رسالة إلى الحدادية · 50 من 89

ابْنُ تَيْمِيَّةَ مَعَ مُخَالِفِيه: «كُنْتُ مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ تَأْلِيفًا لِقُلُوبِ الْمُسْلِمِين»

قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّة: وَالنَّاسُ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ كَانَ بَيْنَ الْحَنْبَلِيَّةِ وَالْأَشْعَرِيَّةِ وَحْشَةٌ وَمُنَافَرَة، وَأَنَا كُنْتُ مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ تَأْلِيفًا لِقُلُوبِ الْمُسْلِمِينَ، وَطَلَبًا لِاتِّفَاقِ كَلِمَتِهِمْ، وَاتِّبَاعًا لِمَا أُمِرْنَا بِهِ مِنَ الِاعْتِصَامِ بِحَبْلِ اللَّه، وَأَزَلْتُ عَامَّةَ مَا كَانَ فِي النُّفُوسِ مِنَ الْوَحْشَة، وَبَيَّنْتُ لَهُمْ أَنَّ الْأَشْعَرِيَّ كَانَ مِنْ أَجَلِّ الْمُتَكَلِّمِينَ الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى الْإِمَامِ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ وَنَحْوِهِ، الْمُنْتَصِرِينَ لِطَرِيقِهِ... مَعَ أَنِّي فِي عُمْرِي إِلَى سَاعَتِي هَذِهِ لَمْ أَدْعُ أَحَدًا قَطُّ فِي أُصُولِ الدِّينِ إِلَى مَذْهَبٍ حَنْبَلِيٍّ وَغَيْرِ حَنْبَلِيّ، وَلَا انْتَصَرْتُ لِذَلِك، وَلَا أَذْكُرُهُ فِي كَلَامِي، وَلَا أَذْكُرُ إِلَّا مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ سَلَفُ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتُهَا.

البيانشَهَادَةٌ تَارِيخِيَّةٌ مِنْ شَيْخِ الْإِسْلَامِ عَلَى نَفْسِهِ، تَنْسِفُ دَعَاوَى الْمُتَاجِرِينَ بِاسْمِهِ، وَتَكْشِفُ الْفَارِقَ الْعَظِيمَ بَيْنَ الْبِنَاءِ السَّلَفِيِّ الْأَصِيلِ وَالْهَدْمِ الْحَدَّادِيِّ الدَّخِيل!

فَهَذِهِ الْوَثِيقَةُ لَيْسَتْ رَأْيًا نَظَرِيًّا، بَلْ هِيَ (سِيرَةٌ ذَاتِيَّةٌ وَتَزْكِيَة) يَكْتُبُهَا الْإِمَامُ عَنْ مَشْرُوعِهِ الْعَمَلِيِّ فِي الْأُمَّة.

فَلْيَقْرَأْهَا بِتَمَهُّلٍ وَإِنْصَافٍ كُلُّ مَنْ جَعَلَ صَنْعَتَهُ تَفْرِيقَ الْمُسْلِمِينَ وَتَمْزِيقَ صُفُوفِهِمْ رَافِعًا لِوَاءَ ابْنِ تَيْمِيَّة!

تَأَمَّلُوا الْوَصْفَ الدَّقِيقَ الَّذِي اخْتَارَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ عُنْوَانًا لِسِيرَتِهِ: «كُنْتُ مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ تَأْلِيفًا لِقُلُوبِ الْمُسْلِمِينَ، وَطَلَبًا لِاتِّفَاقِ كَلِمَتِهِمْ».

لَمْ يَقُلْ: (كُنْتُ مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ جَرْحًا، وَتَصْنِيفًا، وَرَدًّا عَلَى الْمُخَالِفِين)! مَعَ أَنَّهُ الْإِمَامُ الَّذِي مَلَأَ الدُّنْيَا رُدُودًا وَمُنَاظَرَاتٍ؛ لَكِنَّهُ أَدْرَكَ بِفِقْهِهِ الْعَمِيقِ أَنَّ الرُّدُودَ (وَسِيلَةٌ) لِحِمَايَةِ الدِّينِ، أَمَّا (الْغَايَةُ الْعُظْمَى) فَهِيَ تَأْلِيفُ الْقُلُوبِ وَجَمْعُ كَلِمَةِ الْأُمَّة.

