أئمة السلف، فهذا الحكم قد ورد عن عدد منهم بلا شك.

وإنما البحث في تحديد مراد أئمة السلف من ذلك الكلام، وضبط الأصول المنهجية في فهم كلامهم من كلامهم أنفسهم، ومن طريقة تعاملهم مع أهل الكلام، ومن خلال فهم العلماء المحققين الذين جاؤوا بعدهم.

ولكن الخليفي قفز هذا كله، وأخذ يتعامل مع الروايات المنقولة عن أئمة السلف في زندقة علماء المتكلمين بظاهرية صلفة، هي أشد أنواع الظاهرية في التعامل مع التراكيب المنقولة، وأخذ يتّهم مخالفيه وكأنهم ينكرون ورود الحكم بالزندقة على المتكلمين عن أئمة السلف! وهذا من التشويه ومحاولة التأثير على العواطف.

وقبل أن أورد ما يدل على بطلان فهم الخليفي لكلام أئمة السلف وانحرافه في التعامل مع ما ورد عنهم لا بد أن نبين المراد بلفظ الزندقة.

ولفظ الزندقة لم ينضبط له مفهوم مستقر، وقد اختلفت تعاريفه كثيرًا عند العلماء⁠6⁠، وليس الغرض هنا استعراض كل تعريف قيل في الزندقة، فكثير من التعاريف التي قيلت فيها يجعلها متعلقة بوجود إلهين أحدهما إله الخير والآخر إله الشر، أو بإنكار الخالق والقول بالدهرية، أو بإنكار الأديان والشرائع جملة.

وكل هذه التعاريف لا تنطبق على كل علماء الكلام ولا أكثرهم قطعًا.

وإنما الذي يهمنا ذكره هنا تعريف الزندقة عند أئمة السلف، وحاصل معناها يرجع إلى النفاق، يقول الإمام مالك: "النفاق على عهد النبي صلى الله عليه وسلم هو الزندقة فينا اليوم"⁠7⁠، ويقول الإمام أحمد: "الزنادقة الذين ينتحلون الإسلام وهم على دين ذلك، فإن رجع وإلا قتل"⁠8⁠، وقال عبد الله بن المبارك عن المنافقين: "هم الزنادقة، لأن النفاق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم هي الزندقة من بعده"⁠9⁠.

ويقول ابن قدامة: "الزنديق هو الذي يظهر الإسلام ويستسر بالكفر، وهو المنافق، كان يسمى في عصر النبي صلى الله عليه وسلم منافقًا، ويسمى اليوم زنديقًا"⁠10⁠.

ويلخص ابن تيمية هذه المعاني فيقول: "لفظ الزندقة لا يوجد في كلام النبي صلى الله عليه وسلم كما لا يوجد في القرآن، وهو لفظ أعجمي معرب أخذ من كلام الفرس بعد ظهور الإسلام وعرب، وقد تكلم به السلف والأئمة في توبة الزنديق ونحو ذلك، فأما الزنديق الذي تكلم الفقهاء في قبول توبته في الظاهر فالمراد به عندهم المنافق الذي يظهر الإسلام ويبطن الكفر، وإن كان مع ذلك يصلي ويصوم ويحج ويقرأ القرآن، وسواء كان في باطنه يهوديًا أو نصرانيًا أو مشركًا أو وثنيًا، وسواء كان معطلًا للصانع وللنبوة، أو للنبوة فقط، أو لنبوة نبينا صلى الله عليه وسلم فقط، فهذا زنديق وهو منافق، وما في القرآن والسنة من ذكر المنافقين يتناول مثل هذا بإجماع المسلمين"⁠11⁠.

إذا تقرر أن معنى الزندقة عند أئمة السلف المتقدمين يطابق أو يقارب معنى النفاق، فما معنى مقالة: "علماء الكلام زنادقة"؟

عند التأمل في مجمل ما جاء عن أئمة السلف في حكم أهل الكلام، والموقف منهم، ندرك بوضوح أنهم لا يقصدون بهذه الكلمة تحقق الكفر، ولا التكفير لكل أعيان المتكلمين، فهذا المعنى بعيد عن مقصودهم ومرادهم، وإنما يقصدون في الجملة إما التكفير بالمآل، أو التكفير المطلق، أو تكفير بعض الأعيان ممن يرون أن الحجة قد قامت عليه وزالت عنه الشبهة، كما سيأتي بيانه.

