تعذرون النووي ولا تعذرون من بدّعه؟ تفكيك شبهة حدادية لقنها محمد شمس الدين لأتباعه!

24 يوليو 2026

السؤال: السلام على من اتبع الهدى. أنتم تزعمون أنكم أهل السنة والغيرة على عقيدة السلف، ثم تفعلون أمرًا عجيبًا: الإمام النووي أخطأ في صفات الله، وحرف بعض نصوصها بالتأويل، وهذا خطأ يتعلق بالله سبحانه وبأعظم أبواب الدين، ومع ذلك قلتم: إمام مجتهد، له فضله، ونرجو أن يكون معذورًا، وترحمتم عليه، وحذرتم من إسقاطه وتبديعه. ثم جاء رجل يغار على صفات الله، فأنكر على النووي وبدّعه بسبب تأويلاته، فقمتم على هذا الرجل، وشنعتم عليه، وحذرتم منه، ولم تلتمسوا له العذر! فكيف تعذرون من أخطأ في حق الله، ولا تعذرون من أخطأ في حق مخلوق؟ وكيف تتسامحون مع من حرف صفات الله، ثم تغضبون ممن أخطأ في حق النووي؟ وأيهما أعظم عندكم: الله أم الإمام النووي؟ أليس هذا تمييعًا صريحًا، وازدواجية في المعايير، وتعظيمًا للأشخاص على حساب حق الله؟ أجب إن استطعت ولا تتهرب؛ فأنت نشرت في قناتك أكثر من مرة أنك تستقبل الأسئلة حول الإسلام في هذا البوت.

الجواب: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

أولًا: افتتاحك بهذه العبارة (السلام على من اتبع الهدى) لمسلم معروف بالإسلام يوحي بأنك تلمح إلى إخراجه من دائرة الإسلام، والله أعلم بما في نفسك. ثم إنك لم تكتف بعرض السؤال، بل أتبعت ذلك باتهام مسبق بالهروب قبل أن تسمع جوابًا أو تقرأ حجة.

وهذا الأسلوب، في الحقيقة، يلخص جانبًا كبيرًا من الأزمة التي نناقشها: حكم قبل السماع، وإدانة قبل المحاكمة، واتهام قبل قيام الدليل، ثم مطالبة الطرف الآخر بأن يثبت براءته أمام محكمة نصبها خصمه، وكتب حكمها قبل أن تبدأ الجلسة!

ومع ذلك لن أقف طويلًا عند طريقة الافتتاح؛ لأن أصل الشبهة أهم، وسأجيبك عنها جوابًا مفصلًا لا يترك، بإذن الله، موضعًا صالحًا لتكرارها بعد اليوم.

ثانيًا: قبل أن أجيب عن أصل السؤال، لا بد أن أتوقف عند عبارة مررتَ بها وكأنها حقيقة مسلَّمة، وهي قولك إن الإمام النووي «حرَّف نصوص الصفات». فنحن لا نسلِّم لك بهذا الإطلاق، ولا نقبل أن تُدسَّ هذه التهمة الثقيلة في مقدمة السؤال، ثم يُطلب منا أن نبني جوابنا عليها وكأن النزاع قد حُسم قبل أن يبدأ.

نعم، وقع الإمام النووي رحمه الله في تأويلات خاطئة لعدد من نصوص الصفات، وخالف فيها طريقة السلف، ونحن لا نصححها ولا ندافع عنها ولا نتابعه عليها. لكن وصفه بأنه «حرَّف صفات الله» بإطلاق وصف مجمل وملغوم، يخلط عمدًا بين عالم متأول أراد تنزيه الله فأخطأ الطريق، وبين من يتعمد ليَّ النصوص وتبديل معانيها وهو يعلم الحق ويقصد رده. والتسوية بين الصورتين ليست تحقيقًا علميًا، بل ظلم بيّن وتلبيس على العامة.

الإمام النووي لم يكن رجلًا يحارب نصوص الوحي، ولا داعية إلى هدم صفات الله، ولا شخصًا علم طريقة السلف ثم تعمد نقضها ومحاربتها؛ وإنما نشأ في بيئة علمية غلب عليها التأويل، وتلقى هذا المسلك عن شيوخه، وظن أن ما يفعله من صرف بعض النصوص عن ظاهرها هو من باب تنزيه الله سبحانه، فأخطأ وخالف الصواب. ولذلك رد العلماء تأويله، ولم يجعلوا خطأه مساويًا لتحريف الزنادقة والجهمية المعاندين، ولم يمحوا به إمامته ولا فضله ولا خدمته للسنة.

وحتى نضبط الكلام من البداية: فنحن نثبت أن النووي أخطأ في تأويل بعض الصفات، ولا نسلِّم بأنه «محرِّف» بالإطلاق الذي يراد به إسقاطه وتصويره عدوًا لعقيدة الإسلام. والفرق بين العبارتين ليس تلاعبًا بالألفاظ، بل هو الفرق بين الحكم العلمي العادل، وبين تهمة ضخمة صيغت لتوجيه القارئ نفسيًا قبل أن يسمع الأدلة.

وحين تفتتح سؤالك بهذه التهمة، ثم تبني عليها قولك: «تعذرون من حرَّف صفات الله»، فأنت لم تعرض المسألة كما هي، بل أدخلت النتيجة التي تريد الوصول إليها داخل صياغة السؤال نفسها. ولهذا نصحح المقدمة أولًا قبل أن نجيب عن النتائج: الإمام النووي أخطأ في التأويل، ونحن نرد خطأه بلا مجاملة، لكننا لا نقبل تحويل الخطأ الاجتهادي إلى جريمة تعمد، ولا التأويل المردود إلى مشروع تحريف للدين، ولا زلة العالم إلى حكم بإهدار تاريخه كله.

وبعد إسقاط هذا التلبيس من مقدمة السؤال، نأتي إلى أصل الشبهة: هل إعذار الإمام النووي في خطئه يعني تصحيح تأويله أو التهاون في صفات الله؟ وهل يلزم من التماس العذر له السكوت عمن بدّعه وأسقط إمامته وامتحن الناس بموقفهم منه؟ هنا يبدأ موضع النزاع الحقيقي، وهنا يظهر أن الشبهة كلها قامت على خلط بين الحكم على القول والحكم على قائله، وبين رد الخطأ وهدم صاحبه.

وهذه الحيلة ليست خاصة بالحدادية، بل هي من أقدم أساليب أهل الضلال: يرفعون حق الله شعارًا، ثم يتخذونه ستارًا لمخالفة حكم الله نفسه. فالخوارج صاحوا في وجه علي رضي الله عنه: «لا حكم إلا لله»، وكأنهم وحدهم الغيورون على حكم الله، فقال كلمته الكاشفة: «كلمة حق أريد بها باطل». زعموا رفض حكم البشر، ثم قدموا فهمهم البشري الفاسد على حكم الله ورسوله، وكفروا الصحابة، واستحلوا دماء المسلمين باسم الغيرة على الشريعة. وهكذا يفعل كل غالٍ: يحتكر حق الله لنفسه، ثم يجعل فهمه هو الدين، ومن خالفه متهاونًا في حق الله. فالحدادية لم تخترع هذه التجارة، وإنما ورثت شعارها القديم: رفع النصوص في الوجوه، ثم مخالفة عدل النصوص وأحكامها.

وبالمناسبة هذه الشبهة ليست جديدة، بل يكررها محمد شمس الدين والخليفي، وسمعت معناها كذلك من آدم صقور، وهو من أذرع التيار الحدادي الخفية، شأنه في ذلك شأن صديقه عبد الرحمن ذاكر. وقد صارت تقدم لبعض الشباب وكأنها «القنبلة» التي ستنسف خصوم الحدادية، والحجة التي لا يستطيع أحد الوقوف أمامها: كيف تعذرون النووي ولا تعذرون من بدعه؟ كيف تتسامحون في حق الله، ثم تغضبون لحق مخلوق؟ أيهما أعظم عندكم: الله أم النووي؟

والحقيقة التي ينبغي أن تقال بلا مجاملة: هذه ليست حجة قوية، ولا قاصمة، ولا حتى شبهة محكمة البناء. إنها حجة سخيفة التركيب، ضخّمها أصحابها لأنهم لم يفهموا أصل المسألة التي يتكلمون فيها، فخلطوا بين الحكم على القول والحكم على قائله، وبين بطلان المقالة وتنزيل أحكامها على شخص معين، وبين رد الخطأ وإسقاط صاحبه، وبين التماس العذر الأخروي والسكوت عن المنكر الدنيوي.

ثم ضغطوا هذا الخلط كله في سؤال عاطفي صاخب: «أيهما أعظم عندكم: الله أم النووي؟».

