رسالة إلى الحدادية · 51 من 89

ابْنُ تَيْمِيَّة: الْإِمَامُ أَحْمَدُ لَمْ يُكَفِّرْ أَعْيَانَ الْجَهْمِيَّةِ وَصَلَّى خَلْفَ مَنِ امْتَحَنُوه

قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّة: أَحْمَدُ لَمْ يُكَفِّرْ أَعْيَانَ الْجَهْمِيَّةِ، وَلَا كُلَّ مَنْ قَالَ إِنَّهُ جَهْمِيٌّ كَفَّرَهُ، وَلَا كُلَّ مَنْ وَافَقَ الْجَهْمِيَّةَ فِي بَعْضِ بِدَعِهِمْ؛ بَلْ صَلَّى خَلْفَ الْجَهْمِيَّةِ الَّذِينَ دَعَوْا إِلَى قَوْلِهِمْ وَامْتَحَنُوا النَّاسَ وَعَاقَبُوا مَنْ لَمْ يُوَافِقْهُمْ بِالْعُقُوبَاتِ الْغَلِيظَةِ، لَمْ يُكَفِّرْهُمْ أَحْمَدُ وَأَمْثَالُهُ؛ بَلْ كَانَ يَعْتَقِدُ إِيمَانَهُمْ وَإِمَامَتَهُمْ، وَيَدْعُو لَهُمْ، وَيَرَى الِائْتِمَامَ بِهِمْ فِي الصَّلَوَاتِ خَلْفَهُمْ وَالْحَجِّ وَالْغَزْوِ مَعَهُمْ... ثُمَّ إِنَّ الْإِمَامَ أَحْمَدَ دَعَا لِلْخَلِيفَةِ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ ضَرَبَهُ وَحَبَسَهُ، وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ، وَحَلَّلَهُمْ مِمَّا فَعَلُوهُ بِهِ مِنَ الظُّلْمِ وَالدُّعَاءِ إِلَى الْقَوْلِ الَّذِي هُوَ كُفْرٌ، وَلَوْ كَانُوا مُرْتَدِّينَ عَنِ الْإِسْلَامِ لَمْ يَجُزِ الِاسْتِغْفَارُ لَهُمْ... تَرَحَّمَ عَلَيْهِمْ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ لِعِلْمِهِ بِأَنَّهُمْ لَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُمْ أَنَّهُمْ مُكَذِّبُونَ لِلرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَا جَاحِدُونَ لِمَا جَاءَ بِهِ، وَلَكِنْ تَأَوَّلُوا فَأَخْطَؤُوا، وَقَلَّدُوا مَنْ قَالَ لَهُمْ ذَلِك.

البيانقَاصِمَةُ الظُّهُورِ، وَفُرْقَانٌ يُمَزِّقُ الْغُلُوَّ، وَيَكْشِفُ عَوْرَةَ الْمُزَايِدِينَ عَلَى أَئِمَّةِ الدِّين!

قِفْ هُنَا وَتَأَمَّلْ هَذِهِ النَّازِلَة: بِدْعَةُ (خَلْقِ الْقُرْآنِ) كُفْرٌ بَوَاحٌ، وَأَصْحَابُهَا لَمْ يَكُونُوا مُتَأَوِّلِينَ مُسَالِمِينَ، بَلْ كَانَتْ بِيَدِهِمْ سِيَاطُ السُّلْطَةِ؛ فَدَعَوْا لِبِدْعَتِهِمْ، وَامْتَحَنُوا الْأُمَّةَ، وَسَفَكُوا الدِّمَاءَ، وَجَلَدُوا الْإِمَامَ أَحْمَدَ حَتَّى غَابَ عَنِ الْوَعْيِ، وَقَطَعُوا الْأَرْزَاقَ، وَكَفَّرُوا مَنْ خَالَفَهُم.

وَمَعَ هَذَا الْبَلَاءِ الْمُرَوِّعِ، انْظُرْ إِلَى (فِقْهِ الْأَئِمَّةِ) كَيْفَ يُفَارِقُ (طَيْشَ الْخَوَارِجِ): لَمْ يُكَفِّرِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَعْيَانَهُمْ، بَلْ صَلَّى خَلْفَهُمْ، وَاعْتَقَدَ إِيمَانَهُمْ، وَدَعَا لِمَنْ جَلَدَهُ وَاسْتَغْفَرَ لَهُ وَحَلَّلَه!

لِمَاذَا؟ لِأَنَّ الْإِمَامَ فَرَّقَ بِعَبْقَرِيَّةِ السُّنَّةِ بَيْنَ (الْمَقَالَةِ الْكُفْرِيَّةِ) وَبَيْنَ (الْمُعَيَّنِ الْمُتَأَوِّلِ)، فَعَذَرَهُمْ بِالتَّأْوِيلِ وَالتَّقْلِيدِ رَغْمَ فَدَاحَةِ الْجُرْم.

وَهُنَا نَضَعُ الْحَدَّادِيَّ فِي زَاوِيَةِ الْإِلْزَامِ الصَّارِمِ، فَنَسْأَلُهُ: أَكَانَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ مُتَهَاوِنًا فِي حَقِّ اللَّهِ وَمُمَيِّعًا لِلدِّين؟!

أَكَانَتْ غَيْرَتُهُ عَلَى صِفَاتِ اللَّهِ أَقَلَّ مِنْ غَيْرَتِكَ أَيُّهَا الْمُتَأَخِّر؟!

إِنْ قُلْتَ: نَعَم! فَقَدْ مَرَقْتَ مِنَ السُّنَّةِ وَفَضَحْتَ حَقِيقَةَ مَنْهَجِك.

وَإِنْ قُلْتَ: لَا! فَقَدْ هَدَمْتَ مَنْهَجَكَ الْإِسْقَاطِيَّ بِلِسَانِك.

فَكَيْفَ صَارَ عُذْرُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ لِلْجَهْمِيَّةِ الْجَلَّادِينَ (سُنَّةً وَوَرَعًا).. وَصَارَ عُذْرُنَا لِأَئِمَّةِ الْهُدَى فِي زَلَّاتِهِمْ (تَمْيِيعًا وَضَلَالًا)؟!

فَيَا أَيُّهَا الْمَغْرُورُ؛ أَفِقْ مِنْ سَكْرَتِك! الْإِمَامُ أَحْمَدُ يُجْلَدُ فِي ذَاتِ اللَّهِ حَتَّى يُغْشَى عَلَيْهِ، ثُمَّ يَمْسَحُ الدَّمَ وَيَسْتَغْفِرُ لِجَلَّادِيهِ الْمُتَأَوِّلِينَ.. وَأَنْتَ تَتَّكِئُ عَلَى أَرِيكَتِكَ، تَشُقُّ قُلُوبَ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ الْأَعْلَامِ لِتُكَفِّرَهُمْ وَتُسْقِطَهُمْ فِي زَلَّةِ اجْتِهَاد!

فَاتَّقِ اللَّهَ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْغَيْرَةَ عَلَى الدِّينِ لَا تَكُونُ بِانْتِهَاكِ حُرُمَاتِهِ وَاسْتِبَاحَةِ دِمَاءِ أَئِمَّتِهِ، وَتَوَاضَعْ لِمِيزَانِ السَّلَفِ قَبْلَ أَنْ يَفْضَحَكَ الْمَوْقِفُ بَيْنَ يَدَيِ اللَّه.