تفكيك دعاوى الخليفي في التكفير والتضليل (3): دعوى أن التكفير المطلق يستلزم تكفير كثير من الأعيان

12 أغسطس 2026

من أصول الدعاوى التي يكررها الخليفي، أن التكفير المطلق يستلزم تكفير كثير من الأعيان، فإذا قال أئمة السلف: الجهمية كفار، فإن معنى ذلك أن كثيرًا من أعيان الجهمية كفار، ولا يصح أن يراد بقولهم ذلك أقل الجهمية، فإنه لو أريد به الأقل لكان عيًّا في الكلام ولكنة.

وكذلك إذا قال أئمة السلف: من قال بخلق القرآن فهو كافر، فإن معنى قولهم: أن كثيرًا من أعيان القائلين بخلق القرآن كفار، ولا يصح أن يراد به أقلهم.

يقول الخليفي: "أكثر من خمسمئة عالم كما ذكرهم اللالكائي، كل واحد منهم يقول: كافر، كافر، كافر، ثم تقول: هم لا يريدون تكفير أعيان، بل الأعيان الذين يكفرون أقل القليل، هذا يعود لكون الكلام لكنة وعيًّا"⁠1⁠.

ويذكر الخليفي أن الكثير من طلبة العلم إذا وجدوا عالمًا يفرق بين الإطلاق والتعيين، أو كان يشترط إقامة الحجة ظنوا أنه ينفي التكفير مطلقًا⁠2⁠، وذكر أن الواقع من كلام العلماء - ابن تيمية وغيره - أنهم يكفرون أكثر الطائفة التي قام فيهم ذلك المكفر، وإنما يعذرون أفرادًا قليلين منهم⁠3⁠.

وقد استدل الخليفي بكلام لابن تيمية يقول فيه: "مثل هذا العموم لا يجوز حمله على الصور النادرة؛ إذ الكلام يعود لكنة وعيًّا، كتأويل من يتأول قوله صلى الله عليه وسلم: "أيما امرأة نكحت من غير إذن وليها فنكاحها باطل" على المكاتبة"⁠4⁠، وعلق الخليفي على كلام ابن تيمية هذا بقوله: "هذا حجتنا بالضبط".

وما ذكره الخليفي مجرد دعوى أتى بها من عند نفسه لم يسبقه إليها أحد، ولم يذكر عليها شاهدًا صحيحًا من كلام العلماء، وإنما هو أنشأها من تلقاء نفسه، ثم أخذ يرتب عليها أحكام التكفير والتضليل.

ويدل على بطلان دعواه عدد من الأوجه:

الوجه الأول: أن الخليفي لم يفهم مسلك النصوص الشرعية، وأئمة السلف في استعمال الوعيد المطلق، فإنه إذا جاء في النصوص الشرعية استعمال التكفير المطلق، أو اللعن المطلق، أو عموم الوعيد المطلق، أو الوعد بالنار أو بالجنة، فالمراد به بيان أن ذلك الفعل سبب في تلك العقوبة، وبيان أنه موجب لها، سواء وجد الفاعل المعين أو لم يوجد.

ومعنى هذا الكلام أن النصوص المطلقة في الوعيد إنما المقصود منها بيان حكم الفعل، وليس بيان حكم الفاعل، فحكم الفاعل وتحديد من يقع عليه حكم ذلك الفعل ومن لا يقع، وعدد الأعيان الذين يقع عليهم ذلك الحكم والذين لا يقع عليهم يؤخذ من دلالات أخرى، وليس من ذلك الحكم المطلق.

وهذا المعنى تكرر كثيرًا في كلام ابن تيمية، بل يظهر من كلامه أنه أصل كلي قطعي في فهم نصوص الوعد والوعيد وفي التعامل معها.

يقول ابن تيمية: "أحاديث الوعيد إنما المقصود بها بيان أن ذلك الفعل سبب لتلك اللعنة، فيكون التقدير هذا الفعل سبب اللعن"⁠5⁠، ويقول: "حقيقة الوعيد بيان أن هذا الفعل سبب في هذا العذاب، فيستفاد من ذلك تحريم الفعل وقبحه، أما أن كل شخص قام به ذلك السبب يجب وقوع ذلك المسبب به فهذا باطل قطعًا؛ لتوقف ذلك المسبب على وجود الشرط وزوال جميع الموانع"⁠6⁠، ويقول أيضًا: "فائدة الوعيد بيان أن هذا الذنب سبب مقتض لهذا العذاب"⁠7⁠، ولهذا قال ابن تيمية بعد كلامه السابق: "السبب قد يقف تأثيره على وجود شرطه وانتفاء مانعه"⁠8⁠، وكلامه كثير في تقرير هذه القاعدة.