وبناء عليه فإن حمل الخليفي كلام أئمة السلف في الحكم بالزندقة على المتكلمين على التكفير لأعيانهم خطأ وانحراف ظاهر، وذلك لأمور:

الأمر الأول: أنا لا نسلم بأن أئمة السلف يقصدون بقولهم ذلك تحقق الزندقة، وإنما يقصدون في كثير من أقوالهم بيان مآل علم الكلام والمتكلمين، فيكون معنى كلامهم: علماء الكلام يؤول حالهم إلى الوقوع في الزندقة والخروج من الإسلام فيما لو التزموا أصول علمهم ومقدماته.

فإطلاق الزندقة على الكلام والمتكلمين ليس حكمًا على كل علماء الكلام بالنفاق والخروج من الإسلام، وإنما هو بيان لمآل أمرهم، وما يمكن أن يصل إليه منهجهم الذي اتبعوه في فهم الدين.

ومن الآثار الدالة على ذلك قول أبي يوسف: "من طلب العلم بالكلام تزندق"⁠12⁠، أي: انتهى إلى الزندقة، ويروى عن ابن مهدي قال: "من طلب العربية فآخره مؤدب، ومن طلب الشعر فآخره شاعر يهجو أو يمدح بالباطل، ومن طلب الكلام فآخر أمره الزندقة، ومن طلب الحديث، فإن قام به كان إمامًا، وإن فرط ثم أناب يومًا يرجع إليه، وقد عتقت وجادت"⁠13⁠، ويقول الأوزاعي: "اجتنب علمًا إذا بلغت فيه المنتهى نسبوك إلى الزندقة، عليك بالاقتداء والتقليد"⁠14⁠.

وجاء عن أبي حنيفة في رواية طويلة عن تعلمه للعلم، وفيها: "قلت: فإن نظرت في الكلام، ما يكون آخر أمره؟ قالوا: لا يسلم من نظر في الكلام من مشنعات الكلام، فيرمى بالزندقة، فيقتل، أو يسلم مذمومًا"⁠15⁠.

ويقول عبد الرحمن بن مهدي: "من طلب الكلام فآخر أمره الزندقة"⁠16⁠، ويقول الشافعي: "آخر صاحب الكلام إلى الزندقة"⁠17⁠.

وهذا المعنى هو الذي فهمه عدد من العلماء، يقول ابن قدامة: "علم الكلام الذي ذكرنا عن الأئمة رحمة الله عليهم ذمه وإفضاءه بصاحبه إلى الزندقة والبدعة وعدم الفلاح"⁠18⁠.

يقول ابن تيمية مبينًا هذا المعنى: "لما كان مآل هؤلاء إلى السفسطة؛ التي هي جحود الحقائق وجحود الخالق، وكان لا بد لهم من النفاق، كان تنبيه من نبه من الأئمة، كمالك وأحمد وأبي يوسف وغيرهم، على أن كلام هؤلاء جهل، وأن مآله إلى الزندقة: كقول أحمد: علماء الكلام زنادقة، وقول أبي يوسف ويروى عن مالك: "من طلب العلم بالكلام تزندق، ومن طلب المال بالكيمياء أفلس، ومن طلب غريب الحديث كذب"، وقول الشافعي: "ما ارتدى أحد بالكلام فأفلح""⁠19⁠.

ويقول ابن تيمية: "إذا أنعم النظر تبين له أنه كلما ازداد تصديقًا لمثل هذا الكلام ازداد نفاقًا وردًا لما جاء به الرسول، وكلما ازداد معرفة بحقيقة هذا الكلام وفساده ازداد إيمانًا وعلمًا بحقيقة ما جاء به الرسول، ولهذا قال من قال من الأئمة: قلّ أحد نظر في الكلام إلا تزندق، وكان في قلبه غل على أهل الإسلام، بل قالوا: علماء الكلام زنادقة"⁠20⁠.

