ابْنُ الْمِبْرَد: «أَدِينُ اللَّهَ بِتَحْرِيمِ الْكَلَامِ فِي الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَة» وَفِي عُلَمَاءِ الدِّين
قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ الْمِبْرَدِ الْحَنْبَلِيّ: وَهَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَة، الَّذِي أَعْتَقِدُهُ وَأَدِينُ اللَّهَ بِهِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ - لَا سِيَّمَا فِي زَمَانِنَا - الْكَلَامُ فِيهِمْ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوه... وَالَّذِي أَعْتَقِدُهُ وَأَدِينُ اللَّهَ بِهِ تَحْرِيمُ ذَلِك، وَتَحْرِيمُ الْكَلَامِ فِي الْعُلَمَاءِ وَفِي أَرْكَانِ الدِّين؛ فَمَنْ تَكَلَّمَ فِي أَحَدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ فَقَدْ وَقَعَ فِي إِثْمٍ عَظِيم، وَارْتَكَبَ ذَنْبًا كَبِيرًا.
البيانعَقِيدَةٌ حَنْبَلِيَّةٌ صَارِمَة، تَقْطَعُ لِسَانَ الْمُتَطَاوِلِين، وَتَجْعَلُ تَوْقِيرَ الْأَئِمَّةِ (دِينًا يُدَانُ اللَّهُ بِه)، لَا مُجَرَّدَ رَأْيٍ يَقْبَلُ النِّقَاش!
إِنَّ مَكْمَنَ الْقُوَّةِ وَالْجَلَالِ فِي هَذَا النَّصِّ يَكْمُنُ فِي صِيغَتِه؛ فَقَدْ قَالَ الْإِمَام: «الَّذِي أَعْتَقِدُهُ وَأَدِينُ اللَّهَ بِهِ»، وَكَرَّرَهَا مَرَّتَيْنِ تَأْكِيدًا! فَهُوَ لَمْ يَجْعَلْ تَوْقِيرَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَتَحْرِيمَ الطَّعْنِ فِيهِمْ (اخْتِيَارًا فِقْهِيًّا) يَحْتَمِلُ الْخِلَافَ وَالْمُنَازَعَة؛ بَلْ جَعَلَهُ (عَقِيدَةً وَدِيَانَةً) يَلْقَى اللَّهَ عَلَيْهَا.
وَتَتَضَاعَفُ قِيمَةُ هَذِهِ الْوَثِيقَةِ حِينَ تَعْلَمُ أَنَّ قَائِلَهَا (ابْنَ الْمِبْرَدِ) فَقِيهٌ حَنْبَلِيٌّ صُلْب! وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْحَدَّادِيَّةَ يَتَتَرَّسُونَ بِبَعْضِ النُّقُولَاتِ التَّارِيخِيَّةِ لِيَصْنَعُوا وَهْمًا بِأَنَّ مَدْرَسَةَ الْحَنَابِلَةِ هِيَ مَدْرَسَةُ الْعَدَاءِ لِأَبِي حَنِيفَة؛ فَجَاءَ هَذَا الْإِمَامُ الْحَنْبَلِيُّ لِيَهْدِمَ هَذَا الْوَهْم؛ بَلْ إِنَّهُ صَنَّفَ كِتَابًا مُسْتَقِلًّا فِي الذَّبِّ عَنْ أَحَادِيثِ أَبِي حَنِيفَة، وَآخَرَ فِي مَنَاقِبِه!
لِيُعَلِّمَ الْغُلَاةَ أَنَّ السَّلَفِيَّةَ إِنْصَافٌ وَاتِّبَاع، لَا تَعَصُّبٌ وَاصْطِفَاف.
ثُمَّ تَأَمَّلْ قَيْدَهُ الْبَلِيغ: «لَا سِيَّمَا فِي زَمَانِنَا»! لَقَدْ أَدْرَكَ هَذَا الْإِمَامُ أَنَّ الطَّعْنَ فِي الْأَئِمَّةِ يَزْدَادُ قُبْحًا وَخَطَرًا كُلَّمَا بَعُدَ الزَّمَانُ وَقَلَّ الْعِلْم. فَإِذَا كَانَ هَذَا الْخَوْفُ فِي زَمَانِهِ الْمُتَقَدِّم؛ فَمَاذَا نَقُولُ فِي زَمَانِنَا هَذَا، الَّذِي صَارَ فِيهِ الطَّعْنُ فِي كِبَارِ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ "بِضَاعَةً رَخِيصَة" يُصَوِّرُهَا حَدَثٌ مَغْرُورٌ فِي دَقَائِق، وَيَبُثُّهَا لِلْمَلَايِينِ لِيَهْدِمَ بِهَا مَا بَنَاهُ الْأَئِمَّةُ فِي قُرُون؟!
ثُمَّ انْظُرْ إِلَى الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ الْقَاطِعِ الَّذِي أَطْلَقَهُ عَلَى صَنِيعِ الْغُلَاة: «إِثْمٌ عَظِيم، وَذَنْبٌ كَبِير». فَالطَّعْنُ فِي الْأَئِمَّةِ عِنْدَ ابْنِ الْمِبْرَدِ لَيْسَ (اجْتِهَادًا) يُؤْجَرُ عَلَيْهِ صَاحِبُه، وَلَا (غَيْرَةً) يُمْدَحُ بِهَا، بَلْ هُوَ (مَعْصِيَةٌ وَكَبِيرَة) تُوجِبُ التَّوْبَةَ النَّصُوح، شَأْنُهَا شَأْنُ كَبَائِرِ الذُّنُوب.
فَيَا أَيُّهَا الْمُتَطَاوِلُ عَلَى قَامَاتِ الْأُمَّة؛ أَنْتَ تَظُنُّ أَنَّ طَعْنَكَ فِي أَبِي حَنِيفَةَ وَإِخْوَانِهِ هُوَ نُصْرَةٌ لِلسُّنَّة، وَإِمَامٌ حَنْبَلِيٌّ كَبِيرٌ يُقْسِمُ بِاللَّهِ أَنَّهُ (إِثْمٌ عَظِيمٌ وَذَنْبٌ كَبِير)! فَاتَّهِمْ رَأْيَكَ الْمَرِيض، وَاعْلَمْ أَنَّ هَدْمَ أَرْكَانِ الدِّينِ لَيْسَ مَسْلَكًا لِلْمُتَّقِين، وَأَنَّ اسْتِمْرَارَكَ فِي هَذَا التَّطَاوُلِ سَيَعُودُ عَلَيْكَ بِالْخُسْرَان.
وَسَتَقِفُ غَدًا بَيْنَ يَدَيْ دَيَّانِ السَّمَاوَاتِ لِتُسْأَلَ عَنْ هَذَا الذَّنْبِ الْكَبِيرِ الَّذِي حَسِبْتَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيم.