والجواب واضح لا يحتاج إلى مراوغة: الله سبحانه أعظم وأجل وأكرم من النووي ومن كل مخلوق، بل لا تصح أصلًا مقارنة الخالق سبحانه بواحد من خلقه.

لكن السؤال الحقيقي ليس: أيهما أعظم؟ السؤال الحقيقي هو: هل أمرك الله أن تنصره بظلم عباده؟ وهل جعل تعظيم صفاته طريقًا لهدم أئمة دينه؟ وهل شرع لك أن تكذب على أحكامه، وتخترع قاعدة لم ينزل بها سلطانًا، ثم تسلطها على أعراض العلماء باسم الغيرة عليه؟

نحن نرد خطأ النووي تعظيمًا لله، ونحفظ حق النووي طاعة لله. أما أنتم فتريدون منا أن نظلم النووي حتى نثبت لكم أننا نحب الله! وحاشا لله أن ينصر بالظلم، أو تعظم صفاته بالجهل، أو يحفظ دينه بهدم حملة شريعته.

ومع ما في هذه الشبهة من سذاجة ظاهرة، فسأفصل في جوابها؛ لا لأنها عميقة أو تستحق في ذاتها كل هذا الجهد، ولكن لأن القوم يكررونها، وينفخون فيها، ويقدمونها لمن لا يعرف تفاصيل المسألة وكأنها حجة قاصمة لا جواب عنها.

ولهذا لن أكتفي برد سريع يقرؤونه اليوم، ثم يعودون غدًا إلى السؤال نفسه وكأن شيئًا لم يكتب. بل سأفكك هذه الشبهة من أصلها، وأعرضها على القرآن والسنة، وعلى عمل الصحابة، وعلى موقف الإمام أحمد، وعلى قواعد ابن تيمية، وعلى كلام الذهبي، وعلى فتاوى كبار العلماء الذين يزعم الحدادية الانتساب إليهم.

فمن أراد الحق، فليقرأ الجواب كاملًا. أما من يقتطع سطرًا، ويترك بقية الأدلة، ثم يعود لترديد السؤال نفسه، فليس باحثًا عن الحق، بل عاجز عن مواجهة الجواب، مصر على اجترار كلام ظهر بطلانه.

أولًا: نحن نرد تأويلات النووي ولا ندافع عنها

قبل الدخول في تفكيك الشبهة، لا بد من إغلاق الباب على أول تلبيس فيها.

نحن لا نقول إن تأويلات الإمام النووي رحمه الله في صفات الله صحيحة. ولا نقول إن كلامه يتحول إلى حق لمجرد أن قائله هو الإمام النووي. ولا نجامل فيها أحدًا مهما بلغت منزلته.

بل نقول بكل وضوح: ما وقع فيه الإمام النووي من تأويل لبعض نصوص الصفات خطأ مخالف لطريقة السلف، يرد ولا يتابع عليه، وقد نبه العلماء الثقات على مواضع خطئه وبينوا الصواب فيها.

لكنهم فعلوا ذلك بقدر الحاجة، وبميزان العلم والعدل، ولم يحولوا زلاته إلى مشروع تجاري، ولا إلى سلسلة يومية للطعن فيه، ولا إلى مادة لإشعال الحروب بين الشباب، ولا إلى فرصة لصناعة البطولة الوهمية على حساب عرض إمام ميت لا يستطيع أن يدافع عن نفسه.

في الحياة الطبيعية، إذا وقع أحد الأشخاص في خطأ، يبين الخطأ، ويشرح الصواب، وينصح الناس، ثم ينتقلون إلى ما ينفعهم.

والعجيب أن الإمام النووي نفسه قدم نموذجًا راقيًا في كيفية التعامل مع أخطاء العلماء. فقد عقد في كتابه «الأذكار» بابًا لبيان ألفاظ حكم بعض العلماء بكراهتها، ورأى هو أن هذا الحكم باطل لا دليل عليه، ومع ذلك امتنع عن تسمية أصحاب تلك الأقوال، وقال: «لئلا تسقط جلالتهم ويُساء الظن بهم، وليس الغرض القدح فيهم، وإنما المطلوب التحذير من أقوال باطلة نُقلت عنهم»، ثم أكد أن ثبوت الخطأ عنهم «لم يقدح في جلالتهم».

فتأمل هذا الميزان: يصف القول بأنه باطل، ويحذر الناس من الاغترار به، ولا يجامل صاحبه في الحكم العلمي، لكنه لا يحول الرد إلى حملة لإسقاط العالم، ولا يذكر اسمه للتشهير به، ولا يمحو جلالته بسبب خطأ وقع فيه.

هذا هو أدب العلماء الذي نطالب به: بيان الخطأ بلا تمييع، وحفظ حرمة المخطئ بلا ظلم. وليت الحدادية تعلموا من الإمام الذي يبدعونه كيف يكون الإنصاف مع العلماء، وكيف يرد القول الباطل من غير أن يتحول الرد إلى مشروع للتشهير بصاحبه وهدم منزلته.

أما في السوق الحدادية، فالخطأ يتحول إلى منجم لا ينضب: مقطع بعد مقطع. وعنوان بعد عنوان. وتشنيع بعد تشنيع. وسب وتحقير واتهام. وامتحان للناس: النووي لا يعرف ربه! هل تبدعه؟ لماذا تترحم عليه؟ لماذا تدافع عنه ولا تدافع عن صفات ربك؟ السيوطي لن يغفر الله له؟ من يدافع عن ابن حجر يحشر معه في جهنم!!

وكأن الغرض لم يعد بيان الحق في صفة من الصفات، بل اغتيال الإمام نفسه، ومحو تاريخه، وإعادة تقديمه إلى الأجيال في صورة رجل لا خير فيه، ولا علم، ولا فضل، ولا خدمة للسنة!

وهنا الفرق الذي يحاولون دفنه: الإعذار شيء، وتصحيح المقالة شيء آخر تمامًا. الإعذار حكم يتعلق بحال القائل ومآله عند الله بعد تقرير بطلان قوله، وليس تخفيفًا لبطلان القول نفسه.

نحن نهدم المقالة الباطلة، لكننا لا نهدم الدار على رأس صاحبها المجتهد. نرد التأويل، لكننا لا ننسف تاريخ إمام خدم السنة والفقه، ولا نمحو حسناته، ولا نحوله بسبب زلات محدودة إلى داعية ضلالة، ثم نمتحن الناس على تبديعه.

والفرق بين الأمرين كالفرق بين إزالة جدار مائل من دار رجل صالح، وبين إحراق الدار كلها على صاحبها.

فإذا فهمت هذا، سقط نصف الشبهة من أول الطريق.

وإذا زعمت أن مجرد رفض تبديع النووي وغيره من العلماء تهاون في صفات الله، فإن اتهامك لن يقف عندنا، بل سيطول كبار علماء السنة الذين مدحوه منذ عصره إلى يومنا هذا، وسيطول كل العلماء الذين تصدوا للموجة الحدادية الأولى في زمن محمود الحداد، ورفضوا استطالته على العلماء وتجاوزه في أعراضهم، وشدتهم في ذلك معروفة ومسجلة في صوتياتهم وكتبهم، حتى انتهى الأمر بإبعاده عن السعودية.

وكان في مقدمة من وقفوا في وجه هذا المنهج: الشيخ عبد العزيز بن باز. والشيخ محمد بن صالح ابن عثيمين. والشيخ عبد الله بن غديان. والشيخ بكر أبو زيد. وجماعة من كبار أهل العلم.

فهل سيجرؤ محمد شمس الدين ومن يكرر شبهته على القول إن هؤلاء الأئمة كانوا يقدمون حرمة الإمام النووي على حق الله وصفاته؟ هل كان ابن باز مميعًا؟ هل كان ابن عثيمين متهاونًا في التوحيد؟ هل كان ابن غديان وبكر أبو زيد يقدمان الأشخاص على العقيدة؟ أم أن هذه التهمة لا تطلق إلا على من يخالف الحدادية اليوم، بينما يعفى منها الأئمة الذين لا يستطيعون إسقاطهم أمام جمهورهم؟

أصل المسألة: الحكم على القول ليس هو الحكم على القائل

من أصول أهل السنة أن القول قد يكون كفرًا أو بدعة أو ضلالًا في نفسه، ولا يلزم من ذلك أن يكون كل شخص قاله كافرًا أو مبتدعًا بعينه.

فالحكم على المعين لا يكون بمجرد التقاط عبارة من كلامه، ثم إطلاق الحكم النهائي عليه. بل ينظر في: علمه. وأهليته. وقصده. واجتهاده. وتأويله. والشبهة التي قامت عنده. وبلوغ الحجة إليه. وفهمه للحجة. وانتفاء الموانع عنه. وحاله بعد البيان: هل رجع وانقاد؟ أم أصر وعاند وامتحن الخلق؟

وهذا ليس تمييعًا اخترعه المعاصرون، بل أصل من أصول أهل السنة، سار عليه الصحابة، وقرره الأئمة، وطبقوه في أشد مسائل الاعتقاد وأخطرها.