ولم يقتصر ابن تيمية في تقرير هذه القاعدة على نصوص الوحي، وإنما ذكر أنها قاعدة معتبرة في كلام أئمة السلف أيضًا، وفي بيان هذا يقول ابن تيمية لما حكى الاختلاف في تكفير المبتدعة من الجهمية وغيرهم، وأن بعض أتباع الأئمة اضطرب في ذلك: "وحقيقة الأمر أنهم أصابهم في ألفاظ العموم في كلام الأئمة ما أصاب الأولين في ألفاظ العموم في نصوص الشارع، كلما رأوهم قالوا: من قال كذا فهو كافر، اعتقد المستمع أن هذا اللفظ شامل لكل من قاله، ولم يتدبروا أن التكفير له شروط وموانع، قد تنتفي في حق المعين، وأن تكفير المطلق لا يستلزم تكفير المعين، إلا إذا وجدت الشروط وانتفت الموانع"⁠9⁠.

ويقول ابن تيمية في مناظرة الواسطية: "كنت أبين لهم أن ما نقل لهم عن السلف والأئمة من إطلاق القول بتكفير من يقول كذا وكذا، فهو أيضًا حق، لكن يجب التفريق بين الإطلاق والتعيين... فإن نصوص القرآن في الوعيد مطلقة كقوله: ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلمًا﴾ الآية، وكذلك سائر ما ورد: من فعل كذا فله كذا، فإن هذه مطلقة عامة، وهي بمنزلة قول من قال من السلف: من قال كذا فهو كذا، ثم الشخص المعين يلتغي حكم الوعيد فيه: بتوبة أو حسنات ماحية أو مصائب مكفرة أو شفاعة مقبولة"⁠10⁠.

ونتيجة هذا التأصيل أن الوعيد المطلق والتكفير المطلق واللعن المطلق لا يستلزم الحكم على المعين بالضرورة، وإنما هو بيان لحكم الفعل، وأما حكم الفاعل فله نظر آخر، ويؤخذ من نصوص أخرى.

وفي بيان هذه النتيجة يقول ابن تيمية: "التكفير المطلق مثل الوعيد المطلق، لا يستلزم تكفير الشخص المعين حتى تقوم عليه الحجة التي يكفر تاركها"⁠11⁠، وهذا بخلاف ما يدعيه الخليفي، فإنه يدعي أن التكفير المطلق يستلزم تكفير كثير من الأعيان، فإن لم يكن كذلك فهو لكنة وعيّ في الكلام!!

بل إن ابن تيمية يقرر بأن التكفير المطلق لا يستلزم بنفسه أن ينطبق على أي فرد، فضلًا عما ينسبه إليه الخليفي بأنه يجب أن ينطبق على الكثير، يقول ابن تيمية: "المقصود بيان أن هذا الفعل مقتض للعقوبة، سواء وجد من يفعله أو لم يوجد، فإذا فرض أنه لا فاعل إلا وقد انتفى فيه شرط العقوبة، أو قد قام به ما يمنعها، لم يقدح هذا في كونه محرمًا، بل نعلم أنه محرم؛ ليجتنبه من يتبين له التحريم"⁠12⁠.

فانظر كيف يؤسس ابن تيمية بنظره الثاقب القواعد، ويؤصل الأصول التي فيها حفاظ على مقاصد الشريعة وضبط موازينها في الحكم والتنزيل في الوقت نفسه، وانظر إلى دعاوى الخليفي وإطلاقاتها التي لا يقوم عليها دليل⁠13⁠.

الأمر الثاني: أن دعوى الخليفي بأن التكفير المطلق يستلزم تكفير كثير من الأعيان مخالف لما ينقله ابن تيمية عن أئمة السلف، فإنه ينقل عنهم أنهم لم يكفروا أكثر الجهمية، حيث يقول لما بين أن عمومات الوعيد لا يلزم أن تنطبق في كل معين، وأن تكفير المطلق لا يلزم منه تكفير المعين: "يبين هذا أن الإمام أحمد وعامة الأئمة الذين أطلقوا هذه العمومات لم يكفروا أكثر من تكلم بهذا الكلام بعينه"⁠14⁠.

فإن قيل: لا نسلم لابن تيمية بأن الإمام أحمد وغيره من الأئمة لم يكفر أكثر أعيان الجهمية، بل الظاهر من كلامهم أنهم كانوا يكفرون أكثرهم.

