قبل أن تردَّ على أحد، اعرف على أي شيء تردّ. فإن أكثر ما أفسد هذا الباب رجلان: رجلٌ يرمي بالحدادية كلَّ من اشتدّ في الحق، ورجلٌ يدفع عن نفسه الوصفَ بأنه لم يقرأ لمحمود الحدّاد حرفًا. وكلاهما أخطأ الموضع؛ لأن القضية ليست في الاسم، ولا في النسبة، ولا في مقدار ارتفاع الصوت.
الحدادية منظومةُ قواعد. وأنت لا تُعرَف بما تُعلن، بل بما تعمل به. فرجلٌ لم يسمع بالحدّاد قطُّ وهو يُجري قواعده كلها، حداديُّ المنهج وإن أنكر الاسم؛ ورجلٌ اشتدّ في موضع الشدة وميزانه سليم، ليس منهم وإن سمّاه خصومه بذلك ألف مرة.
تعال نضبط الأمر من أوله. ليست الحدادية اسمًا لجماعة لها بطاقات عضوية، ولا لقبًا جاهزًا يُرمى به كل مخالف، ولا مرادفًا لكل عبارة قاسية. الأدقّ أن تُعرَّف بوصفها منظومةً من القواعد المتساندة في الحكم على الأقوال والأشخاص؛ فإذا تكررت هذه القواعد في خطاب رجل، واستقرّت، وصارت تُنتج أحكامًا متتابعة، أمكن نقدُها باعتبارها منهجًا.
وانتبه للقيد: التكرار والاستقرار. أما خطأٌ واحد، أو انفعالٌ عابر، أو تشدُّدٌ في مسألة منفردة، فلا يكفي وحده لنسبة إنسان إلى هذا المنهج. ومن ألحق رجلًا بمنهج كامل بسبب مقطع واحد فقد صنع بالرجل عين ما ننقمه على القوم.
وهنا تبدأ المشكلة عندهم: تُختصر المراحل العلمية في قفزة واحدة. يثبت لفظ، فيُحكَم على معناه، ثم يُنقل الحكم نفسه إلى قائله، ثم إلى من جالسه أو أثنى عليه أو توقّف فيه، من غير دليل مستقل لكل انتقال. وبذلك تتحول أحكامٌ خطيرة كالتكفير والتبديع من نتائجَ تحتاج بيّنات وشروطًا، إلى عدوى تنتقل من شخص إلى آخر بالمخالطة.
جوهر الحدادية ليس استعمال الألفاظ القاسية. قد يشتدّ العالم بحقٍّ في موضع الشدة ولا يكون حداديًّا البتّة. وإنما جوهرها اجتماعُ أصولٍ مُنتِجة، إذا اجتمعت في خطاب رجل عملت عملها فيه شاء أم أبى. وهذه رؤوسها؛ وستراها مفصَّلةً على ثلاثين أصلًا في موضعها من هذا القسم.
الأصول المجتمعة التي تصنع المنهج
التسوية بين المقالة وقائلها
يثبت أن القول كفر أو بدعة، فيَنتقل في النفَس نفسه إلى أن قائله كافر أو مبتدع، كأن الرجل ليس له علمٌ وقصدٌ وتأويلٌ وسياق.
تبديع كل من وقع في بدعة
فيُمحى الفرق بين الزلّة العارضة والمنهج المستقر، ويصير تاريخُ الأئمة قائمةَ مُبتدعة.
إلغاء العذر والتأويل
يقال: المسألة عقيدة فلا عذر، والنصّ وصل فقد قامت الحجة. وبهذا يسقط فقه الأعيان كله من أصله.
التكفير والتبديع باللازم
يبني سلسلةً ذهنية في رأسه، ثم ينسب آخرها إلى خصمه، والخصم ينفي المقدمة والعلاقة والنتيجة جميعًا.
إسقاط الإمامة بالزلّة
يُعاد تعريف الإمام بأنه من لم يخطئ في الاعتقاد، فلا يبقى إمام إلا من وافق الجماعة.
تحويل الأشخاص إلى امتحانات
يصير سؤال «ما موقفك من فلان؟» أهمَّ من سؤال «ما دليلك؟»، ويُقاس صدق الرجل بقدرته على ترديد قائمة.
