رسالة إلى الحدادية · 53 من 89

ابْنُ تَيْمِيَّة: مَذْهَبُ السَّلَفِ أَلَّا يُؤَثَّمَ الْمُجْتَهِدُ الْمُخْطِئُ لَا فِي الْأُصُولِ وَلَا فِي الْفُرُوع

قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّة: قَوْلُ السَّلَفِ وَأَئِمَّةِ الْفَتْوَى كَأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَالثَّوْرِيِّ وَدَاوُدَ بْنِ عَلِيٍّ وَغَيْرِهِمْ: لَا يُؤَثِّمُونَ مُجْتَهِدًا مُخْطِئًا فِي الْمَسَائِلِ الْأُصُولِيَّةِ وَلَا فِي الْفُرُوعِيَّة، كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ عَنْهُمُ ابْنُ حَزْمٍ وَغَيْرُه. وَهَذَا هُوَ الْقَوْلُ الْمَعْرُوفُ عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ وَأَئِمَّةِ الدِّين: أَنَّهُمْ لَا يُكَفِّرُونَ وَلَا يُفَسِّقُونَ وَلَا يُؤَثِّمُونَ أَحَدًا مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ الْمُخْطِئِينَ، لَا فِي مَسْأَلَةٍ عَمَلِيَّةٍ وَلَا عِلْمِيَّة.

البيانضَرْبَةٌ تَيْمِيَّةٌ قَاضِيَة، تَنْسِفُ أَضْخَمَ الشُّبُهَاتِ الَّتِي يَبْنِي عَلَيْهَا الْغُلَاةُ دِينَهُمْ، وَتُسَوِّي صَرْحَ تَدْلِيسِهِمْ بِالْأَرْضِ!

فَهُنَا يَقِفُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ لِيَدُكَّ (بِدْعَةَ التَّفْرِيقِ) الَّتِي يَتَتَرَّسُ بِهَا الْحَدَّادِيَّةُ الْيَوْم؛ فَهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ الْعُذْرَ بِالِاجْتِهَادِ مَحْصُورٌ فِي الْفِقْهِيَّاتِ، أَمَّا مَسَائِلُ الْعَقِيدَةِ (الْأُصُولُ) فَلَا عُذْرَ فِيهَا لِمُجْتَهِدٍ أَخْطَأ!

فَجَاءَهُمُ النَّصُّ كَالصَّاعِقَة: «لَا يُؤَثِّمُونَ مُجْتَهِدًا مُخْطِئًا فِي الْمَسَائِلِ الْأُصُولِيَّةِ وَلَا فِي الْفُرُوعِيَّة».

وَلِسَدِّ مَنَافِذِ الْهَرَبِ وَالتَّأْوِيلِ، كَرَّرَ الْإِمَامُ تَقْرِيرَ الْقَاعِدَةِ بِلَفْظٍ حَاسِمٍ آخَرَ فَقَال: «لَا فِي مَسْأَلَةٍ عَمَلِيَّةٍ وَلَا عِلْمِيَّة»! وَالْمَسَائِلُ الْعِلْمِيَّةُ هِيَ (مَسَائِلُ الِاعْتِقَادِ) نَصًّا وَإِجْمَاعًا.

ثُمَّ تَأَمَّلُوا كَيْفَ حَظَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ثَلَاثَ دَرَجَاتٍ مُتَتَالِيَةٍ تُجَاهَ الْمُجْتَهِدِ الْمُخْطِئِ فَقَال: «لَا يُكَفِّرُونَ، وَلَا يُفَسِّقُونَ، وَلَا يُؤَثِّمُونَ». فَلَمْ يَكْتَفِ بِنَفْيِ الْكُفْرِ وَالْفِسْقِ، بَلْ رَفَعَ عَنِ الْعَالِمِ الْمُخْطِئِ حَتَّى أَدْنَى الدَّرَجَاتِ (وَهِيَ الْإِثْم)!

فَالْمُجْتَهِدُ الْمُخْطِئُ مَأْجُورٌ شَرْعًا غَيْرُ مَأْزُورٍ، بَيْنَمَا الْحَدَّادِيَّةُ الْيَوْمَ لَا يَكْتَفُونَ بِتَأْثِيمِ الْأَئِمَّةِ، بَلْ يُفَسِّقُونَهُمْ، وَيُبَدِّعُونَهُمْ، وَيُخْرِجُونَهُمْ مِنَ السُّنَّة!

وَانْظُرُوا إِلَى مَنْ نُسِبَتْ هَذِهِ الْقَاعِدَةُ الْعَظِيمَة؟ لَمْ يَجْعَلْهَا ابْنُ تَيْمِيَّةَ اجْتِهَادًا شَخْصِيًّا لَه، بَلْ حَكَاهَا إِجْمَاعًا قَطْعِيًّا نَاصِعًا عَنِ (الصَّحَابَةِ، وَالتَّابِعِينَ، وَأَئِمَّةِ الْفَتْوَى كَأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَالثَّوْرِيِّ).

فَمَنْ خَالَفَ هَذَا الْأَصْلَ وَمَنَعَ الْعُذْرَ، فَلَمْ يُخَالِفِ ابْنَ تَيْمِيَّةَ وَحْدَهُ، بَلِ انْسَلَخَ مِنْ مَذْهَبِ الصَّحَابَةِ وَإِجْمَاعِ أَئِمَّةِ الدِّين.

فَيَا مَنْ فَرَّقَ مَا جَمَعَهُ السَّلَفُ، وَضَيَّقَ مَا وَسَّعَهُ الشَّرْع؛ تَدَّعِي حِرَاسَةَ الْعَقِيدَةِ بِمَنْعِ الْعُذْرِ فِيهَا، وَشَيْخُ الْإِسْلَامِ يَنْقُلُ لَكَ إِجْمَاعَ الصَّحَابَةِ عَلَى عُذْرِ الْمُجْتَهِدِ فِي الْأُصُولِ كَالْفُرُوعِ! فَهَلْ أَنْتَ أَعْلَمُ بِمَذْهَبِ الصَّحَابَةِ مِنَ الْإِمَامَيْنِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ وَابْنِ حَزْم؟!

طَأْطِئْ رَأْسَكَ لِسَطْوَةِ الْإِجْمَاعِ، وَاتَّقِ اللَّهَ فِي أَئِمَّةِ الْهُدَى؛ فَوَاللَّهِ إِنَّ وُقُوفَكَ غَدًا بَيْنَ يَدَيْ دَيَّانِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، لَتُسْأَلُ عَنْ تَبْدِيعِ وَإِسْقَاطِ مَنْ (أَجَرَهُمُ اللَّهُ وَغَفَرَ لَهُمْ)، لَمَوْقِفٌ تَذُوبُ مِنْهُ الْقُلُوبُ حَيَاءً وَرُعْبًا.