رسالة إلى الحدادية · 77 من 89

أَئِمَّةُ الدَّعْوَةِ النَّجْدِيَّةِ لَا يَدَّعُونَ الِاجْتِهَادَ الْمُطْلَقَ وَيَنْتَفِعُونَ بِتَفَاسِيرِ الْبَغَوِيِّ وَالْبَيْضَاوِيّ

قَالَ الْعَلَّامَةُ عَبْدُ اللَّهِ آلُ الشَّيْخ: وَلَا نَسْتَحِقُّ مَرْتَبَةَ الِاجْتِهَادِ الْمُطْلَقِ، وَلَا أَحَدَ لَدَيْنَا يَدَّعِيهَا... ثُمَّ إِنَّا نَسْتَعِينُ عَلَى فَهْمِ كِتَابِ اللَّهِ بِالتَّفَاسِيرِ الْمُتَدَاوَلَةِ الْمُعْتَبَرَةِ، وَمِنْ أَجَلِّهَا لَدَيْنَا: تَفْسِيرُ ابْنِ جَرِيرٍ، وَمُخْتَصَرُهُ لِابْنِ كَثِيرٍ الشَّافِعِيِّ، وَكَذَا الْبَغَوِيُّ وَالْبَيْضَاوِيُّ وَالْخَازِنُ وَالْحَدَّادُ وَالْجَلَالَيْنِ وَغَيْرُهُمْ؛ وَعَلَى فَهْمِ الْحَدِيثِ بِشُرُوحِ الْأَئِمَّةِ الْمُبَرَّزِينَ: كَالْعَسْقَلَانِيِّ وَالْقَسْطَلَانِيِّ عَلَى الْبُخَارِيِّ، وَالنَّوَوِيِّ عَلَى مُسْلِمٍ، وَالْمُنَاوِيِّ عَلَى الْجَامِعِ الصَّغِير. وَقَالَ: وَلِلَّهِ دَرُّ النَّوَوِيِّ فِي جَمْعِهِ كِتَابَ الْأَذْكَار.

البيانوَثِيقَةٌ تَأْصِيلِيَّةٌ تَقْصِمُ ظُهُورَ الْغُلَاةِ، وَتَكْشِفُ الْفَجْوَةَ الْعَمِيقَةَ بَيْنَ (دَعْوَةِ الْأَئِمَّةِ) وَ(أَهْوَاءِ الْأَدْعِيَاء)!

أَوَّلُ مَا يَصْفَعُكَ فِي هَذَا النَّصِّ هُوَ (تَوَاضُعُ الْعُلَمَاءِ) فِي قَوْلِهِ: «وَلَا نَسْتَحِقُّ مَرْتَبَةَ الِاجْتِهَادِ الْمُطْلَقِ وَلَا أَحَدَ لَدَيْنَا يَدَّعِيهَا». فَالْأَئِمَّةُ الْكِبَارُ يَعْرِفُونَ أَقْدَارَهُمْ، وَيُقِرُّونَ بِحَاجَتِهِمْ لِعُلُومِ مَنْ سَبَقَهُمْ. بَيْنَمَا نَرَى الْحَدَثَ الْيَوْمَ يَتَصَدَّرُ الْمَجَالِسَ، فَيُحَاكِمُ النَّوَايَا، وَيُسْقِطُ كِبَارَ الْأَئِمَّةِ، وَيَتَعَامَلُ وَكَأَنَّهُ (الْمُجْتَهِدُ الْمُطْلَقُ) الَّذِي وُكِلَ إِلَيْهِ تَوْزِيعُ صُكُوكِ السُّنَّةِ وَالْبِدْعَة!

ثُمَّ تَأَمَّلِ الطَّامَّةَ الْكُبْرَى الَّتِي حَلَّتْ عَلَى رُؤُوسِ الْحَدَّادِيَّةِ فِي قَائِمَةِ (الْمَرَاجِعِ الْمُعْتَمَدَةِ)؛ فَقَدْ سَرَدَ الْإِمَامُ أَسْمَاءً يَرْتَعِدُ مِنْهَا الْغُلَاةُ الْيَوْمَ: (الْبَيْضَاوِيُّ، وَالْجَلَالَيْنِ) فِي التَّفْسِيرِ، وَ(الْعَسْقَلَانِيُّ، وَالْقَسْطَلَانِيُّ، وَالنَّوَوِيُّ، وَالْمُنَاوِيُّ) فِي الْحَدِيث!