احتقار تلقّي الأمة
قرونٌ درست الكتاب وانتفعت به وعرف نُقّادها مواضع الخطأ فيه، ثم يجيء متأخر فيزعم أنه وحده اكتشف كتاب ضلال.
جعل القسوة علامةً على السنة
فيُظنّ أن الغلظة برهان، وأن اتساع دائرة المُسقَطين دليلُ اتساع الاتباع.
وأبرزُ ما يُعرَفون به في العمل: النبشُ في كتب العلماء، وإشهار زلّاتهم، بل الفرح بها. وهذه علامةٌ لا تخطئها عين. اقرأ رجلًا يذكر إمامًا، ثم انظر: أيذكره ليتعلّم منه فيَعرِض في أثناء ذلك خطأً يردّه، أم يذكره وقد فتح الكتاب أصلًا ليصطاد؟ الأول طالب علم، والثاني صيّاد. والفرق بينهما يظهر في وجه صاحبه قبل أن يظهر في قلمه.
قد يقول لك قائل: أفتريدون خطابًا رخوًا لا يُسمّي الباطل باطلًا؟ لا والله. الشدة الشرعية المنضبطة بابٌ آخر بالكلية؛ فقد يكون البيان قويًّا، والردُّ صريحًا، والعبارة قاطعة، مع بقاء النسبة أمينة، والسياق محفوظًا، والشروط معتبَرة، والميزان واحدًا للحليف والخصم.
فالقوة ليست في كثرة الألقاب، ولا في اتساع دائرة المُسقَطين، ولا في ارتفاع الصوت. القوة في وضوح الدليل، ودقّة محل النزاع، والتناسب بين ما ثبت وبين النتيجة المستخرَجة منه. وأضعفُ الناس حجةً أكثرهم نعوتًا.
الواقعة الواحدة في الميزانين
- يُثبِت المادة أولًا، ثم يفهم معناها في سياقها، ثم يحكم على المعنى.
- يفصل بين حكم القول وحكم القائل، ويطلب لكل انتقالٍ دليلَه.
- يعتبر الشروط والموانع في المعيَّن: علمه وقصده وتأويله وقيام الحجة عليه.
- يردّ الخطأ بأصرح لفظ، ويحفظ لصاحبه سابقته وإمامته وانتفاع الناس بعلمه.
- يُجري القاعدة نفسها على القريب والبعيد، فإن اختلف الحكم طلب الفارق المؤثر.
- يقف حيث انتهى علمه، ويقول: لا أدري، ولا يرى ذلك نقصًا.
- يبدأ من النتيجة المطلوبة، ثم يبحث عن نصٍّ يسندها.
- يقفز من قبح المقالة إلى إدانة قائلها بلا مرحلة وسطى.
- يعدّ بحث الشروط والموانع تمييعًا، وطلبَ السياق دفاعًا عن الباطل.
- يجعل الزلّة هويةً، فتُمحى بها سبعون سنة من خدمة السنة.
- يقبل لصاحبه ما يمنعه عن خصمه في الواقعة نفسها بلا فارق.
- لا يعرف التوقف؛ فالسكوت عنده جُبن، والتثبت مداهنة.
انظر معي كيف يُؤخَذ الشاب. هو في الغالب صادقُ الغيرة، يحبّ العقيدة، ويكره أن يُنتقص الدين. فيُقدَّم له عالَمٌ شديد البساطة: نحن أهل السنة، وكلُّ من خالف حكمنا مميِّعٌ أو مبتدع أو كافر. تختفي المسافات العلمية دفعةً واحدة، ويشعر المبتدئ أنه صار في أيام قادرًا على محاكمة أئمةٍ أفنَوا أعمارهم. وهذه لذّةٌ سريعة، وهي بديلٌ زائف عن مشقّة الطلب.
ثم يدخل الباب الدوّار فلا يشعر. يدخل بسبب قضية تبدو محكَمة، ثم يتلقّى قائمة أسماء، ثم يُمتحَن بمن يترحّم عليهم، ثم تُقطع عنه مصادره السابقة، ثم لا يبقى له إلا رموز الجماعة. وكلما انعزل زاد اعتماده عليهم، وكلما زاد اعتماده صدَّق عزلته ووصفها بأنها غربة أهل الحق. فيا لها من دائرة! كلما ضاقت سمّاها اتساعًا.