ويقول ابن تيمية: "لهذا تجد من تعوّد معارضة الشرع بالرأي لا يستقر في قلبه الإيمان، بل يكون كما قال الأئمة: إن علماء الكلام زنادقة، وقالوا: قلَّ أحدٌ نظر في الكلام إلا كان في قلبه غلٌّ على أهل الإسلام؛ ومرادهم بأهل الكلام: من تكلم في الله بما يخالف الكتاب والسنة"⁠21⁠.

وبيان المآل لا يؤخذ منه الحكم بالتكفير على الأعيان، بل تكفير الأعيان بناء على اللازم والمآل من أصول الغلاة في التكفير.

وفي بيان هذا المعنى يقول ابن حزم: "وأما من كفر الناس بما تؤول إليه أقوالهم فخطأ، لأنه كذب على الخصم وتقويل له ما لم يقل به، وإن لزمه فلم يحصل على غير التناقض فقط، والتناقض ليس كفرًا... فصح أنه لا يكفر أحد إلا بنفس قوله ونص معتقده، ولا ينتفع أحد بأن يعبر عن معتقده"⁠22⁠.

ويقول ابن تيمية في بيان هذا القول: "الصواب أن لازم مذهب الإنسان ليس بمذهب له إذا لم يلتزمه، فإنه إذا كان قد أنكره ونفاه كانت إضافته إليه كذبًا عليه... ولو كان لازم المذهب مذهبًا للزم تكفير كل من قال عن الاستواء أو غيره من الصفات إنه مجاز ليس بحقيقة، فإن لازم هذا القول يقتضي أن لا يكون شيء من أسمائه أو صفاته حقيقة"⁠23⁠.

ويتعوذ الذهبي من التكفير باللازم قائلًا: "نعوذ بالله من الهوى والمراء في الدين، وأن نكفر مسلمًا موحدًا بلازم قوله، وهو يفر من ذلك اللازم وينزه ويعظم الرب"⁠24⁠.

الأمر الثاني: على التسليم بأن حكم أئمة السلف بالزندقة على الكلام والمتكلمين يقصدون به تحقق الكفر الأكبر، فإنا لا نسلم أنهم يقصدون تنزيل هذا الحكم على كل أعيانهم، فإن إطلاق لفظ الزندقة مثل إطلاق لفظ الكفر.

فاستعمال لفظ الزندقة هنا مثل استعمال لفظ النفاق والكفر، فلو قيل: "علماء الكلام منافقون"، أو قيل: "علماء الكلام كفار"، فإنه لا يلزم أن يكون المقصود به الحكم على كل فرد منهم بعينه، وإنما هو من الألفاظ المطلقة التي جاء نظيرها في القرآن والسنة وكلام أئمة السلف.

ومن أمثلة استعمال لفظ الزندقة مطلقًا، مثل لفظ الكفر، قول ابن المبارك: "الجهمية كفار زنادقة"⁠25⁠، ومن ذلك ما ذكره الخلال قال: "أخبرني عبد الملك أنه ذاكر أبا عبد الله في أمر الجهمية وما يتكلمون به، فقال: في كلامهم كلام الزندقة، يدورون على التعطيل، ليس يثبتون شيئًا، وهكذا الزنادقة"⁠26⁠.

وقال عمر بن عثمان الواسطي ابن أخي علي بن عاصم قال: "سألت هشيمًا، وجريرًا، والمعتمر، ومرحومًا، وعمي علي بن عاصم، وأبا بكر بن عياش، وأبا معاوية، وسفيان، والمطلب بن زياد، ويزيد بن هارون عمن قال: القرآن مخلوق، فقالوا: زنادقة، قال أبو بكر: زنادقة يقتلون"⁠27⁠، ويقول يزيد بن هارون وقد ذكر الجهمية: "هم والله الذي لا إله إلا هو زنادقة، عليهم لعنة الله"⁠28⁠، فهكذا الآثار كلها من قبيل الحكم المطلق وليست من قبيل الحكم على كل الأعيان بالزندقة، كما هو معلوم.