لكن أصحاب الشبهة يخفون هذا كله، ثم يبنون اعتراضهم على قاعدة مضمرة لو صرحوا بها أمام طالب علم يفهم أصول الأحكام لانكشف فسادها فورًا.

وخلاصة قاعدتهم: إن العذر وعدمه يدوران مع منزلة من وقع الخطأ في حقه. فإن كان الخطأ متعلقًا بالله فلا عذر. وإن كان متعلقًا بمخلوق فهو أهون وأولى بالعذر.

ولهذا يقولون: كيف تعذرون في الأمر الأعظم، ولا تعذرون في الأمر الأدنى؟

لكن من أين جئتم بهذه القاعدة؟ في أي آية قرأتموها؟ وفي أي حديث وجدتموها؟ وأي صحابي قال إن المخطئ لا يعذر إذا تعلق خطؤه بحق الله، لكنه يكون أولى بالعذر إذا وقع خطؤه في حق مخلوق؟ وأي إمام متبوع قرر هذا الميزان؟

الشريعة حين رتبت أحكام المخطئين لم تكتف بالنظر إلى متعلق الخطأ، ثم تبني عليه العذر والمؤاخذة، وإنما نظرت إلى حال المخطئ نفسه: هل هو عالم مؤهل اجتهد وبذل وسعه، أم متكلف اقتحم أبواب الدين بغير آلة؟ هل أخطأ بسبب تأويل له أصل في لغة العرب وشبهة علمية، وإن كان تأويلًا مرجوحًا، أم صادم نصًا محكمًا لا يحتمل ما ادعاه؟ هل بلغته الحجة وفهمها، أم بقيت عليه شبهة؟ هل هو ممن يرجع إذا ظهر له الحق، أم ممن يوالي ويعادي على خطئه ويمتحن الناس به؟ هل زل في مسألة، أم أقام منهجًا كاملًا على زلته وصنف الأمة على أساسها؟

هذه هي أسئلة الشرع. وهذا هو ميزان أهل السنة. وهو ميزان واحد يوضع فيه الإمام النووي، ويوضع فيه من يبدعه، ويوضع فيه كل شخص معين إلى قيام الساعة.

فإذا اختلف الحكم بين شخصين، فليس لأننا نملك ميزانين، وإنما لأن أحوال الموزونين مختلفة.

والطبيب الواحد قد يصف لمريضين دواءين مختلفين، ولا يقول عاقل إن الطبيب متناقض؛ لأن المرضين مختلفان وحال المريضين مختلفة. إنما المتناقض هو من يصف دواء واحدًا لكل داء، ثم يسمي هذا عدلًا واطرادًا!

فالحدادي اخترع مناطًا لم ينصبه الشرع، ثم قاس عليه، ثم بنى على قياسه الفاسد اتهام أهل السنة بالتناقض.

وهذا قياس فاسد الاعتبار، وفي علم الجدل مصادرة على المطلوب، وفي لغة الناس البسيطة: اخترع قاعدة من عنده، ثم حاكمك إليها، ثم اتهمك بالتناقض لأنك رفضت اختراعه!

نصوص القرآن والسنة تهدم الميزان الحدادي

نحن لا نكتفي بمطالبتهم بالدليل على قاعدتهم، بل نقيم الدليل من القرآن والسنة على بطلانها.

فالشرع قد يعذر الإنسان في خطأ متعلق بأعظم الحقوق، وهو حق الله، إذا قام به عذر معتبر من جهل أو خطأ أو إكراه أو تأويل. وقد يشدد عليه في خطأ متعلق بمخلوق إذا كان متعمدًا قائمًا على العدوان وخاليًا من العذر.

قال الله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: 286].

وثبت في صحيح مسلم أن الله قال: «قد فعلت».

وقال سبحانه: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: 5].

بل عذر الله المكره على النطق بكلمة الكفر نفسها، فقال: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: 106].

وأي قول يتعلق بحق الله أعظم من كلمة الكفر؟ ومع ذلك ارتفعت المؤاخذة عن المكره؛ لأن الشريعة لم تنظر إلى عظم الكلمة وحده، بل نظرت إلى حال القائل وقصده وإكراهه وطمأنينة قلبه بالإيمان.

فمن أين جاء القوم بقاعدة أن عظم متعلق الخطأ يلغي كل عذر؟

الرجل الذي شك في قدرة الله فغفر الله له

في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قصة الرجل الذي أسرف على نفسه، فلما حضره الموت قال لبنيه: إذا أنا مت فأحرقوني، ثم اطحنوني، ثم ذروني في الريح، فوالله لئن قدر علي ربي ليعذبني عذابًا ما عذبه أحدًا.

فلما فعلوا به ذلك، سأله الله: ما حملك على ما صنعت؟

قال: خشيتك يا رب.

فغفر الله له.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية معلقًا على هذا الحديث:

«فهذا رجل شك في قدرة الله وفي إعادته إذا ذُري، بل اعتقد أنه لا يعاد، وهذا كفر باتفاق المسلمين، لكن كان جاهلًا لا يعلم ذلك، وكان مؤمنًا يخاف الله أن يعاقبه، فغفر له بذلك، والمتأول من أهل الاجتهاد الحريص على متابعة الرسول أولى بالمغفرة من مثل هذا». مجموع الفتاوى 3/231.

قف هنا.

هذا الرجل أخطأ في صفة القدرة. وشك في إعادة الله له بعد موته. وهذا خطأ يتعلق بالله وبصفة من أعظم صفاته. ومع ذلك غفر الله له لما قام به من الجهل والخشية. وهو من أهل الجنة يقينًا وقد ضمنها، ولذلك عندما علق أحد الأشخاص على محمد شمس الدين بأن الأئمة يعذرون كما عذر هذا الرجل كان رده: تقصد نباش القبور، أئمة الأشعرية حمقى مثله!!

تعذرون النووي ولا تعذرون من بدّعه؟ تفكيك شبهة حدادية لقنها محمد شمس الدين لأتباعه!

يغتاب رجلاً من أهل الجنة حط رحاله في الجنة يقينًا وقد أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم بذلك!

ومن العجائب أن هذا الحدادي وقع في هذه الكارثة عندما شك في قدرة الله!

سبحان الله، الجزاء من جنس العمل وله سقطات كثيرة مثل هذه في مسائل الأسماء والصفات لكن هذا ليس موضوعنا.

السؤال هنا بناء على الحديث السابق: هل كانت قدرة الله هينة عند الله ورسوله؟ معاذ الله.

هل كانت مغفرة الله له تهاونًا في حق الله؟ وهل تهاون الله في حق نفسه؟ حاشاه سبحانه وتعالى.

وإنما الخلل كله في الميزان الحدادي الذي يريد أصحابه أن يحاكموا به الناس، ثم يكتشفون أنه يصطدم بحكم الله نفسه!

رجل قال: أنت عبدي وأنا ربك

وفي صحيح مسلم من حديث أنس رضي الله عنه أن رجلًا أضل راحلته في أرض فلاة، وعليها طعامه وشرابه، حتى أيقن بالهلاك، ثم وجدها فجأة، فأخذ بخطامها وقال من شدة الفرح: «اللهم أنت عبدي وأنا ربك».

فقال النبي ﷺ: «أخطأ من شدة الفرح».

هذه الكلمة لو قالها شخص قاصدًا معناها لكانت من أعظم المنكرات في حق الله. ومع ذلك لم يؤاخذ بها الرجل؛ لأن الشرع نظر إلى قصده وحاله، وعلم أنه لم يرد معناها، وإنما سبق لسانه من شدة الفرح.

مرة أخرى: متعلق الخطأ هو الله. لكن وجود العذر منع المؤاخذة.

فهل سيقول الحدادي إن النبي ﷺ تهاون في حق الله حين بيّن عذر الرجل؟ أم سيعترف أخيرًا بأن قاعدته لا وجود لها في الشريعة؟

وفي المقابل: خطأ في حق مخلوق توعد الشرع عليه
قال النبي ﷺ في خطبة حجة الوداع: «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا».

متفق عليه.

فقرن حرمة دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم بحرمة يوم النحر، في الشهر الحرام، في البلد الحرام.

وهل بعد هذا التغليظ تغليظ؟

وقال ﷺ: «من قال لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما».

متفق عليه.

فانظر كيف جعل النبي ﷺ رمي المسلم بالكفر بغير حق أمرًا عظيمًا يرتد شره على قائله.