وتُعاد تسمية الفضائل بأسماء الرذائل. المتوقفُ عند حدّ علمه يُسمّى مميِّعًا، والمتثبِّتُ يُسمّى جبانًا، والحافظُ لمقام عالم يُتَّهم بالدفاع عن البدعة. فإذا استقام هذا القلب في رأس الشاب، صار الورعُ عنده جرأةً على الأعراض، وصارت الجرأة على الأعراض ورعًا. وهل بعد هذا انتكاس؟
أدواتٌ أربع تُبقيه في الداخل
العدوّ الدائم
إذا سقط اسمٌ جيء بغيره، وإذا انتهت قضيةٌ فُتحت أخرى؛ لأن بقاء الجماعة متوقف على بقاء التعبئة. فلا يعيش التابع مع القرآن والعبادة والبناء، بل مع مقاطع الردود وقوائم المواقف. يضعف وجدانه الإيماني، ويتضخّم شعورُه بأنه حارس العقيدة.
الإغراق
يُرمى المخالف بعشرات النقول والأسماء والألقاب في وقت واحد، فيتوهّم الجمهور أن الكثرة قوة، وكلُّ دعوى منها قد تكون ضعيفة. وعلاجه تفكيك الحزمة إلى وحدات: نقلٌ، فدلالة، فحكم، فلازم، فأثر. ولا تنتقل إلى التالية حتى تُغلق السابقة. فإذا سقطت الوحدات سقط وهمُ الجبل.
الاستعلاء المعرفي
يقدّم المتصدر نفسه بوصفه من اكتشف ما عجزت عنه الأمة، ويصوّر العلماء الراسخين أسرى للمجاملة أو السياسة أو الجهل. وهذه الدعوى تمنح التابع حصانةً من كل مرجعية خارجية: فكلُّ عالم يخالفهم يصير دليلًا جديدًا على فساد العلماء.
يقين الجماعة لا يقين الدليل
الدليل عندهم مقبول ما دام يُنتج الحكم المطلوب، فإذا أنتج خلافه أُعيد تفسيره، أو قيل إن العالم الذي ذكره مميِّع. ولذلك لا يكفي أن تُحضر نصًّا واحدًا؛ يجب أن تكشف الآلة التي تعيد تدوير كل اعتراض لمصلحة الجماعة.
وهنا أصلٌ لا بد من ضبطه قبل أن نمضي. الحكم على الأصل ثابتٌ لا يتغير، لكن الناس تحته طبقاتٌ لا تستوي، ومن سوّى بينهم في الخطاب أفسد من حيث أراد الإصلاح.
طبقات الظاهرة وعلاج كل طبقة
المنظِّر الذي يبني القاعدة
يُضرب معه الأصلُ والتعريف وسلسلة الاستدلال. فإنه لا يُهزم بردّ فرعٍ من فروعه، بل بكسر القاعدة التي تُولّد الفروع كلها.
المتصدِّر الذي يُنزِّلها على الأعيان
يُزاد معه كشفُ التناقض بين القاعدة التي يعلنها والتطبيق الذي يجريه. فهو غالبًا يقرر ما لا يلتزمه، ويلتزم ما لا يقرره.
المروِّج الذي يختصرها في مقطع
يُكشف معه البترُ والتضليل؛ فإن بضاعته اقتطاعُ الجملة من موضعها، وحذفُ ما قبلها وما بعدها، وتركيبُ عنوانٍ لا يشهد له المتن.
الشابّ المنجذب إلى صورة الحزم
تُفَكّ عنده الرابطةُ الموهومة بين الشدة والسنة، وتُقدَّم له مرجعيةٌ علمية بديلة يأوي إليها. ومن هدم عند الشاب ما يعتقده ولم يبنِ له بديلًا تركه في العراء.
من مزّقت الحداديةُ صلته بأهله
يُقرَّر عنده حرمةُ التكفير بغير حق، ويُفصَل بين برّ الوالدين وبين الخلاف العلمي، ويُمنَع من تحويل بيته إلى ساحة امتحان. فما جعل الله طاعةً في قطيعة رحم.
قف عند هذا الموضع طويلًا؛ فإنه وحده يُغني عن مجلدات. ليس ميزان القوم في اختيار من يُرمَى هو القولَ نفسه، بل مقدارَ الحماية التي يملكها قائله.