ومما يدل على أن لفظ الزنادقة يطلق ولا يراد به الحكم على كل معين بالكفر والخروج من الإسلام ما جاء عن جعفر بن أحمد قال: "سمعت أحمد بن حنبل يقول: اللفظية والواقفة زنادقة عتق"⁠29⁠، فأطلق الإمام أحمد لفظ الزندقة على اللفظية والواقفة، وهو لا يحكم عليهم بالكفر بأعيانهم، وإنما يعذرهم بالجهل والتأويل، وقد أقر الخليفي بتفصيل الإمام أحمد!

وهذا الإقرار يدل على أن إطلاق لفظ الزندقة لا يستلزم الحكم بها على كل الأفراد، إذ لو كانت تستلزم ذلك عند الإمام أحمد وغيره لما فصل في أعيان اللفظية والواقفة.

ومما يدل على ذلك إطلاق لفظ الزندقة على القدرية المثبتون للعلم، فقد كان عبد الله بن جعفر وعمر بن عبيد الله يسيران في موكب لهما، فذكروا القدرية وكلامهم، فقال ابن جعفر: "هم الزنادقة"، فقال عمر بن عبيد الله: إنما يتكلمون في القدر، فقال ابن جعفر: هم والله الزنادقة"⁠30⁠، وقد أورده ابن بطة في الحديث عن القدرية الذين يقرون بالعلم، ولكنهم يدعون أن الله تعالى لا يؤثر في أفعال العباد كلها أو بعضها، وهؤلاء لا يكفر الإمام أحمد وعدد من أئمة السلف كل أعيانهم.

قال الخلال: "أخبرنا أبو بكر، قال: سألت أبا عبد الله عن القدري، فلم يكفره إذا أقر بالعلم"⁠31⁠، وقال الخلال: "أخبرنا أبو بكر المروذي قال: سألت أبا عبد الله عمن قال: إن لمن الأشياء أشياء لم يخلقها الله يكون مشركًا؟ قال: لم يخلقها الله! إذا جحد العلم يستتاب، فإن تاب وإلا قتل"⁠32⁠.

ومما يدل على ذلك أن الإمام أحمد لم يغلظ على أحد أشهر المشهورين بالزندقة حين حضر مجلسه، قال إسحاق بن إبراهيم - يعني المعروف بلؤلؤ -: "حضر مجلس أبي عبد الله كبش الزنادقة، فقلت له: أي عدو الله، أنت في مجلس أبي عبد الله ما تصنع؟ فسمعني أحمد، فقال: ما لك؟ فقلت: هذا عدو الله كبش الزنادقة قد حضر المجلس؛ فقال: من أمركم بهذا؟ عمن أخذتم هذا؟ دعوا الناس يأخذون العلم وينصرفون لعل الله ينفعهم به"⁠33⁠.

ومما يدل على ذلك: إطلاق لفظ الزندقة على أهل المجون والانحراف في التدين، ومن أطلق عليهم لفظ الزندقة من أهل المجون ليسوا على درجة واحدة، فبعضهم ثبت عنه ما يدل على أنه وقع في الكفر الأكبر، وبعضهم لم يثبت عنه ذلك⁠34⁠، وهذا يدل على أن إطلاق لفظ الزندقة لا يستلزم تكفير كل الأعيان.

فالحاصل من هذه الشواهد المتعددة أن لفظ الزندقة قد يطلق عند الإمام أحمد وعند غيره من أئمة السلف، ولا يراد به الحكم على كل الأعيان، وإنما قد يطلق ويراد به مطلق التحذير والتقبيح، ويطلق ويراد به الحكم المطلق وليس الحكم على كل الأعيان.

فإذا كان الأمر كذلك فإنه لا حجة جديدة في هذا الإطلاق، ولكن الخليفي يوهم القراء بأن لديه حجة ملزمة يحرج بها من خالفه، ولأجل هذا تراه يكررها كثيرًا محتفيًا بها.

