رسالة إلى الحدادية · 36 من 89

وَصِيَّةُ الْإِمَامِ أَحْمَد: «إِيَّاكَ أَنْ تَتَكَلَّمَ فِي مَسْأَلَةٍ لَيْسَ لَكَ فِيهَا إِمَام»

قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ رَحِمَهُ اللَّه: إِيَّاكَ أَنْ تَتَكَلَّمَ فِي مَسْأَلَةٍ لَيْسَ لَكَ فِيهَا إِمَام.

البيانهَذِهِ كَلِمَةٌ مِنْ إِمَامِ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَهِيَ مِيزَانُ سَلَامَةٍ لَا مِيزَانُ تَقْلِيد. فَلَيْسَ مُرَادُهُ أَنْ تُعَطِّلَ النَّظَر، وَلَا أَنْ تُقْفِلَ بَابَ الِاجْتِهَاد؛ وَإِنَّمَا أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ انْفِرَادَكَ بِقَوْلٍ لَمْ يَسْبِقْكَ إِلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَامَةُ خَطَرٍ لَا عَلَامَةُ تَحْقِيق. فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَتْرُكْ هَذِهِ الْأُمَّةَ قُرُونًا فِي ضَلَالَةٍ حَتَّى يَأْتِيَ الْمُتَأَخِّرُ فَيَهْتَدِيَ وَحْدَه.

وَقُلْ لِي بِاللَّهِ: أَيُّ مَسْأَلَةٍ أَعْظَمُ مِنْ إِخْرَاجِ مُسْلِمٍ مِنَ الْمِلَّةِ بَلْ وَالتَّأَلِّي عَلَى اللَّهِ بِأَنَّهُ لَنْ يَغْفِرَ لَه؟! أَخْرَجَ إِمَامًا مِنْ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ تَلَقَّتِ الْأُمَّةُ كُتُبَهُ بِالْقَبُولِ خَمْسَةَ قُرُونٍ وَبَاهَلَ عَلَى ذَلِكَ بِكُلِّ جُرْأَةٍ وَلَعَنَ نَفْسَهُ وَأَهْلَه! فَإِذَا كَانَ أَحْمَدُ يُحَذِّرُكَ مِنَ الْكَلَامِ بِلَا إِمَامٍ فِي مَسْأَلَةٍ مِنْ مَسَائِلِ الْفِقْهِ، فَكَيْفَ بِمَنْ يَجْلِسُ فَيُصْدِرُ حُكْمًا بِالرِّدَّةِ عَلَى مُعَيَّنٍ لَمْ يَسْبِقْهُ إِلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْإِسْلَام؟

وَقَدْ سُئِلَ مُحَمَّدُ بْنُ شَمْسِ الدِّينِ: مَنْ كَفَّرَ السُّيُوطِيَّ غَيْرُك؟ فَقَالَ: «وَاللَّهِ مَا أَدْرِي، وَلَا يُهِمُّنِي أَنْ يُكَفِّرَهُ غَيْرِي أَوْ لَا يُكَفِّرَه». فَتَأَمَّلْ: جَوَابُهُ هَذَا وَحْدَهُ حُكْمٌ عَلَيْهِ بِمِيزَانِ أَحْمَد، لَا يَحْتَاجُ بَعْدَهُ إِلَى مُنَاظَرَة. فَأَحْمَدُ يَقُولُ: «إِيَّاك»، وَهُوَ يَقُولُ: «لَا يُهِمُّنِي».

وَالْقَاعِدَةُ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ الْأُمَّةَ لَا تَجْتَمِعُ عَلَى ضَلَالَةٍ، وَأَنَّ الْإِجْمَاعَ الْعَمَلِيَّ الْمُتَوَارَثَ شَهَادَةٌ مُرَكَّبَةٌ لَا تُنْقَضُ بِفَهْمِ جَاهِلٍ مُتَصَدِّر. فَالسُّيُوطِيُّ مَاتَ وَأَقْبَلَتِ الْأُمَّةُ عَلَى كُتُبِهِ تَدْرُسُهَا وَتُحَقِّقُهَا وَتَتَرَحَّمُ عَلَيْهِ، وَلَمْ يُعْرَفْ عَالِمٌ مُعْتَبَرٌ وَاحِدٌ كَفَّرَه. فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ الْأُمَّةُ كُلُّهَا غَفَلَتْ خَمْسَةَ قُرُونٍ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُنْفَرِدُ هُوَ الْغَافِل. وَأَحَدُهُمَا مُحَال.

وَلَا يُقَالُ: أَحْمَدُ نَفْسُهُ انْفَرَدَ بِأَقْوَال. فَإِنَّ الْفَرْقَ بَيِّن: أَحْمَدُ إِمَامٌ مُجْتَهِدٌ شَهِدَ لَهُ أَهْلُ زَمَانِهِ بِالْإِمَامَةِ، وَإِنَّمَا كَانَ انْفِرَادُهُ فِي مَسَائِلِ نَظَرٍ لَا فِي تَنْزِيلِ أَحْكَامِ الرِّدَّةِ عَلَى أَعْيَانِ الْأَئِمَّةِ. ثُمَّ إِنَّ الَّذِي يَحْتَجُّ بِأَحْمَدَ يَنْبَغِي أَنْ يَبْدَأَ بِالْأَخْذِ بِوَصِيَّتِهِ لَا بِمُخَالَفَتِهَا.

ثُمَّ إِنَّ هَذَا الْأَصْلَ يَقْصِمُ أَصْلَ الْفِرْقَةِ كُلَّه: فَإِنَّ عُمْدَتَهُمْ أَنَّ الْحَقَّ مَعَهُمْ وَحْدَهُمْ، وَأَنَّ الْعُلَمَاءَ إِمَّا جَاهِلٌ أَوْ مُدَاهِن. فَإِذَا قِيلَ لَهُمْ: سَمُّوا لَنَا إِمَامًا وَاحِدًا سَبَقَكُمْ، لَمْ يَجِدُوا، فَانْتَقَلُوا إِلَى الطَّعْنِ فِي الْعُلَمَاءِ كُلِّهِمْ. وَهَذَا هُوَ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْمِيزَانَ مَكْسُور؛ فَإِنَّ الْمِيزَانَ الَّذِي لَا يَبْقَى مَعَهُ فِي الْأُمَّةِ إِمَامٌ، مِيزَانٌ يُرَدُّ وَلَا يُتَّبَعُ.

يَا هَذَا، إِنَّ اللَّهَ لَمْ يُوكِلْ إِلَيْكَ دِينَ الْأُمَّةِ، وَلَمْ يَجْعَلْكَ آخِرَ الْعُصُورِ عِلْمًا وَأَوَّلَهَا فَهْمًا. فَتَوَاضَعْ لِسَلَفِكَ، وَاعْلَمْ أَنَّ مَنْ مَشَى فِي طَرِيقٍ وَلَمْ يَجِدْ فِيهِ أَثَرَ قَدَمٍ وَاحِدَةٍ فَلْيَتَّهِمْ طَرِيقَهُ لَا النَّاس.

وَسَلْ نَفْسَكَ سُؤَالًا وَاحِدًا فِي خَلْوَتِكَ: لَوْ مُتَّ اللَّيْلَةَ عَلَى قَوْلٍ شَنِيعٍ كَهَذَا لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ قَبْلَكَ فِي إِمَامٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، بِمَنْ تَحْتَجُّ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ؟ فَإِنَّ الْعَبْدَ يُسْأَلُ عَنْ كَلِمَتِهِ، وَلَا يُسْأَلُ عَنْ سُكُوتِه.