فأين ذهبت القاعدة الساذجة التي تقول إن الخطأ في حق المخلوق أهون بإطلاق؟

القضية ليست مجرد سؤال: في حق من وقع الخطأ؟ بل القضية: ما حال القائل؟ وما قصده؟ وما علمه؟ وما تأويله؟ وهل قامت عليه الحجة أم لا؟

علي رضي الله عنه والخوارج
وهنا يأتي المثال الذي يصعب على أصحاب هذه الشبهة تجاوزه.

الخوارج لم يخطئوا في حاشية كتاب. ولم يتأولوا لفظًا ثم سكتوا. ولم تقع منهم زلة محدودة دفنت بين آلاف الصفحات من العلم.

بل كفروا عليًا وعثمان وجمهورًا من الصحابة. ومزقوا الأمة باسم الدين. واستحلوا دماء المسلمين. وقتلوا عبد الله بن خباب. وبقروا بطن جاريته.

هذه جرائم في حق المخلوقين: تكفير. واستحلال دماء. وقتل. وعدوان.

فماذا قال فيهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وهو أعلم وأورع وأغير على دين الله من كل حدادي ظهر أو سيظهر؟

سئل عن أهل النهروان: أمشركون هم؟

فقال: «من الشرك فروا».

قيل: أفمنافقون؟

قال: «إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلًا».

قيل: فما هم؟

قال: «قوم بغوا علينا».

رواه عبد الرزاق وابن أبي شيبة في مصنفيهما، والبيهقي في السنن الكبرى، من حديث طارق بن شهاب بإسناد رجاله ثقات.

وعاملهم علي رضي الله عنه معاملة البغاة، لا معاملة الكفار المرتدين. فلم يجهز على جريحهم. ولم يتبع مدبرهم. ولم يسب ذراريهم. كما بسط البيهقي ذلك في سننه.

تأمل المشهد: قوم كفروا الصحابة، واستحلوا دماء المسلمين، وقتلوا الأبرياء، ومع ذلك لم يخرجهم علي رضي الله عنه من الإسلام لما قام بهم من التأويل والشبهة.

فهذا خطأ بالغ في حقوق المخلوقين، ومع ذلك جرى عليهم حكم المتأولين، فلم يعاملوا معاملة المرتدين.

ومثال أوضح: عبد الله بن مسعود والمعوذتان

ومن الأمثلة التي تكشف فساد هذه الطريقة في الحكم على الأعيان: ما نُقل عن الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه في شأن المعوذتين. فقد ثبت أصل المسألة في صحيح البخاري من حديث زر بن حبيش، أنه سأل أُبيَّ بن كعب رضي الله عنه فقال: «إن أخاك ابن مسعود يقول كذا وكذا»، فأجابه أُبيّ بأنه سأل رسول الله ﷺ عنهما، وأنه يقول فيهما كما قال رسول الله ﷺ. وجاء في بعض طرق الرواية وشروحها أن ابن مسعود كان لا يثبت المعوذتين في مصحفه، وأنه ظن أنهما ليستا من القرآن؛ لأنه لم يسمع النبي ﷺ يقرأ بهما في الصلاة، بينما لم يتابعه أحد من الصحابة على ذلك، وثبتت قرآنيتهما بالنقل المتواتر وإجماع المسلمين.

وهذه المسألة تحتاج إلى قدر كبير من الإنصاف؛ فقد سلك العلماء تجاه الروايات المنسوبة إلى ابن مسعود طريقين: فمنهم من أثبت أصلها، ثم حمل موقفه على اجتهاد أو شبهة قامت عنده، وأنه لم يبلغه من الدليل ما بلغ غيره من الصحابة. ومنهم من أنكر صحة ما نُسب إليه أصلًا، كابن حزم والإمام النووي والباقلاني، وقرروا أن ما نقل عنه في إنكار قرآنية المعوذتين لا يصح. لكن الفريقين لم يختلفا في أمرين: أن المعوذتين من القرآن بلا ريب، وأن عبد الله بن مسعود لا يجوز أن يحوَّل بسبب هذه الرواية إلى كافر أو مبتدع أو عدو لكتاب الله.

تأمل خطورة ظاهر المسألة: الكلام هنا ليس عن تأويل صفة واحدة، بل عن رواية ظاهرها عدم إثبات سورتين من كتاب الله في المصحف الشخصي. ومع ذلك لم يقل أهل السنة: لقد أنكر ابن مسعود القرآن، فأسقطوا صحبته وإمامته، ومحوا فضائله، وحولوه إلى مادة يومية للتشنيع! بل جمعوا الروايات، ونظروا في ثبوتها، وبحثوا عذره وتأويله، وحفظوا له منزلته السابقة في الإسلام والعلم والجهاد وصحبة رسول الله ﷺ.

ولم يكفره أحد من الصحابة ولا أهل العلم الذين يثبتون هذه الرواية، ولم يقل أحد من أهل العلم: إن حفظ حق ابن مسعود تهاون في القرآن، أو إن التماس وجه صحيح لموقفه تقديم لحرمة الصحابي على حرمة كلام الله. فالقرآن أعظم من ابن مسعود ومن كل أحد، ومع ذلك لم يجعل العلماء تعظيم القرآن ذريعة إلى ظلم صاحبي جليل أو محو تاريخه.

وهذا المثال يقلب الشبهة على أصحابها مرة أخرى: إن كان مجرد صدور قول عظيم في متعلقه كافيًا لإسقاط قائله دون نظر في علمه واجتهاده وما بلغه من الدليل، فماذا ستفعلون مع عبد الله بن مسعود؟ وإن قلتم: لا بد من مراعاة منزلته، واجتهاده، واحتمال عدم بلوغ الدليل إليه، والنظر في صحة الرواية وتأويلها، فقد سلمتم بالأصل نفسه الذي تنكرونه حين نطبقه على أئمة المسلمين.

والفارق بين عبد الله بن مسعود وبين من ينكر اليوم قرآنية المعوذتين بعد انعقاد الإجماع وظهور الحجة واضح؛ فالأول صحابي مجتهد وقعت له، على القول بثبوت الرواية، شبهة في زمن جمع القرآن واستقرار نقله، أما من يأتي بعد تواتر المصاحف وإجماع الأمة، ثم ينكرهما، فلا يسوّى به ولا يعطى حكمه بل يكفر بلا خلاف بين المسلمين. وهذا هو معنى أن الميزان واحد، لكن أحوال الموزونين مختلفة.

فهل سيقال بعد ذلك إن الأمة كانت تعظم ابن مسعود أكثر من القرآن؟ أم سيعترف أصحاب الشبهة أخيرًا بأن العذر لا يدور مع عظم متعلق الخطأ وحده، وإنما يدور مع حال القائل، وعلمه، واجتهاده، وما بلغه من الحجة، وما قام عنده من شبهة؟

وهذا المثال وحده يهدم التصور الذي بنيت عليه الشبهة.

فقد ثبت من القرآن والسنة وعمل الصحابة: أن العذر قد يقوم في خطأ متعلق بحق الله. وقد يقوم في خطأ متعلق بحقوق المخلوقين مهما بلغت خطورته. وأن المؤاخذة قد تقع في هذا وفي ذاك إذا انتفت الأعذار وقامت الحجة.

فسقطت قاعدة الحدادي من الجهتين، واتضح أنها قاعدة محدثة لا نص معها، ولا أثر، ولا إمام.

حتى ميزانهم الذي اخترعوه ينقلب عليهم

ولو جاريناهم جدلًا، وقلنا لهم: سنجعل متعلق الخطأ هو الميزان كما تريدون. لانقلب ميزانهم عليهم قبل أن يزنوا به غيرهم.

فأهل العلم يقررون في باب التوبة والمظالم أن حقوق الله مبناها على المسامحة والمغفرة، وأن العبد إذا تاب توبة صادقة فيما بينه وبين ربه تاب الله عليه.

أما حقوق العباد فمبناها على المشاحة، ولا يكفي أن يقول الإنسان: تبت، حتى يؤدي الحقوق إلى أصحابها أو يستحلهم منها.

فالطاعن في أعراض العلماء، الذي يتهمهم في دينهم، ويمزق سمعتهم، ويهدم مكانتهم بغير حق، قد علق في رقبته حقوقًا لأئمة ماتوا منذ قرون، ولا سبيل له إلى أن يذهب إليهم ويطلب منهم المسامحة.

ولست أقول إن هذا هو مناط الحكم الأصلي؛ فقد بينت المناط الصحيح.

لكنني أقول له: حتى الميزان الذي اخترعته لضرب خصومك، لو طبقناه تطبيقًا كاملًا، لكنت أنت أول مسحوق تحته.