فإن قيل: لا نسلم بأن ذلك الإطلاق لا يقتضي تكفير الأعيان، فإنا نقول بأن أئمة السلف حين أطلقوا لفظ التكفير على الجهمية يقصدون تكفير كل أعيان الجهمية، فكيف تستدلون علينا بما نحن مخالفون لكم فيه؟

قيل: دعواكم أن أئمة السلف يكفرون كل أعيان الجهمية أُبطلت بوجوه كثيرة، وقد جمعت كثيرًا من تلك الأوجه في بحث: "تحرير مذهب الإمام أحمد في تكفير أعيان الجهمية"⁠35⁠، ولم يستطع الخليفي ولا غيره من أتباعه أن يقدموا نقدًا مفصلًا لهذا البحث، وإنما غاية ما فعلوا أن نشروا تشغيبات على عدد من فقراته فقط.

فما زالت الحجة قائمة عليهم، ولا زالوا مطالبين بالرد العلمي المفصل على الحجج المذكورة في ذلك البحث، أو التصريح بالتراجع عما هم فيه من انحراف وجهل.

وإن قيل: لا بد أن تحددوا قوائم أعيان المتكلمين الذين ينطبق عليهم أنهم زنادقة بأعيانهم، وإلا أضحى الحكم بالزندقة على المتكلمين مجرد قول نظري لا ينطبق على أحد في الواقع؟

قيل: هذه هي خرافة "المطالبة بالقوائم في الإعذار"، وهي فكرة باطلة في نفسها، وتترتب عليها لوازم باطلة لم يستطع الخليفي ولا من معه الجواب عنها، وقد بينت ذلك عدد من الأبحاث، منها: "دعوى أن التكفير المطلق يستلزم تكفير كثير من الأعيان"⁠36⁠.

الأمر الثالث: إن أصر الخليفي ومن معه على الأخذ بظاهر بعض ما ورد عن أئمة السلف في الحكم بالزندقة على علماء الكلام فإنه تلزمهم لوازم شديدة الشناعة، وهي دالة على غلطه الكبير في فهم كلام أئمة السلف وانحرافه الشديد عن هديهم، ومن تلك اللوازم:

اللازم الأول: أن يحكم بالزندقة على كل من أخذ بعلم الكلام أو عُرف بتبنيه من غير تفريق بين من كان جهميًا أو لم يكن، ومن غير فرق بين من كان غاليًا ومن لم يكن؛ لأن مقالات أئمة السلف جاءت مطلقة من غير تفريق ولا تقييد، وهذا القول شنيع، ولا يكاد يعرف عن أحد من المتقدمين أنه قال: كل من تبنى علم الكلام فهو زنديق بعينه!! ولكن فهم الخليفي يقتضي نسبة هذا القول إلى جميع أئمة السلف!!

فيلزمه أن يحكم بالزندقة على متقدمي الأشعرية كلهم؛ ولا يصح أن يفرق بينهم وبين المتأخرين في الحكم بالزندقة؛ لأنهم جميعًا أخذوا بعلم الكلام، وهذا القول باطل لا يستطيع الخليفي أن يظهر تبنيه له.

ويلزمه أن يحكم على ابن كلاب وأصحابه بأعيانهم بالزندقة؛ لأنهم من أتباع علم الكلام، فهل يستطيع التصريح بذلك؟!

اللازم الثاني: أن يحكم بالزندقة على مثل البيهقي وابن عطية وابن الصلاح والواحدي صاحب التفسير وابن دقيق العيد والقرطبي والنووي وابن حجر وغيرهم من العلماء الذين تبنوا علم الكلام ولو بالجملة، ويصفهم الخليفي بأنهم أشاعرة.

فهل يستطيع الخليفي بالتصريح بذلك؟! لماذا لا يجرأ الخليفي أن يصرح بما هو مقتضى مذهب أئمة السلف؟! هل أئمة السلف يتبنون أقوالًا لها لوازم شنيعة يتهرب منها الخليفي وغيره؟!

اللازم الثالث: إن طريقة الخليفي المنحرفة في فهم كلام السلف فيها إساءة للسلف شديدة وتنفير عنهم، وذلك أنها تجعل السلف أهل تهور وبغي وظلم وتجاسر على إطلاق الأحكام المنافية للحقيقة والواقع.