وَهَذَا عَكْسُ مَنْهَجِ الْحَدَّادِيَّةِ الْيَوْمَ، الَّذِينَ جَعَلُوا الْهَجْرَ وَالتَّبْدِيعَ وَإِيغَارَ الصُّدُورِ (غَايَةً) يَتَعَبَّدُونَ اللَّهَ بِهَا!

ثُمَّ انْظُرُوا إِلَى الْأَثَرِ الْعَمَلِيِّ الصَّادِقِ لِهَذَا الْمَنْهَجِ: «وَأَزَلْتُ عَامَّةَ مَا كَانَ فِي النُّفُوسِ مِنَ الْوَحْشَة». لَمْ يَدَّعِ مُجَرَّدَ نِيَّةٍ حَسَنَةٍ مَخْفِيَّةٍ، بَلْ حَقَّقَ وَاقِعًا مَلْمُوسًا بَيْنَ طَائِفَتَيْنِ مُتَنَافِرَتَيْنِ (الْحَنْبَلِيَّةِ وَالْأَشْعَرِيَّةِ).

وَكَيْفَ أَزَالَ تِلْكَ الْوَحْشَة؟ يَقُولُ: «وَبَيَّنْتُ لَهُمْ أَنَّ الْأَشْعَرِيَّ كَانَ مِنْ أَجَلِّ الْمُتَكَلِّمِينَ الْمُنْتَسِبِينَ لِلْإِمَامِ أَحْمَد».

يَا اللَّه! لَقَدْ أَزَالَ الْوَحْشَةَ وَذَكَرَ الْحَقَّ وَالْفَضْلَ الَّذِي عِنْدَ الطَّائِفَةِ الْأُخْرَى!

وَهُوَ نَفْسُهُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ الَّذِي دَبَّجَ الْمُجَلَّدَاتِ الضِّخَامَ فِي نَقْضِ أُصُولِ الْمَدَارِسِ الْكَلَامِيَّةِ؛ فَالرَّدُّ الْعِلْمِيُّ الصَّارِمُ عَلَى الْبِدْعَةِ، لَمْ يَمْنَعْهُ قَطُّ مِنَ الْإِنْصَافِ وَتَأْلِيفِ الْقُلُوب.

ثُمَّ تَأْتِي قَاصِمَتُهُ لِمَنْ يَتَعَصَّبُونَ لِلْأَشْخَاصِ وَالْأَسْمَاءِ: «لَمْ أَدْعُ أَحَدًا قَطُّ فِي أُصُولِ الدِّينِ إِلَى مَذْهَبٍ حَنْبَلِيّ.. وَلَا أَذْكُرُ إِلَّا مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ سَلَفُ الْأُمَّة». وَهَذَا هُوَ التَّجَرُّدُ التَّامُّ لِلْإِجْمَاعِ، وَتَرْكُ التَّحَزُّبِ الْبَغِيض.

فَانْظُرْ أَيُّهَا الْمَفْتُونُ فِي حَالِكَ؛ شَيْخُ الْإِسْلَامِ يَتَفَاخَرُ بِتَأْلِيفِ الْقُلُوبِ وَإِزَالَةِ الْوَحْشَةِ بَيْنَ الْمَدَارِسِ الْمُتَبَايِنَةِ، وَأَنْتَ تَتَفَاخَرُ بِتَمْزِيقِ الصَّفِّ السَّلَفِيِّ الْوَاحِدِ، وَنَشْرِ الْعَدَاوَةِ وَالْهَجْرِ وَالتَّبْدِيعِ بَيْنَ الْإِخْوَة!

لَقَدِ اتَّخَذْتَ مِنِ اسْمِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ مِعْوَلًا لِهَدْمِ مَا أَفْنَى هُوَ عُمْرَهُ فِي بِنَائِه!

فَاتَّقِ اللَّهَ فِي أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَاعْلَمْ أَنَّ التَّفَاخُرَ بِكَثْرَةِ الْهَجْرِ وَإِسْقَاطِ النَّاسِ لَيْسَ مِنَ السُّنَّةِ فِي شَيْءٍ، بَلْ هُوَ مِيرَاثُ إِبْلِيسَ الَّذِي يَئِسَ أَنْ يُعْبَدَ، فَرَضِيَ بِالتَّحْرِيشِ بَيْنَ الْمُصَلِّين.