أنت تريد أن تصور نفسك مظلومًا لأن الناس ردوا عليك حين مزقت عرض إمام من أئمة المسلمين! تعتدي، ثم تتحدث عن مظلوميتك. تطعن، ثم تشكو من قسوة الرد. تهدم تاريخ عالم، ثم تطلب منا أن نرفق بمشاعرك! تجعل عرض النووي مباحًا، ثم تجعل الرد عليك اعتداء لا يغتفر!

هذه هي المسرحية الحدادية المتكررة: الجلاد يقدم نفسه ضحية. ومن مد يده إلى أعراض العلماء يصرخ لأنه أصيب بخدش حين مُنعت يده!

الإمام أحمد يهدم الشبهة من أساسها

وهنا نصل إلى القاصمة التي لا يبقى بعدها لهذه الشبهة ساق تقف عليها.

بدعة القول بخلق القرآن كفر في نفسها باتفاق السلف، وتواترت عنهم العبارات في ذلك. وهي أعظم من تأويل الإمام النووي لآحاد الصفات بما لا يقاس ولا يقارب.

وأصحاب القول بخلق القرآن في زمن المحنة لم يكونوا متأولين ساكتين، كتب أحدهم كلمة في حاشية كتاب ثم مضى. بل كانوا دعاة إلى بدعتهم. وكانوا أصحاب سلطان. وامتحنوا الأمة عليها. وجلدوا العلماء. وحبسوهم. وقتلوا. وعزلوا. وقطعوا الأرزاق. وردوا الشهادات. وبلغ بهم الأمر أنهم كانوا لا يفكون الأسير المسلم من يد العدو حتى يقر بأن القرآن مخلوق. وكانوا يكفرون من لم يقل بقولهم.

فماذا فعل الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله؟ إمام أهل السنة. وجبل الثبات في باب الصفات. الرجل الذي مزقت السياط ظهره حتى غاب عن وعيه، وبقي ثابتًا لا يبيع عقيدته ولا يساوم عليها.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «مع أن أحمد لم يكفر أعيان الجهمية، ولا كل من قال إنه جهمي كفره، ولا كل من وافق الجهمية في بعض بدعهم؛ بل صلى خلف الجهمية الذين دعوا إلى قولهم وامتحنوا الناس وعاقبوا من لم يوافقهم بالعقوبات الغليظة، لم يكفرهم أحمد وأمثاله؛ بل كان يعتقد إيمانهم وإمامتهم، ويدعو لهم، ويرى الائتمام بهم في الصلوات خلفهم والحج والغزو معهم والمنع من الخروج عليهم ما يراه لأمثالهم من الأئمة».

ثم قال: «ثم إن الإمام أحمد دعا للخليفة وغيره ممن ضربه وحبسه، واستغفر لهم وحللهم مما فعلوه به من الظلم والدعاء إلى القول الذي هو كفر، ولو كانوا مرتدين عن الإسلام لم يجز الاستغفار لهم؛ فإن الاستغفار للكفار لا يجوز بالكتاب والسنة والإجماع».

ثم بين سبب ذلك فقال: «ترحم عليهم واستغفر لهم، لعلمه بأنهم لم يتبين لهم أنهم مكذبون للرسول ﷺ، ولا جاحدون لما جاء به، ولكن تأولوا فأخطؤوا، وقلدوا من قال لهم ذلك».

قف هنا طويلًا.

الإمام أحمد لم يتعرض لخطأ صغير. ولم يتعرض لمجرد إساءة شخصية. بل جلد في قضية تتعلق بكلام الله وصفاته. مزقت السياط ظهره. وحبس. وأهين. وامتحن.

ومع ذلك دعا لمن ضربه. واستغفر لهم. وحللهم من مظلمته. ولم يكفر أعيانهم. وصلى خلف بعضهم.

لماذا؟

لأنه فرق بين كون القول كفرًا في نفسه، وبين تنزيل حكم الكفر على الشخص المعين حتى تقوم عليه الحجة وتنتفي الموانع.

فهل كان الإمام أحمد متهاونًا في حق الله؟ هل كان مميعًا؟ هل كانت غيرته على صفات الله أقل من غيرة محمد شمس الدين والخليفي ومن يسير على طريقتهما؟

إن قال الحدادي: نعم، كان أحمد متهاونًا، فقد كشف حقيقة منهجه وكفانا مؤنة مناقشته.

وإن قال: لا، لم يكن الإمام أحمد متهاونًا، فقد هدم الشبهة بلسانه.

لأن أحمد أجرى العذر في أعيان أصحاب بدعة مكفرة، مع أنهم كانوا: دعاة. وممتحنين. ومعاقبين. وأصحاب سلطان.

وطبعًا لا يوجد مقارنة بين هؤلاء وبين الإمام النووي وغيره من العلماء الذين اتخذهم الحدادية غرضًا في قنواتهم، فالإمام النووي عالم متأول أخطأ في آحاد الصفات: لم يمتحن الأمة بتأويله. ولم يجلد عليه أحدًا. ولم يعاقب من أثبت الصفات على طريقة السلف.

فكيف صار فعل الإمام أحمد سنة، ثم صار فعلنا تمييعًا؟

كيف جاز للإمام أحمد أن يستغفر لمن جلده في بدعة مكفرة، ثم يحرم علينا أن نقول: رحم الله الإمام النووي، أخطأ في مواضع وأصاب في بحار من العلم؟

إذًا التناقض ليس عندنا.

التناقض عند من يرفع راية الإمام أحمد، ثم يهدم القواعد التي طبقها الإمام أحمد حين جاء التطبيق مخالفًا لهواه!

سيف ابن تيمية يعود إلى نحورهم

بل إن شيخ الإسلام ابن تيمية قرر في هذا السياق قاعدة تقلب ميزان الحدادية رأسًا على عقب، فقال:

«فإن الذي يدعو إلى القول أعظم من الذي يقول به، والذي يعاقب مخالفه أعظم من الذي يدعو فقط، والذي يكفر مخالفه أعظم من الذي يعاقبه».

هذه درجات متصاعدة: رجل قال قولًا متأولًا. ثم رجل دعا الناس إليه. ثم رجل عاقب من خالفه. ثم رجل كفر مخالفه.

فأين الإمام النووي منها؟

النووي عالم قال قولًا متأولًا، ظن أنه ينزه الله به فأخطأ. ولم يجعل تأويله امتحانًا للخلق. ولم يوال ويعاد عليه. ولم يعاقب من خالفه.

وأين الحدادي الذي يبدع النووي؟

يبدعه. ثم يتهم من لم يبدعه بالتدجين والدفاع عن الجهمية حسب زعمه، ويوالي ويعادي على ذلك. ويمتحن به الشباب. ويصنف الناس بحسب موقفهم منه. وقد يجعل الترحم عليه علامة تمييع وانحراف!

لقد صعد بنفسه إلى درجات الجرم التي ذكرها ابن تيمية.

فبميزان شيخ الإسلام الذي يتشبع هؤلاء بالانتساب إليه والتحدث باسمه، يكون المبدع الممتحن الذي يهجر الناس ويصنفهم بسبب موقفهم من النووي أغلظ حالًا من العالم الذي وقع في تأويل متأولًا.

لقد رفعوا سيف ابن تيمية ليضربوا به مخالفيهم، فإذا بالسيف يستدير إلى نحورهم.

الفروق التي يتعمدون طمسها

ليس بين الإمام النووي وبين من يبدعه تساوٍ في الحال حتى يقال: عذرتم هذا، ولم تعذروا ذاك.

بل بينهما فروق شرعية ظاهرة. ومن تجاهلها فإما أنه جاهل بأصول العلم، وإما أنه يتلاعب بالدين ليصل إلى حكم سبق أن قرره في نفسه.

أولًا: فرق الأهلية والاجتهاد
الإمام النووي إمام مجتهد بشهادة الأمة. كان يملك آلة النظر والاستدلال من الحديث والفقه واللغة والأصول. واستفرغ وسعه في طلب الحق.

والمجتهد إذا اجتهد فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر، بنص الحديث المتفق عليه.

أما من يتصدر لتبديع النووي، ففي الغالب متكلف اقتحم واحدًا من أخطر أبواب الدين، وهو الحكم على أعيان العلماء، بغير آلة علمية تكافئ خطورة الباب.

والعذر ثمرة الاجتهاد المؤهل، وليس مكافأة على التجرؤ.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وكثير من مجتهدي السلف والخلف قد قالوا وفعلوا ما هو بدعة، ولم يعلموا أنه بدعة، إما لأحاديث ضعيفة ظنوها صحيحة، وإما لآيات فهموا منها ما لم يرد منها، وإما لرأي رأوه وفي المسألة نصوص لم تبلغهم، وإذا اتقى الرجل ربه ما استطاع دخل في قوله: ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾، وفي الصحيح أن الله قال: قد فعلت». مجموع الفتاوى 19/191.