قيل: الجواب من ثلاثة أوجه:

الوجه الأول: أن الكلام مسوق هنا لإثبات أن كلام الخليفي يخالف عالمًا أجل منه، وأعرف بكلام الأئمة وأفهم له منه، فلا شك أن ابن تيمية أعلم بمراد الأئمة ومذاهبهم من الخليفي، فإن كان يرى الخليفي وغيره أن كلام ابن تيمية في هذا الموضع خطأ فليثبت بالأدلة أن أئمة السلف كانوا يكفرون أكثر أعيان الجهمية.

ولا يصح أن تذكر ألفاظهم المطلقة والعامة في تكفير الجهمية، فهي لا تدل على تكفير الأعيان فضلًا عن أكثرهم عند ابن تيمية وغيره من العلماء، وإنما يجب أن تذكر الأدلة التي تدل على أنهم نزلوا حكم التكفير على أكثر أعيان الجهمية.

الوجه الثاني: أن الخليفي في بعض كلامه ينسب تلك الدعوى - التكفير المطلق يستلزم تكفير كثير من الأعيان - إلى ابن تيمية، وكلام ابن تيمية المنقول يبطل تلك النسبة، ويبين خطأها.

الوجه الثالث: على التسليم بأن ما نسبه ابن تيمية إلى أئمة السلف خطأ، فإن هذا لا يصحح دعوى الخليفي في أن التكفير المطلق يستلزم تكفير كثير من الأعيان، لأنه لا دليل على أن أئمة السلف إنما كفروا أكثر أعيان الجهمية اعتمادًا منهم على تلك الدعوى التي ذكرها الخليفي، وإنما ثمة احتمال آخر، وهو أنهم إنما كفروهم لأنهم يرون أن الحجة قامت عليهم كما ذكر ذلك ابن تيمية، حيث يقول: "إذا رأيت إمامًا قد غلظ على قائل مقالته أو كفره فيها، فلا يعتبر هذا حكمًا عامًا في كل من قالها إلا إذا حصل فيه الشرط الذي يستحق به التغليظ عليه والتكفير له"⁠15⁠، ويقول ابن تيمية بعدما قرر أن الإمام أحمد لم يكفر أعيان الجهمية: "قد نقل عن أحمد ما يدل على أنه كفر به قومًا معينين، فأما أن يذكر عنه في المسألة روايتان ففيه نظر، أو يحمل الأمر على التفصيل، فيقال: من كفره بعينه؛ فلقيام الدليل على أنه وجدت فيه شروط التكفير وانتفت موانعه"⁠16⁠.

الأمر الثالث: أن لازم قول الخليفي أن هذا الحكم ليس مقتصرًا على التكفير فقط، وإنما هو شامل لكل ألفاظ الوعيد العامة في النصوص، فيلزمه أن يقول: كل لعن مطلق في النصوص يستلزم أن كثيرًا من الأعيان الذين فعلوا ذلك الفعل ينطبق عليهم اللعن، وكذلك يقول في الفسق والضلال.

وكذلك يقال في نصوص دخول النار وعدم دخول الجنة، ونصوص الغضب من الله وغيرها، فكل الألفاظ العامة يجب أن تكون منطبقة على كثير من الأعيان المندرجة فيه، وإلا كانت عيًّا ولكنة في الكلام، وهذا التعميم لا يملك الخليفي عليه دليلًا من نصوص الوحي ولا من لغة العرب ولا من كلام العلماء.

بل يلزمه أن يدعي هذه الدعوى في كل الوعيد المتعلق بالصغائر، فكل وعيد مطلق جاء في الذنوب التي هي من قبيل الصغائر فإنه يلزمه أن كثيرًا ممن فعل تلك الصغائر معاقب على الذنب، وإلا كان الكلام عيًّا ولكنة منافية للفصاحة.

فإن قيل: هناك فرق بين التكفير وغيره من الوعيد.

قيل: لا فرق، فالقاعدة واحدة، والمعنى متحد، فالإطلاق في التكفير لا يختلف من حيث اللغة والشرع عن الإطلاق في اللعن والتفسيق والتضليل وكل وعيد آخر؛ لأن هذا أسلوب عربي، فمقتضاه واحد.