فمن ذلك الذي يستطيع أن يحكم على كل من أخذ بعلم الكلام أو تبناه بأنه منافق زنديق منافق؟!! من ذا الذي يستطيع أن يحكم على مثل البيهقي وابن عطية وابن الصلاح وابن دقيق العيد والنووي وابن حجر وغيرهم بأنهم زنادقة منافقون؟!

إن هذا الحال باطل شديد البطلان، وهو قول منحرف ظاهر الانحراف، وهو موقف قبيح شنيع إلى درجة أن الخليفي نفسه يتهرب من التصريح به أو تبنيه، فكيف يحق للخليفي أن يتبنى منهجًا منحرفًا يستلزم نسبة تلك الأقوال الشنيعة إلى أئمة السلف؟! هل هناك منهج قبيح أشنع من هذا المنهج المنحرف الذي يتبناه الخليفي؟!

إن من أقبح المسالك وأشدها إضرارًا بمذهب أئمة السلف أن يتبنى أحد مسلكًا في فهمه يجعل قول أئمة السلف مستلزمًا لنتائج شديدة القبح، ثم يتهرب منها الذي سلك ذلك المسلك وابتدعه!! فهل مذهب أئمة السلف بلغ من القبح درجة تجعلنا نتهرب من لوازمه ونتائجه القبيحة؟!!

اللازم الرابع: أن يحكم على أعيان الكرامية بالزندقة؛ لأن كلام أئمة السلف مطلق في زندقة المتكلمين، والكرامية من الطوائف الكلامية، ونسبتهم إلى الكلام مستفيضة في أقوال ابن تيمية، كقوله: "هذا قول الكرامية وغيرهم من أهل الكلام"⁠37⁠، وقوله: "وعامة المتكلمة الصفاتية: من الكلابية والأشعرية والكرامية وغيرهم"⁠38⁠.

اللازم الخامس: يلزم على طريقة الخليفي المنحرفة في فهم كلام السلف أن يُحكم على كل من طعن في أهل الحديث بأي نوع من الطعن بأنه زنديق، لكون هذا الحكم جاء عن الإمام أحمد مطلقًا!! فعن أحمد بن الحسن قال: قلت: "يا أبا عبد الله ذكروا لابن أبي قتيلة بمكة أصحاب الحديث، فقال: أصحاب الحديث قوم سوء، فقام أبو عبد الله، وهو ينفض ثوبه، وقال: زنديق، زنديق، زنديق، ودخل البيت"⁠39⁠.

اللازم السادس: أن يحكم على ابن تيمية وغيره من العلماء بالضلال المبين، والانحراف الكبير، ووجه ذلك أن أئمة السلف كانوا مجمعين على الحكم على أعيان المتكلمين بأجمعهم بالزندقة، ثم يأتي ابن تيمية ويخالف هذا الإجماع الظاهر البين، لكونه لم يحكم على كل أعيان المتكلمين بالزندقة، ومن خالف إجماع أئمة السلف فهو ضال مبتدع، فيلزم على ذلك أن يكون ابن تيمية وغيره ممن لم يحكم على أعيان المتكلمين بالزندقة من كبار الضلال المنحرفين.

فقول الخليفي وفهمه المنحرف لكلام أئمة السلف يستلزم الحكم على كل علماء المسلمين إما بالكفر والضلال وإما بالانحراف والفساد، إلا نفرًا قليلًا منهم لا يكادون يتجاوزون العشرة.

وبيان ذلك أن حال علماء الإسلام دائر بين من يتبنى علم الكلام ويأخذ به، وبين من لا يحكم عليهم بالزندقة، أما المتكلمون فإن عددهم يبلغ الآلاف، وكثير منهم ممن يعتمد المسلمون على كتبهم ومصنفاتهم، وهؤلاء كلهم زنادقة بأعيانهم، وأما الذين لا يحكمون عليهم بالزندقة بأعيانهم، فهم كثير أيضًا، ويلزم الخليفي أن يحكم عليهم بالضلال والانحراف؛ لأنهم خالفوا إجماع أئمة السلف في الحكم على آلاف الناس.