فالاجتهاد لا يجعل الخطأ صوابًا. لكنه يغير حكم صاحبه.

ويفرق بين عالم بذل وسعه فأخطأ، وبين متكلف يهجم على أعراض أئمة الإسلام، ثم يسمي اندفاعه غيرة.

ثانيًا: فرق طبيعة المسألة والشبهة

الإمام النووي تأول نصوصًا لألفاظها في لغة العرب وجوه من الاحتمال، وإن كانت احتمالات مرجوحة ومخالفة لطريقة السلف.

وفعل ذلك تحت ضغط شبهة كلامية عمت كثيرًا من أهل عصره، وتلقاها عن شيوخه، وظن أنها طريق التنزيه.

فله شبهة تأويل معتبرة من حيث جنسها، وإن كان تأويله نفسه مردودًا.

أما من يبدعه، فما النص الذي تأوله؟

إنه يصادم نصوصًا محكمة، منها قول النبي ﷺ: «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام».

ويصادم تلقي الأمة لإمامة النووي بالقبول جيلًا بعد جيل، وهو نوع من الإجماع العملي على إمامته وفضله، ونقل غير واحد من أهل العلم الإجماع على إمامة النووي وعلمه وفضله، مع علم العلماء بما وقع فيه من أخطاء.

فأين تأويله السائغ الذي يطلب له به العذر وقد أقيمت عليه الحجة ورفضها وأصر على الباطل؟

فهو الآن ليس معه إلا الكبر والعناد واندفاع سماه غيرة، وهوى ألبسه لباس العقيدة.

ثالثًا: فرق الزلة والمنهج
تأويلات الإمام النووي زلات وقعت في مواضع محدودة، وغمرتها بحار علمه وخدمته للسنة. ولم يجعلها أصلًا يصنف الناس به. ولا عقد عليها الولاء والبراء. ولا جعلها محنة يمتحن بها المسلمين.

أما تبديع محمد شمس الدين ومن يسير على منهجه للإمام النووي، فليس زلة عابرة اعترف صاحبها بخطئها ورجع عنها.

بل أصبح أصلًا منهجيًا: يبني عليه موقفه من العلماء. ويصنف به طلبة العلم. ويمتحن به الداخل والخارج. ويجعل الموقف من النووي وابن حجر وأمثالهما بوابة للدخول في السنة أو الخروج منها.

وهنا تظهر إحدى أكبر عمليات التلاعب في الشبهة.

يقولون: لماذا لا تعذرون محمد شمس الدين؟

والجواب: لو أن الحدادي الذي يطالبنا بإعذار محمد شمس الدين بدأ أولًا بالاعتراف بالحقيقة الواضحة، فقال: لقد أخطأ محمد شمس الدين في تبديع الإمام النووي، وتجاوز الحد في الحكم عليه وعلى من يترحم عليه.

لسقط أصل الشبهة من أساسه، ولأصبح الحديث بعد ذلك عن إمكان عذره في هذا الخطأ مفهومًا ومستقيمًا.

لكن هذا ليس ما تفعلونه!

أنتم تصرون على أن محمد شمس الدين مصيب. وأن تبديع النووي هو الحق والسنة. وأن المخطئ والمميع هو من خالفه.

ثم تأتون في الوقت نفسه لتقولوا لنا: لماذا لا تعذرونه؟

فنعذره عن ماذا بالضبط؟

العذر إنما يلتمس لمن تقرر أنه أخطأ.

أما من تزعمون أنه مصيب، وأن قوله حق يجب اتباعه، فلا معنى أصلًا لطلب العذر له.

أنتم لم تعترفوا بخطئه حتى تطلبوا منا إعذاره.

بل تريدون أن تجمعوا له بين منزلتين متناقضتين: أن يكون مصيبًا في قوله، ومعذورًا في خطئه الذي تنكرون أصلًا أنه خطأ!

والحقيقة أنكم لا تطلبون منا إعذار مخطئ. وإنما تطلبون شيئًا آخر تمامًا: أن نسكت عن قوله. وأن نكف عن بيان بطلانه. وأن نتوقف عن التحذير من منهجه. وأن نسلم له ضمنًا بأنه على صواب.

ثم تسمون هذا كله «إعذارًا» تلبيسًا على الناس وقلبًا لمعاني الكلمات.

مظلومية الحدادية هنا مصنوعة صناعة.

يبدع إمامًا من أئمة المسلمين ويهدم مكانته في نفوس الشباب. ويطعن فيمن يترحم عليه ويدافع عنه ويذب عن عرضه وينفي التكفير والتبديع في حقه.  فإذا قام الناس يدافعون عن عرض الإمام، صاح: إنهم لا يعذرونني!

أي مظلومية هذه؟

ومن المعتدي أصلًا؟

هل صار من اقتحم بيت الناس هو المظلوم لأن صاحب البيت أمسك بيده ومنعه؟

هل صار من أشهر السكين في عرض إمام ميت ضحية لأن الناس نزعوا السكين من يده؟

رابعًا: فرق الحصيلة والآثار
ضعوا في كفة: شرح صحيح مسلم. ورياض الصالحين. والأربعين النووية. والأذكار. والمجموع. وما لا يحصى من خدمة الإمام النووي للسنة والفقه واللغة والتربية والعلم.

ثم ضعوا في الكفة الأخرى حصيلة المنهج الحدادي: تتبع زلات العلماء وتضخيمها. وتمزيق الشباب بالغلو والخصومات. ونسف الثقة بأئمة الأمة. وهدم المرجعية العلمية. وملء القلوب بالحقد وسوء الظن. وتخريج طلبة يحفظون قوائم المبدعين والمجروحين أكثر مما يحفظون أبواب العلم ومسائل الفقه. ثم لا يجد هذا المنهج نفسه تزكية معتبرة من كبار أهل العلم.

وبعد ذلك كله، بأي ميزان عاقل يسوى بين زلة إمام ملأت حسناته الآفاق، ومنهج لم يورث أتباعه إلا التبديع والتشاحن وتمزيق الصف؟

اسمعوا الإمام الذهبي، وهو الناقد البصير، يقول في ترجمة الإمام محمد بن نصر المروزي، بعد أن ذكر له زلة في مسألة اعتقادية:

«ولو أنا كلما أخطأ إمام في اجتهاده في آحاد المسائل خطأً مغفورًا له قمنا عليه وبدعناه وهجرناه، لما سلم معنا لا ابن نصر ولا ابن مندة ولا من هو أكبر منهما، والله هو هادي الخلق إلى الحق وهو أرحم الراحمين، فنعوذ بالله من الهوى والفظاظة». سير أعلام النبلاء 14/40.

تأمل خاتمة كلامه: «فنعوذ بالله من الهوى والفظاظة».

لأن الإنسان قد يتوهم أنه يدافع عن السنة، بينما الذي يقوده في الحقيقة هو الهوى والفظاظة وحب إسقاط الآخرين.

وقال الذهبي في ترجمة قتادة، وقد رمي بالقول بالقدر:

«ولعل الله يعذر أمثاله ممن تلبس ببدعة يريد بها تعظيم الرب وتنزيهه، وبذل وسعه، والله حكم عدل لطيف بعباده».

تأمل: «يريد بها تعظيم الرب وتنزيهه».

هذا هو أصل حال الإمام النووي في تأويله. أراد تنزيه الله، لكنه أخطأ الطريق.

وتأمل كلام الجهبذ الأصولي والمفسر البارع واللغوي النحرير و العالم الكبير الشيخ محمد الأمين الشنقيطي صاحب تفسير أضواء البيان الذي أفنى عمره في تحصيل العلم وتأصيله كيف يعتذر لعلماء الأشاعرة مع رده عليهم وعدم إقرارهم على مخالفاتهم العقدية والأجمل من ذلك هو كشفه لمأخذ الشبهة عندهم، وقارن بينه وبين التحجر الفكري والضمور العقلي والاضطراب المنهجي وسوء الظن عند الحدادية الخبثاء لتعلم مسلك العلماء الراسخين من ضلالات السفهاء الجاهلين فتحمد الله رب العالمين على نعمة بيان حال المبطلين.
قال رحمه الله بعد ذكره بعض عقائد الأشعرية التي خالفوا فيها السلف والأئمة:

ونحن نرجو أن يغفر الله تعالى للذين ماتوا على هذا الاعتقاد، لأنهم لا يقصدون تشبيه الله بخلقه، وإنما يحاولون تنزيهه عن مشابهة خلقه. فقصدهم حسن، ولكن طريقهم إلى ذلك القصد سيئة. وإنما نشأ لهم ذلك السوء بسبب أنهم ظنوا لفظ الصفة التي مدح الله بها نفسه يدل ظاهره على مشابهة صفة الخلق فنفوا الصفة التي ظنوا أنها لا تليق قصدا منهم لتنزيه الله، وأولوها بمعنى آخر يقتضي التنزيه في ظنهم فهم كما قال الشافعي رحمه الله: رام نفعًا فضر من غير قصد ومن البر ما يكون عقوقًا! ونحن نرجو أن يغفر الله لهم خطأهم، وأن يكونوا داخلين في قوله تعالى: (وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم وكان الله غفورا رحيمًا) . وخطؤهم المذكور لا شك فيه، ولو وفقهم الله لتطهير قلوبهم من التشبيه أولًا، وجزموا بأن ظاهر صفة الخالق هو التنزيه عن مشابهة صفة المخلوق، لسلموا مما وقعوا فيه. أضواء البيان (7/274-275).