فالمعاصر الذي يردّ عليهم يُبدَّع ويُكفَّر ويوصف بأبشع الأوصاف، وهو لا يقول إلا بما قاله علماء السنة. والعلماء أصحاب الهيبة والشهرة ومحبّة الناس، كابن باز وابن عثيمين والألباني، ومن قبلهم كابن تيمية وابن القيم وابن كثير والذهبي وابن رجب، يقولون الكلام نفسه بحروفه فلا يُتعرَّض لهم بحكم؛ بل يُظهر القومُ حبَّهم وتعظيمهم خوفًا من انفضاض الجمهور. فإن محبة الناس لهؤلاء الأئمة سُورٌ لا يجرؤون على تسلّقه علانية.
فصار القول الواحد بدعةً مكفِّرة في يد من لا جمهور له، معذورًا مغفورًا في يد المشهور. وهذا وحده يُسقط دعوى أنهم يتّبعون الدليل؛ فالدليل لا يعرف الهيبة. والحكم الذي يشتدّ على الضعيف ويلين للمشهور حكمُ سلطةٍ لا حكم علم.
ثم هم مع إظهار التعظيم يَلمِزون هؤلاء الأئمة لمزًا مبطَّنًا. فيوصف كلامٌ لشيخ الإسلام ابن تيمية احتجّ به عليهم مخالفٌ بأنه «كلام فارغ». ويقال: نحن نعذر ابن باز وابن عثيمين في قولهما بإمامة النووي، ونعذرهما بالجهل. تأمّل هذه وحدها؛ ففيها ثلاث فضائح مجتمعة: جعلَ القولَ بإمامةٍ أطبقت عليها الأمةُ خطأً يحتاج إلى عذر، ونصَّب نفسه فوق أئمة العصر يمنحهم صكوك العذر ويصفهم بالجهل، وصرَف عملة العذر بالجهل لمن يهاب جمهورَهم ومنعها عمّن يردّ عليه ومن النووي نفسه. فالعذر عنده ليس بابًا شرعيًّا يجري على الجميع بضوابطه، بل عملةٌ تُصرَف عند الحاجة وتُمنع عند الخصومة.
وهذه هي الضربة التي لا يُفلت منها. تأتي إلى القول الذي بدّع به فلانًا، فتأتيه بلفظ الإمام المهيب في عين المسألة، ثم تقول له:
هذا القولُ الذي حكمتَ به على فلان هو بعينه قولُ الإمام الفلاني. فاختر واحدةً من ثلاث، وليس لك رابعة.
- إن أطردتَ حكمك في الإمامافتضحتَ عند جمهورك، وسقط عنك سِتْرُ التعظيم الذي تختبئ خلفه.
- وإن رفعتَه عن المعاصرسقطت أحكامك كلها، لأنك أقررت أن القول ليس بدعةً في نفسه.
- وإن فرّقتَ بلا فارق مؤثرشهدتَ على نفسك أن ميزانك هيبةُ القائل لا حقيقةُ القول، وهذا هو الهوى بعينه.
ومن صور اللعبة أن يُبدَّع الرجل لأنه قال قولًا قاله إمامٌ معظَّم، ولا يُتعرَّض للإمام نفسه. فيصير النقلُ عن الإمام جريمةً، والقولُ الأصلي في كتاب صاحبه مغفورًا لا يُمَسّ. وهذا قلبٌ ظاهر: إن كان القول بدعةً فصاحبه الأول أولى بالحكم، وإن كان صاحبه الأول معذورًا فناقله المتابع له أولى بالعذر. فأين يذهب؟
وهذا الضبط كله في الرؤوس الظاهرين على المنصات. وأما الأتباع والغلمان ومشرفو القنوات فيُصرِّحون بما يَلمِز به الرؤوس: يكفّرون النووي، ويكفّرون العلماء، ويسبّونهم. وهم أصدق من رؤوسهم وأصرح في إظهار حقيقة المذهب؛ لأن التابع يقول ما تعلَّمه قبل أن يتعلّم حسابَ الجمهور. والرؤوس جسرٌ يدلّ الناس على التكفير وإن لم ينطقوا به: يقدّمون المقدمات، ويصوّرون خصمهم للجمهور كأنه شيطان رجيم وهو لا يقول إلا بقول علماء السنة، ثم يتركون الجمهور يستخرج النتيجة التي بُنيت لها المقدمات.
