رسالة إلى الحدادية · 54 من 89

ابْنُ تَيْمِيَّة: الْمُتَأَوِّلُ لَا يُكَفَّرُ وَلَا يُفَسَّقُ، وَتَكْفِيرُ الْمُخْطِئِ فِي الْعَقَائِدِ لَا يُعْرَفُ عَنِ الصَّحَابَة

قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّة: الْمُتَأَوِّلُ الَّذِي قَصْدُهُ مُتَابَعَةُ الرَّسُولِ لَا يُكَفَّرُ، بَلْ وَلَا يُفَسَّقُ إِذَا اجْتَهَدَ فَأَخْطَأ. وَهَذَا مَشْهُورٌ عِنْدَ النَّاسِ فِي الْمَسَائِلِ الْعَمَلِيَّة. وَأَمَّا مَسَائِلُ الْعَقَائِدِ فَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ كَفَّرَ الْمُخْطِئِينَ فِيهَا، وَهَذَا الْقَوْلُ لَا يُعْرَفُ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَان، وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِين؛ وَإِنَّمَا هُوَ فِي الْأَصْلِ مِنْ أَقْوَالِ أَهْلِ الْبِدَعِ الَّذِينَ يَبْتَدِعُونَ بِدْعَةً وَيُكَفِّرُونَ مَنْ خَالَفَهُمْ، كَالْخَوَارِجِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَالْجَهْمِيَّة.

البيانوَثِيقَةٌ تَيْمِيَّةٌ حَارِقَة، تَنْسِفُ شَجَرَةَ الْغُلُوِّ مِنْ جُذُورِهَا التَّارِيخِيَّة، وَتَرُدُّ بِضَاعَةَ الْحَدَّادِيَّةِ الْفَاسِدَةَ إِلَى نُحُورِهِمْ!

فَهُنَا يَقِفُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ لِيَجْتَثَّ (بِدْعَةَ التَّكْفِيرِ وَالتَّبْدِيعِ بِالْخَطَأِ فِي الْعَقِيدَة) وَيَرُدَّهَا إِلَى أَصْلِهَا الْأَسْوَد.

وَهُوَ أَشَدُّ مَا يَكُونُ عَلَى مَنْ يَتَسَتَّرُ بِرِدَاءِ السَّلَف؛ إِذْ صَرَّحَ الْإِمَامُ بِأَنَّ التَّفْرِيقَ وَمَنْعَ الْعُذْرِ فِي الْعَقَائِدِ لَيْسَ مِنْ أَقْوَالِ الصَّحَابَة، وَلَا التَّابِعِين، وَلَا أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ قَطّ!

بَلْ هُوَ مِيرَاثٌ خَبِيثٌ تَلَقَّفَهُ الْغُلَاةُ الْيَوْمَ مِنْ طَوَائِفِ أَهْلِ الْبِدَعِ الصَّافِيَةِ كَالْخَوَارِج، وَالْمُعْتَزِلَة، وَالْجَهْمِيَّة!

ثُمَّ وَضَعَ الْإِمَامُ يَدَهُ عَلَى الْعَلَامَةِ الْفَارِقَةِ لِجَمِيعِ أَهْلِ الْبِدَع، وَهِيَ: (أَنَّهُمْ يَبْتَدِعُونَ بِدْعَةً، وَيُكَفِّرُونَ مَنْ خَالَفَهُمْ). فَالْقَضِيَّةُ لَيْسَتْ فِي ذَاتِ الْخِلَاف، بَلْ فِي تَحْوِيلِ الْمَسْأَلَةِ إِلَى (مِحْنَةٍ وَمِقْصَلَة) يُعْقَدُ عَلَيْهَا الْوَلَاءُ وَالْبَرَاء، وَيُسْقَطُ بِهَا الْمُخَالِفُ الْمَعْذُور؛ وَهَذَا هُوَ دِينُ الْحَدَّادِيَّةِ الْمُعَاصِرُ حَذْوَ الْقُذَّةِ بِالْقُذَّة!

وَتَأَمَّلْ كَيْفَ حَسَمَ الْإِمَامُ مَوْضِعَ النِّزَاعِ بِدِقَّةٍ مُذْهِلَة، فَقَالَ: «وَأَمَّا مَسَائِلُ الْعَقَائِدِ فَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ كَفَّرَ الْمُخْطِئِينَ فِيهَا».

فَهُوَ يَعْلَمُ يَقِينًا أَنَّ هَذَا الْمَسْلَكَ الْهَدْمِيَّ مَوْجُود، وَأَنَّ فَاعِلِيهِ (كَثِير)، وَمَعَ ذَلِكَ أَخْرَجَهُمْ وَكَثْرَتَهُمْ بِجُرْأَةٍ عِلْمِيَّةٍ صَرِيحَةٍ مِنْ دَائِرَةِ مَذْهَبِ السَّلَف!

وَعَلَّقَ عُذْرَ الْمُخَالِفِ عَلَى شَرْطٍ وَاحِد: «الَّذِي قَصْدُهُ مُتَابَعَةُ الرَّسُول». وَالْقَصْدُ سِرٌّ مَدْفُونٌ فِي الْقَلْب؛ فَمَنِ ادَّعَى أَنَّهُ يَعْلَمُ سُوءَ قَصْدِ الْأَئِمَّةِ الْأَعْلَامِ كَأَبِي حَنِيفَةَ وَالنَّوَوِيِّ وَابْنِ حَجَرٍ وَغَيْرِهِمْ لِيُسْقِطَهُمْ، فَقَدْ نَازَعَ اللَّهَ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ الَّذِي لَا سَبِيلَ لِبَشَرٍ إِلَيْه.

فَيَا لَلْعَجَبِ مِنْ حَالِكَ أَيُّهَا الْمَفْتُون! تَزْعُمُ أَنَّكَ تَرْفَعُ سَيْفَ الْجَرْحِ لِتَقْمَعَ الْخَوَارِجَ وَالْجَهْمِيَّة، فَإِذَا بِشَيْخِ الْإِسْلَامِ يُخْبِرُكَ نَصًّا أَنَّكَ تَسْتَعْمِلُ (قَوَاعِدَ الْخَوَارِجِ وَالْجَهْمِيَّةِ) ذَاتَهَا فِي قَمْعِ إِخْوَانِكَ وَإِسْقَاطِ أَئِمَّةِ الْهُدَى!

فَاتَّقِ اللَّهَ فِي نَفْسِكَ، وَلَا تَهْدِمْ صَرْحَ السُّنَّةِ بِمَعَاوِلِ أَهْلِ الْبِدَعِ وَأَنْتَ تَظُنُّ أَنَّكَ تُحْسِنُ صُنْعًا، وَاعْلَمْ أَنَّ الْإِجْمَاعَ السَّلَفِيَّ الصَّرِيحَ عَلَى عُذْرِ الْمُتَأَوِّل، لَنْ تَنْقُضَهُ قَسْوَتُكَ وَلَا كَثْرَةُ طُعُونِكَ.