الأمر الرابع مما يدل على بطلان دعوى الخليفي: أنه حين ذهب بعض المرجئة إلى أن الوعيد قد يتخلف عن جنس أصحاب الكبائر فلا يدخل أحد منهم النار، أنكر عليهم أئمة السلف، وذكروا أنه لا بد أن ينفذ الوعيد في بعض منهم حتى يكون خبر الله تعالى صادقًا، ولكن أهل السنة لم يشترطوا أن يكون كثير من أهل الكبائر داخلين في النار، وإنما اقتصروا على البعض، فلو كان الوعيد المطلق لا يكون صحيحًا إلا إذا انطبق على كثير من الأعيان لقالوا في ردهم على المرجئة: أكثر أهل الكبائر سيدخلون النار، ولكنهم لم يذكروا ذلك ولم يشترطوه.

الأمر الخامس مما يدل على بطلان دعوى الخليفي: أن تحديد الكثير تحكم لا دليل عليه، فلماذا لا يكون التكفير المطلق دالًا على تكفير كل الأعيان أو نصفهم أو أقل من النصف؟ ما الدليل من اللغة أو من نصوص الوحي أو من كلام العلماء على تحديد الأكثر؟!

هذا السؤال تجاوزه الخليفي ولم يقدم عنه دليلًا، مع أن دعواه لا يمكن أن يسلم بها إلا بعد إقامة الدليل الدال على أن التكفير المطلق يستلزم تكفير كثير من الأعيان، ولكنه أعرض عنه ولم يلتفت إليه!!

وقد ناقش الأصوليون مسألة قريبة من هذه المسألة، وهي القدر الذي لا بد من بقائه بعد تخصيص العام. وقد اختلفوا فيها:

  • فقيل: إن كان لفظ العام جمعًا كالمسلمين جاز التخصيص حتى لا يبقى إلا أقل الجمع، وهو ثلاثة على الأصح، وإن لم يكن جمعًا، نحو (من) ونحوها، جاز حتى لا يبقى بعد الإخراج إلا واحد فقط.
  • وقيل: يجوز في جميع صيغ العموم إلى أن يبقى واحد.
  • وقيل: يجوز في كل صيغ الجمع إلى أن يبقى أقل الجمع.
  • وقيل: لا بد من بقاء جمع غير محصور.
  • وقيل: لا بد من بقاء جمع يقرب من مدلول العام قبل التخصيص⁠17⁠.

فأنت ترى أن جمهور الأصوليين لم يشترطوا بقاء الكثير، إلا أصحاب القول الأخير، وهو قول لبعض الأصوليين.

فلو سلمنا بأن نصوص الوعيد من ألفاظ العموم التي دخلها التخصيص، فإن البناء الأصولي يخالف ما يدعيه الخليفي.

فدعوى الخليفي تلك ليست متفقة مع كلام أئمة السلف، ولا مع كلام الأصوليين، وإنما هي دعوى أتى بها من تلقاء نفسه، ثم بنى عليها آراءه.

اعتراض وجوابه

فإن قيل: ما فائدة إطلاق تلك النصوص في الوعيد إذا لم يكن المراد أن كثيرًا من أعيان الفاعلين لها معاقب عليها؟

قيل: ذكر ابن تيمية مثل هذا الاعتراض، وأجاب عنه بوجوه، حاصلها:

الأول: أن المقصود من الوعيد بيان أن هذا الفعل مقتض للعقوبة، سواء وجد من يفعله أو لم يوجد، فإذا فرض أنه لا فاعل إلا وقد انتفى فيه شرط العقوبة، أو قد قام به ما يمنعها، لم يقدح هذا في كونه محرمًا، بل نعلم أنه محرم، ليجتنبه من يتبين له التحريم.

فإن تبين أنها حرام - وإن كان قد يعذر من يفعلها مجتهدًا أو مقلدًا - فإن ذلك لا يمنعنا أن نعتقد تحريمها.

الثاني: أن بيان الحكم سبب لزوال الشبهة المانعة من لحوق العقاب؛ فإن العذر الحاصل بالاعتقاد ليس المقصود بقاءه، بل المطلوب زواله بحسب الإمكان، ولولا هذا لما وجب بيان العلم، ولكان ترك الناس على جهلهم خيرًا لهم، ولكان ترك أدلة المسائل المشتبهة خيرًا من بيانها.

الثالث: أن بيان الحكم والوعيد سبب لثبات المجتنب على اجتنابه، ولولا ذلك لانتشر العمل بها.

الرابع: أنه قد يكون في الناس من يفعله غير مجتهد اجتهادًا يبيحه، ولا مقلد تقليدًا يبيحه، فهذا الضرب قد قام فيه سبب الوعيد من غير هذا المانع الخاص، فيتعرض للوعيد ويلحقه؛ إلا أن يقوم فيه مانع آخر: من توبة أو حسنات ماحية أو غير ذلك⁠18⁠.