ما أجمل كلام العلماء وما أقبح كلام السفهاء.

إذن نحن نرد خطأ العالم، ولا نزعم أن حسن قصده جعل الباطل حقًا، لكننا نرجو أن يعذره الله بقصده واجتهاده وخدمته للدين وهذا ما عليه أهل العلم الكبار.

خامسًا: فرق الحي والميت
الإمام النووي أفضى إلى ما قدم منذ قرون. والبحث في عذره اليوم بحث في مآله عند الله. وليس وراءه مفسدة حاضرة يدفعها الناس من جهته. والخوض في عرضه بعد موته، وتحويله إلى مادة يومية للخصومة والامتحان، شر تتسع دائرته، ولا تظهر له مصلحة معتبرة بل فتنة وفساد عظيم.

أما الحدادي الحي، فهو يهدم اليوم. ويمتحن اليوم. ويمزق اليوم. ويؤثر في شباب أحياء اليوم.

وهنا قاعدة مهمة: بحث الإعذار يأتي بعد بيان الحق والباطل، لا قبله.

فنحن نقول للحي الواقع في المنكر: هذا منكر. فكف عنه. وتب إلى الله. ولا تظلم العلماء. ولا تمتحن المسلمين.

ولا نقدم له صك إعذار مسبقًا فيتخذه تصريحًا للاستمرار في الهدم.

فلا يجوز اتخاذ أخطاء العلماء السابقين شماعة لكل شخص يريد تبرير سوء أدبه ولو طبقنا هذا الأسلوب لوقعت مصائب كبيرة واتخذت أخطاء العلماء ذريعة لكل مغرض يريد أن يهون من أخطائه كما يفعل الحدادية!

مجتنب الكبائر يرجى له أن تغفر له الصغائر، لكن هل يقال له: ارتكب الصغائر واتكل على اجتنابك الكبائر؟

لا يقول بهذا عاقل.

ومن أراد اليوم استحلال دم مسلم متأولًا شددنا عليه ومنعناه.

ولا نقول له: لقد تأول الخوارج في التاريخ فعذروا في بعض الأحكام، فامض أنت في تأويلك!

بل نقول له: تلك واقعة مضت وانقطعت مفسدتها. أما فعلك فواقع حاضر يجب إيقافه بكل وسيلة.

فالتأويل يلتمس لمن مضى إنصافًا في الحكم وحفظًا للأعراض، ولا يوضع بين يدي الأحياء الهادمين رخصة للهدم والتمزيق.

وفي هذا الباب قال شيخ الإسلام ابن تيمية كلمته العظيمة، وهو يدافع عن أبي حامد الغزالي مع ما عند الغزالي من مخالفات:

«إن تسليط الجهال على تكفير علماء المسلمين من أعظم المنكرات».

وهذا هو الخطر الحقيقي: أن تفتح أعراض العلماء لألسنة من لا يملكون آلة العلم، فيصير تاريخ الأمة كله ميدانًا لأحكامهم المتعجلة.

سادسًا: نحن أعدل في الحدادي منه في الإمام النووي
مع كل ما سبق، نحن لا نعامل الحدادي بنقيض أصولنا.

فلا نكفره لمجرد هذا الخطأ. ولا نقطع بمآله عند الله. ولا نزعم الاطلاع على قلبه. ولا نجعل موقف الناس من شخصه امتحانًا.

بل نبين خطأه. ونقيم عليه الحجة. ونفصل في حاله.

فإن كان شابًا مغررًا به، رفقنا به وعلمناه، وأجرينا عليه العذر بالجهل الذي يزعم أننا نبخل به على الناس.

وإن كان رأسًا مصرًا، يمتحن الناس، ويفرق الصف، ويكرر الباطل بعد البيان، حذرنا من منهجه، وكففنا شره، وتركنا سريرته ومآله إلى الله.

فنحن، والله، أعدل فيه مما هو في الإمام النووي.

وهنا نسأله: ما معنى قولك إننا لم نعذرك؟

إن كنت تعني أننا حكمنا عليك بمصير أخروي معين، فهذا غير صحيح. فنحن لا نقطع لك بجنة ولا نار. ولا نحكم على سريرتك.

أما إن كنت تقصد أننا بينا خطأك، ورددنا قولك، وحذرنا من منهجك، فهذا هو عين ما نفعله مع تأويل النووي: نرد الخطأ. ولا نصححه لكن ليس بطريقتك الحدادية الفاجرة.

فأين ازدواج الميزان؟

الحدادي يريد امتيازًا خاصًا لنفسه: يريد أن يبدع الإمام، وأن يمزق صورته، وأن يجرح من يلتمس العذر له، ثم لا يرد عليه أحد.

وإذا رد عليه الناس، رفع راية المظلومية!

ليس العدل أن تجعل الإمام الميت بلا حرمة، وتجعل الداعية المعاصر فوق النقد.

وليس الإنصاف أن يكون عرض النووي ساحة مفتوحة، بينما يصبح الرد على محمد شمس الدين جريمة!

والآن نقلب السؤال عليهم

بعد أن اتضح أصل المسألة، يمكن قلب الشبهة على أصحابها بعدة إلزامات، يكفي واحد منها لإسقاطها.

الإلزام الأول: إن كان حسن القصد عذرًا، فالنووي أولى به

الحدادي يطلب العذر لصاحبه الذي يبدع النووي، ويقول: إنما حملته الغيرة على صفات الله. وقصده حسن. فينبغي أن يعذر.

حسنًا.

لقد سلمت الآن بأن حسن القصد والغيرة قد يكونان سببًا في التماس العذر.

فلماذا منعت هذا العذر نفسه عن الإمام النووي؟

لقد صرح النووي في كتبه بأنه يريد تنزيه الله. وبذل وسعه بحسب ما بلغه من العلم. وكان من أعلم أهل زمانه. وأفنى عمره في خدمة حديث رسول الله ﷺ وفقه شريعته.

فأنت أعطيت العذر بحسن النية لمتكلف معاصر مزق الصف، ومنعته إمامًا خدم الدين وانتفعت الأمة بكتبه قرونًا بعد موته!

فمن صاحب المعيار المزدوج هنا؟ نحن أم أنتم؟

إذا كان حسن القصد لا يصحح الباطل، لكنه يؤثر في الحكم على القائل، فهذا يقال في النووي كما يقال في غيره.

وإذا كان حسن القصد لا قيمة له مطلقًا، فلا تطلبوا به العذر لمن يبدعه.

الإلزام الثاني: اطردوا قاعدتكم إن كنتم صادقين

إن كانت قاعدتكم أن كل من وقع في تأويل شيء من الصفات يبدع ولا يعذر، فكونوا صريحين واطردوا القاعدة.

بدعوا ابن حجر، شارح صحيح البخاري. والبيهقي، صاحب السنن. وابن الجوزي. والقرطبي المفسر. والقاضي عياض. والخطابي. والعز بن عبد السلام. وخلائق من حفاظ الحديث وفقهاء الملة ممن وقعت منهم تأويلات في آحاد الصفات وبالمرة بدعوا من عذروهم وأثنوا عليهم!

ثم انظروا ماذا بقي من علم الأمة بين أيديكم.

وقد صرح بعض غلاتهم بهذا اللازم فعلًا، فبدعوا وكفروا، ووصل بعضهم إلى الطعن في أئمة متبوعين.

فأصبحوا البرهان العملي على أن هذه القاعدة لا تقف عند حد، بل تنتهي إلى إحراق المكتبة الإسلامية كلها.

كيف يحفظ الشرع بإسقاط حملته؟ وكيف تنصر السنة بهدم الثقة بمن نقلوا أحاديثها وشرحوها وخدموها؟

هذا ليس حفظًا للدين. بل هدم للدين باسم الغيرة عليه.

وإن لم تطردوا القاعدة، وقلتم: بل نفرق بين عالم وعالم، وبين مسألة ومسألة، وبين حال وحال.