هَؤُلَاءِ الْأَعْلَامُ -الَّذِينَ لَا يَخْلُو وَاحِدُهُمْ مِنْ تَأْوِيلَاتٍ- سَمَّاهُمُ الْإِمَامُ السَّلَفِيُّ النَّجْدِيُّ: «الْأَئِمَّةَ الْمُبَرَّزِينَ»، وَصَرَّحَ بِأَنَّ مَدْرَسَةَ الدَّعْوَةِ (تَسْتَعِينُ بِشُرُوحِهِمْ) عَلَى فَهْمِ الْوَحْيَيْنِ! فَهَلْ كَانَ أَئِمَّةُ الدَّعْوَةِ يَجْهَلُونَ زَلَّاتِهِمْ؟! أَمْ كَانُوا "مُمَيِّعِينَ" يُدَاهِنُونَ أَهْلَ الْبِدَعِ؟! حَاشَاهُمْ؛ بَلْ كَانُوا عَلَى (الْمَنْهَجِ السَّلَفِيِّ) الَّذِي يَزِنُ الرِّجَالَ بِالْعَدْلِ، فَيَرُدُّ الزَّلَّةَ، وَيَحْفَظُ الْإِمَامَةَ، وَيَغْتَفِرُ فِي بَحْرِ الصَّوَابِ قَلِيلَ الْخَطَأ.

ثُمَّ انْظُرْ كَيْفَ خَصَّ الْإِمَامُ النَّوَوِيَّ بِثَنَاءٍ عَاطِرٍ يَقْطُرُ مَحَبَّةً وَوُدًّا فَقَالَ: «وَلِلَّهِ دَرُّ النَّوَوِيِّ فِي جَمْعِهِ كِتَابَ الْأَذْكَار». وَهُنَا يُطْرَحُ الْإِلْزَامُ الْقَاطِعُ: الْقَوْمُ يَتَسَتَّرُونَ بِعَبَاءَةِ (أَئِمَّةِ الدَّعْوَةِ النَّجْدِيَّةِ) لِيَطْعَنُوا فِي ابْنِ حَجَرٍ وَالنَّوَوِيِّ! فَهَا هُمْ أَئِمَّةُ الدَّعْوَةِ يَصِفُونَهُمْ بِـ "الْأَئِمَّةِ الْمُبَرَّزِينَ"، وَيَدْعُونَ لَهُمْ، وَيَعْتَمِدُونَ كُتُبَهُمْ.

فَإِمَّا أَنْ تَسِيرُوا عَلَى مَنْهَجِ أَئِمَّتِكُمْ فَتُعَظِّمُوا شُرَّاحَ السُّنَّةِ، وَإِمَّا أَنْ تَتَبَرَّؤُوا مِنْ مَنْهَجِ أَئِمَّةِ الدَّعْوَةِ وَتُعْلِنُوا أَنَّكُمْ مَدْرَسَةٌ جَدِيدَةٌ شَاذَّةٌ قَامَتْ عَلَى الْإِسْقَاطِ وَالْهَدْم!

فَيَا مَنْ يَدَّعِي السَّلَفِيَّةَ وَنُصْرَةَ السُّنَّةِ؛ هَذَا هُوَ مَنْهَجُ سَلَفِكَ وَأَئِمَّتِكَ مُشْرِقٌ كَالشَّمْس! فَبِأَيِّ حُجَّةٍ تَسْتَبِيحُ أَعْرَاضَ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ الَّذِينَ اعْتَمَدَتِ الْأُمَّةُ عَلَيْهِمْ؟!

اتَّقِ اللَّهَ، وَأَنْزِلْ كِبْرِيَاءَكَ قَلِيلًا لِتَفْهَمَ كَلَامَ الْعُلَمَاءِ الْمُعْتَبَرِينَ، وَاعْلَمْ أَنَّ مَسْعَاكَ فِي إِسْقَاطِ شُرَّاحِ السُّنَّةِ وَمَفَاتِيحِهَا، سَيَعُودُ عَلَيْكَ بِالْعَمَى وَالْحِرْمَان.

وَلَنْ تَحْصُدَ مِنْ هَذَا الْغُلُوِّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا خُصُومَةَ أَئِمَّةٍ حَفِظُوا مِيرَاثَ النُّبُوَّةِ، فَبِئْسَ الْخُصُومُ هُمْ لَكَ بَيْنَ يَدَيِ اللَّه.