فهذه الأوجه تبين أن بيان الوعيد المطلق له فوائد متعددة، ولا يلزم من ذلك أن يكون منطبقًا على كثير من أعيان من وقع في تلك الأفعال كما يدعي الخليفي.

الجواب على استدلال الخليفي بكلام ابن تيمية

أما النص الذي نقله الخليفي من كلام ابن تيمية، وهو قوله: "مثل هذا العموم لا يجوز حمله على الصور النادرة؛ إذ الكلام يعود لكنة وعيًّا، كتأويل من يتأول قوله صلى الله عليه وسلم: "أيما امرأة نكحت من غير إذن وليها فنكاحها باطل" على المكاتبة"⁠19⁠.

فقد اقتطعه الخليفي من سياقه، فابن تيمية لم يكن يتحدث عن حكم الأعيان، وإنما كان يتحدث عن حكم الأفعال نفسها، وتحديد دلالة النصوص الشرعية العامة عليها، فإنه ذكر اعتراضًا على الاستدلال بالنصوص العامة قال فيه: "فإن قيل: فهلا قلتم: إن أحاديث الوعيد لا تتناول محل الخلاف؛ وإنما تتناول محل الوفاق، وكل فعل لعن فاعله، أو توعد بغضب أو عقاب، حمل على فعل اتفق على تحريمه، لئلا يدخل بعض المجتهدين في الوعيد إذا فعل ما اعتقد تحليله، بل المعتقد أبلغ من الفاعل؛ إذ هو الآمر له بالفعل، فيكون قد ألحق به وعيد اللعن أو الغضب بطريق الاستلزام؟"⁠20⁠.

ثم أجاب عن هذا الاعتراض بعشرة أوجه، وهي كلها تتحدث عن حكم الفعل نفسه، وليس عن حكم الفاعل، وفي الوجه السادس ذكر أن بعض الناس ذكر نكاح المحلل والبحث فيه، وذكر فيه الكلام الذي نقله الخليفي، وهو يتعلق بعموم اللعن في نكاح المحلل، وأنه يجب أن يحكم على الصور الظاهرة وليس على الصور النادرة، فهو يتحدث عن حكم الفعل وليس عن حكم الفاعل.

فبحث ابن تيمية متعلق بمقصود الشارع، وأنه لا يصح أن تحمل كلام الشارع على صورة نادرة، ومحل البحث هنا عن حكم عرفنا مقصود الشارع فيه، لكن هل يجب أن يعاقب كل من وقع فيه أم أكثر من وقع فيه؟ فالبحث مختلف جذريًا.

د. سلطان العميري

الهوامش

  1. 1صوتية: ابن تيمية يرد عليهم ويزعمون أنه يرد علينا.
  2. 2هذا القول نسبه الخليفي إلى كثير من طلبة العلم، وفي هذه النسبة نظر، والمقصود نقل كلامه الذي يثبت تبنيه لدعوى أن التكفير المطلق يستلزم الحكم على كثير من الأعيان بالكفر.
  3. 3انظر: رسالة منشورة في قناته.
  4. 4رفع الملام عن الأئمة الأعلام (96).
  5. 5مجموع الفتاوى (21/272).
  6. 6مجموع الفتاوى (21/255).
  7. 7المرجع السابق (12/424).
  8. 8المرجع السابق.
  9. 9مجموع الفتاوى (12/427).
  10. 10مجموع الفتاوى (3/231).
  11. 11الاستقامة (1/194)، وانظر: منهاج السنة (5/241).
  12. 12مجموع الفتاوى (21/226).
  13. 13يذكر ابن تيمية وغيره أن الوعيد المطلق لا بد أن ينطبق على عدد من الأعيان، كما سيأتي بيانه؛ ولكن منطلقهم في هذا الإيجاب تحقق صدق خبر الله تعالى، وليس الدعوى التي ينطلق منها الخليفي.
  14. 14مجموع الفتاوى (12/422).
  15. 15مجموع الفتاوى (9/91).
  16. 16مجموع الفتاوى (12/426).
  17. 17انظر: تشنيف المسامع، الزركشي (1/312).
  18. 18انظر: مجموع الفتاوى (21/226).
  19. 19رفع الملام عن الأئمة الأعلام (96).
  20. 20رفع الملام عن الأئمة الأعلام (91).
كلّ المقالات منهج التوثيق والتصحيح
المزيد

مقالات أُخرى