فإذا صرّح بها الغلمان لم تجد إنكارًا واحدًا من جنس إنكارهم الصاخب على المخالفين. وغَيرةٌ تنفجر على من ترحَّم على النووي وتنام عمّن كفّره، ليست غيرةً على السنة؛ إنها غيرةٌ على السلطة. والشجرة تُعرف بثمرها.
ولستُ أريد بهذه المقارنة إلحاقَ الأعيان بالفرق؛ فبين الأمرين فرقٌ كبير، والخلط بينهما هو عين ما ننقضه على الخصم. فيقال: هذه الآليةُ هي آلية الفرقة الفلانية، ولا يقال: هؤلاء هم تلك الفرقة، إلا بما تحمله البيّنة. وإنما الفائدة أن تعلم أن الغلوّ ليس حادثةً بلا سابقة، وأن له سُننًا مطّردة تُعرف بها بداياته قبل أن يستحكم.
مع الخوارج: أربع آليات
تنزيلُ نصوص الوعيد على المعيَّن بلا شروط، وجعلُ الكبيرة أو الزلّة ناقلةً عن الملّة أو عن السنة، والخروجُ على جماعة أهل العلم بدعوى أنهم داهنوا، وتكفيرُ من لم يوافق على التكفير. وهذه الأخيرة أخطر الحلقات؛ لأنها تحوّل الحكم إلى سلسلة لا تقف. والفرق أن أولئك استحلّوا الدماء وهؤلاء استحلّوا الأعراض وأهدروا الفضل بالزلّات.
مع الرافضة: آليتان
بناءُ الديانة على الموقف من الأشخاص لا على النص، وجعلُ الولاء والبراء دائرًا على قائمة أسماء تُحفَظ ويُمتحَن بها الناس. ومتى صار الموقف من الأشخاص أسبقَ من الموقف من الأقوال، تحوّل العلم إلى ولاء مذهبي مغلق، وإن اختلفت العقائد التفصيلية بين الجماعتين.
مع المعتزلة: المنزلة بين المنزلتين معكوسةً
فكما أحدث أولئك منزلةً بين الإيمان والكفر، أحدث الغلاة منزلةً بين السنة والبدعة اسمها «التمييع»، يُنزَّل فيها من لم يوافقهم وإن لم يقولوا ببدعته صراحة. وهي منزلةٌ لا يحرسها نصّ، بل يحرسها خوف الأتباع من الطرد.
ومع المرجئة: تقابلٌ لا اشتراك
وهذا مهمٌّ في الرد. هم يرمون مخالفيهم بالإرجاء، والحال أن نزاعهم مع أهل السنة ليس في حقيقة الإيمان ولا في دخول العمل فيه، بل في شروط تنزيل الحكم على المعيَّن، وهذا بابٌ آخر لا صلة له بمسألة الإرجاء. فمن سمّى تحقيقَ المناط إرجاءً فقد أخطأ في تصوير المذهبين معًا.
وهذا آخر ما أوصيك به في هذا الباب، وهو أثقلها على النفس. لا تصف شخصًا بمنهج كامل بسبب مقطع واحد. ولا تبنِ حكمًا على خصومة. ولا تستبدل لقبًا بلقب. ولا تجعل «حدادي» كلمةً تُسكِت بها من ناقشك كما يصنعون بكلمة «مميِّع». فإنك إن فعلت فقد أخذتَ سلاحهم وقاتلتَ به، وما أخذتَ سلاح قومٍ إلا صرتَ منهم من حيث لا تشعر.
النقد الصحيح يحدّد القاعدة الفاسدة، ويعرض دليل فسادها، ويتتبّع أثرها، ثم يقف عند القدر الذي ثبت. لا يزيد حرفًا. فبهذه الطريقة يُنقض الغلوُّ من جذره من غير أن يُعاد إنتاجه باسم آخر.
فالحدادية إذن ليست شدةً زائدة في السنة، ولا غَيرةً بلغت مبلغًا عظيمًا. إنها فسادٌ في أصول الحكم والتنزيل، ونبتةُ غلوٍّ غريبة عن جسد السنة، والعدل يقتضي بترها بالبيان العلمي الرصين لا بغلوٍّ مضاد.
وقد عرفتَ الآن ما تواجه. فتعال أُرِك من أين جاء.