فانتهى الحال في علماء المسلمين على قول الخليفي وفهمه لكلام أئمة السلف إما إلى الكفر والزندقة، وإما إلى الضلال والانحراف، إلا عددًا قليلًا جدًا.

إن قولًا تترتب عليه هذه النتيجة القبيحة لهو قول ظاهر البطلان، وإن عاقلًا يتبنى قولًا تترتب عليه هذه النتيجة الشنيعة لهو أولى بالتراجع عنه والتوبة منه، وإن شابًا حريصًا على دينه واستقامته يرى قولًا تترتب عليه هذه النتيجة الشنيعة لهو أولى بالهروب منه والإنكار عليه.

فإن قيل: إن كلام الأئمة لا ينطبق إلا على الغلاة من المتكلمين كالجهمية أو من وافقهم.

قيل: هذا تحكم في فهم كلام أئمة السلف وتصرف فيه، فإن كلامهم مطلق من غير تفريق ولا تقييد، فإن ادعيت أنك تأخذ به على ظاهره، فيلزمك أن تطرده فتحكم بالزندقة على كل من تلبس بعلم الكلام، وإن ادعيت فيه تفريقًا أو تقييدًا، فأنت لست آخذًا بإطلاق أئمة السلف، وغدوت كالمخالفين لك الذين تدعي بأنهم خالفوا إطلاقات أئمة السلف.

ثم يقال: ما الفرق بين الحكم بالزندقة والحكم بالكفر؟ فإذا ادعيت أن الحكم بالزندقة فيه تفصيل يفرق فيه بين الغلاة وغيرهم، فلماذا لا تستعمل هذا التفريق في الحكم بالتكفير؟! فإن استعملت التفريق فقد خرجت عن الاعتماد على ظاهر كلام السلف، وبدأت تُعمل القيود والاستثناءات.

وإن قيل: إن كلام الأئمة لا ينطبق إلا على العلماء من المتكلمين، ولا ينطبق على كل من تبنى علم الكلام؛ لأن الإمام أحمد قال: "علماء الكلام زنادقة" فعلق الحكم على العلم.

قيل: لا يدل كلام الإمام أحمد على تعليق الحكم على العلم نفسه، وإنما كلامه يدل على مطلق العلم والتبني لعلم الكلام، سواء كان من العلماء فيه أو لم يكن، فالعلة المؤثرة في الحكم هي علم الكلام نفسه وتبنيه، فكل من يتبنى علم الكلام ويأخذ به فهو داخل في كلام الأئمة المطلق⁠40⁠.

ثم يقال: إن كلام أئمة السلف الآخرين جاء مطلقًا ولم يعلق بالعالم، وإنما عُلق بعلم الكلام نفسه.

ثم إن مقتضى هذا القول إن الآخذين بعلم الكلام نوعان: علماء وجهال، والعالم لا يعذر والجاهل يعذر، وهذا غير الإعذار بالجهل والتأويل في مسائل الكفر والشرك، فإن أخذ الخليفي بهذا التقسيم فهو تناقض منه.

وإن قيل: نحن لا يضيرنا أن نتمسك بما كان عليه أئمة السلف، فيكفينا شرفًا أن نتمسك بما كان عليه أئمة السلف ولو كان في ذلك تكفير كل من عداهم.

قيل: هذه مغالطة لا تنطلي إلا على الضعفاء والأغبياء، فالبحث ليس في الأخذ بما عليه أئمة السلف، ولا في الإقرار بما ورد عنهم، وإنما البحث في تحديد مرادهم، وضبط مذهبهم، فالبحث كله منحصر في هذا الأمر.

إنّ مَثَل الخليفي وأصحابه في هذا المقام مثل أصحاب المذهب الظاهري في الفقه حين يقولون: لا يضيرنا أن نتمسك بما يدل عليه ظاهر اللفظ بالمعنى الذي فهمناه ولو كان في ذلك مخالفة كل الأمة، ثم يشنعون على الفقهاء لكونهم لم يأخذوا بالظاهر الذي فهموه من النصوص.