فقد اعترفتم بالفروق والموانع والأعذار. وسقط اعتراضكم علينا من أصله.

لأن النزاع حينئذ لا يعود في أصل وجود الإعذار والتفريق، وإنما في ضوابط تنزيله.

فأعطونا ضابطكم المنضبط.

ولن تجدوا في النهاية ضابطًا شرعيًا غير الذي قررناه: الأهلية. والاجتهاد. والتأويل. وقيام الحجة. والقصد. والفرق بين الزلة والمنهج. والنظر في الآثار والمآلات.

الإلزام الثالث: من الذي خدم باب الصفات حقًا؟

يقولون: نحن الغيورون على صفات الله. وأنتم المتهاونون.

فلنسألهم: من الذي صنف للأمة في إثبات الصفات والرد على المؤولة؟ أهل السنة أم الحدادية؟

مكتبة أهل السنة قائمة تشهد: كتب السنة التي صنفها العلماء قديمًا وحديثًا ومن هؤلاء شيخ الإسلام ابن تيمية. ومؤلفات تلميذه ابن القيم. وشروح أئمة الدعوة السلفية إلى يومنا هذا.

هذه هي الغيرة حين تصدق: علم يقرر. وحجة تنشر. وشبهة تنقض. وسنة تحيا. وعدل يحفظ للناس حقوقهم.

أما غيرة لا تثمر إلا امتحان الخلق، وتمزيق الصفوف، وإحراق الثقة بحملة الشرع، فليست غيرة شرعية.

إنها حماسة جاهلة ركبت مركب الدين.

فالغيور الصادق يجمع بين إنكار البدعة بكل قوة، ورعاية حق المخطئ، وعدم ظلمه.

وهكذا صنع شيخ الإسلام ابن تيمية حين امتحنه الجهمية، فقال لهم في وجوههم:

«لو وافقتكم كنت كافرًا؛ لأني أعلم أن قولكم كفر، وأنتم عندي لا تكفرون؛ لأنكم جهال».

وكان يخاطب علماءهم وقضاتهم وشيوخهم وأمراءهم، كما ذكر في الرد على البكري.

سمى الكفر كفرًا. ولم يميع المقالة. وفي الوقت نفسه لم يسلط حكم التكفير على أعيان المتأولين بغير إقامة الحجة واستيفاء الشروط وانتفاء الموانع.

هذا هو ميزان أهل السنة: حزم في الحق. وعدل في الخلق.

وهو الميزان الذي يسميه الحدادي تمييعًا؛ لأنه لم يفهم كيف يجتمع الصدع بالحق مع الخوف من ظلم عباد الله.

لماذا تكشف هذه الشبهة عن جهل مركب؟

هذه الشبهة ليست خطأ واحدًا، بل حزمة من الجهالات اجتمعت في سؤال واحد، ثم قدمت للناس في ثوب الغيرة على العقيدة.

ومن لم يعرف مناطات الأحكام، فليس له أن يقتحم باب الحكم على أعيان العلماء.

فالحدادي يحارب بسيف مكسور، صادره أئمته الذين ينتسب إليهم قبل أن يصادره خصومه.

وأي سوء تصرف أبلغ من رجل يهدم مرجعية أمة كاملة، ويحرق ثقة الأجيال بحملة الشرع، لينتصر لقاعدة اخترعها بالأمس، ولم يقل بها قبله سلف ولا إمام؟

إنه كمن يهدم بيته على رأسه ليقتل ذبابة وقفت على جداره، ثم يتهم بالتفريط كل من حاول منعه.

وصدق الإمام ابن عساكر حين قال في تبيين كذب المفتري:

«لحوم العلماء مسمومة، وعادة الله في هتك أستار منتقصيهم معلومة».

والتاريخ شاهد على أن من جعل أعراض أئمة الهدى مطية للشهرة والخصومة، عوقب غالبًا بمن يسلط عليه لسانه ومنهجه.

وواقع الحدادية، وقد أكل بعضها بعضًا بالتبديع المتبادل، من أصدق الشواهد على ذلك.

فمنهج السلسلة لا يكتفي بأكل مخالفيه. بل يأكل أبناءه أيضًا.

أين المظلوم حقًا؟

الحدادي يريد أن يكتب القصة على النحو الآتي:

هناك رجل غيور على صفات الله، فاضطهده المميعون، وقاموا عليه، وحذروا منه، ولم يعذروه!

لكنهم يحذفون من القصة نصفها الأهم.

يحذفون الإمام الميت الذي هوجم عرضه. ويحذفون كتبه التي حاولوا تشويهها. ويحذفون أجيالًا من المسلمين تعلموا السنة والفقه والذكر والتربية من مصنفاته. ويحذفون الشباب الذين مزقوا بين قوائم التبديع والتصنيف. ويحذفون العلماء الذين سقطت هيبتهم في قلوب العامة لأن متصدرًا معاصرًا جعل نفسه قاضيًا على تاريخ الأمة.

ثم يبقون صورة واحدة فقط: صورة الحدادي حين يرد عليه الناس!

فجأة يصبح المعتدي مظلومًا. ويصبح الطاعن مجروحًا. ويصبح من فتح النار على إمام أعزل هو الضحية؛ لأن الناس حاولوا إطفاء النار.

لكن المظلوم الحقيقي هو الإمام الذي أفنى عمره في خدمة حديث رسول الله ﷺ، ثم جاء بعد قرون من يحاكم حياته كلها إلى مواضع محدودة أخطأ فيها، ويختصر تاريخه في زلاته، وينزع عنه كل فضل، ثم يجعل الدفاع عن عرضه تمييعًا!

والمظلوم الحقيقي هو طالب العلم الصغير الذي كان ينبغي أن يتعلم أبواب الصلاة والصيام والعقيدة والحديث، فإذا به يدخل عالم العلم من بوابة: من المبتدع؟ ومن المميع؟ ومن المدجنة؟ ومن ترحم على من؟ ومن جلس مع من؟ ومن لم يبدع من لم يبدع؟

والمظلومة هي الأمة التي يراد لها أن تفقد الثقة في أئمتها، حتى لا يبقى بينها وبين النصوص إلا متصدرون معاصرون، يقدمون أنفسهم بوصفهم الغربال الأخير الذي يقرر من يستحق أن يقرأ له المسلم ومن ينبغي أن يحرق تاريخه!

أما مظلومية من اعتدى، ثم ضاق بالرد، فليست إلا دراما مصنوعة لتغيير مواقع الضحية والجلاد.

الخلاصة التي تنهي الشبهة

نحن لا نقول إن تأويلات الإمام النووي في الصفات صحيحة.

بل نقول بكل وضوح: هي أخطاء، ويجب ردها وعدم متابعته فيها.

لكننا في الوقت نفسه لا نحول خطأ الإمام إلى مشروع لهدم إمامته. ولا نسقط حسناته. ولا نبدعه بإطلاق. ولا نجعل موقف الناس منه امتحانًا جديدًا لم تعرفه القرون السابقة.

نحن نفرق بين المقالة وقائلها. وبين الحكم المطلق والحكم على المعين. وبين زلة العالم ومنهج الممتحن. وبين مجتهد أخطأ وهو يطلب الحق، ومتجرئ بنى دينه على إسقاط العلماء.

نحن ننصر صفات الله بالدليل. ونرد التأويل بلا مجاملة. ونعطي أئمة الإسلام حقوقهم بالعدل. ونلجم الغلاة بالضوابط. ولا نقبل أن يخير المسلم بين نصرة حق الله وبين ظلم عباد الله.

فالله سبحانه لا ينصر بالظلم، ولم يجعل حفظ صفاته طريقًا إلى هدم حملة دينه.

أما سؤالك العاطفي: «أيهما أعظم عندكم: الله أم النووي؟».

فجوابه: الله أعظم وأجل. ولأنه أعظم، فإننا لا نكذب على شريعته. ولا نخترع باسمه قواعد لم ينزل بها سلطانًا. ولا نظلم عباده بدعوى نصرته.

نحن نرد خطأ النووي تعظيمًا لله. ونحفظ حق النووي طاعة لله.

أما أنتم فتريدون منا أن نظلم النووي حتى نثبت لكم أننا نحب الله!

وحاشا لله أن ينصر بالجهل. أو تعظم صفاته بالظلم. أو يحفظ دينه بهدم أئمته.

ومن رمانا بعد ذلك بالتناقض، فليبدأ بالجواب عن حجج هذا المقال كاملة غير منقوصة إن كان يحترم العلم وأهله ويحترم عقول الناس.

وإن سكت، فقد كفانا سكوته مؤنة الرد.

مصطفى الشرقاوي

كلّ المقالات منهج التوثيق والتصحيح
المزيد

مقالات أُخرى