فإن العلماء والفقهاء سيقولون لهم: البحث معكم أيها الظاهرية ليس في الأخذ بالنصوص ولا في التسليم بما تدل عليه من الظاهر، ولكن البحث في مفهوم الظاهر الصحيح للنصوص الشرعية.

ثم إن هذا الأصل، وهو دعوى الخليفي ومن معه بأنهم يأخذون بظاهر ما ورد عن أئمة السلف، دعوى باطلة، لأنهم لم يحققوا الظاهر المراد من كلام أئمة السلف، وتلزم على دعواهم لوازم باطلة كشفها سيأتي في أبحاث لاحقة.

وكتبه: د. سلطان العميري

الهوامش

  1. 1مناقب الإمام أحمد، ابن الجوزي (209)، ومجموع الفتاوى (6/243).
  2. 2مجموع الفتاوى (12/368).
  3. 3مقال: تقريب نزاع الناس في مسألة تكفير الأشعرية، منشور في مدونته.
  4. 4مقال: عن الأشاعرة، منشور في مدونته.
  5. 5أما دعواه بأن ابن تيمية يحكم على أعيان الأشاعرة بالزندقة والكفر فسيأتي بيان بطلانها في بحث مفرد إن شاء الله.
  6. 6انظر: الزنادقة: عقائدهم وفرقهم وموقف أئمة المسلمين منهم، سعد العريفي (1/33، 46) وما بعدها.
  7. 7تفسير القرطبي (1/199).
  8. 8أحكام أهل الملل والردة من الجامع لمسائل الإمام أحمد بن حنبل، الخلال (460).
  9. 9الإبانة الكبرى، ابن بطة (2/703).
  10. 10المغني (7/172).
  11. 11بغية المرتاد (338).
  12. 12أخرجه الخطيب في شرف أصحاب الحديث (5)، وابن بطة في الإبانة الكبرى (2/538).
  13. 13سير أعلام النبلاء، الذهبي (9/199).
  14. 14رواه الهروي في ذم الكلام وأهله (995).
  15. 15سير أعلام النبلاء (6/397).
  16. 16مختصر الحجة (236).
  17. 17الحجة في بيان المحجة، الأصفهاني (1/225).
  18. 18تحريم النظر في علم الكلام (42).
  19. 19بيان تلبيس الجهمية (1/457).
  20. 20درء تعارض العقل والنقل (2/206).
  21. 21درء تعارض العقل والنقل (1/178).
  22. 22الفصل في الملل والأهواء والنحل (3/139).
  23. 23مجموع الفتاوى (20/217).
  24. 24الرد الوافر، ابن ناصر الدين (20).
  25. 25الإبانة الكبرى (6/101).
  26. 26السنة، الخلال (2/200).
  27. 27السنة، الخلال (2/255).
  28. 28الإبانة الكبرى (6/94).
  29. 29الإبانة الكبرى (5/296).
  30. 30الإبانة الكبرى (4/220).
  31. 31السنة، الخلال (3/523).
  32. 32السنة، الخلال (3/523).
  33. 33الآداب الشرعية، ابن مفلح (2/8).
  34. 34انظر: الزنادقة: عقائدهم وفرقهم وموقف أئمة المسلمين منهم، سعد العريفي (1/50).
  35. 35https://t.me/sutanalomairi/1783
  36. 36https://t.me/sutanalomairi/2030
  37. 37شرح الأصفهانية (217).
  38. 38اقتضاء الصراط المستقيم (2/324).
  39. 39طبقات الحنابلة (1/79).
  40. 40غني عن التنبيه أن يقال: إن البحث هنا عن تبنيه علم الكلام وليس عن دراسة علم الكلام، فعدد من العلماء درسوا علم الكلام وفحصوه، فهؤلاء لا يدخلون في كلام أئمة السلف، لأن كلامهم إنما هو فيمن يتبنى علم الكلام ويأخذ به.
كلّ المقالات منهج التوثيق والتصحيح
المزيد

مقالات أُخرى