صبُّ الخمول: رسالة ابن المبرد الحنبلي إلى من يؤذي أولياء الله

بين يديّ كتابٌ اسمُه «صبّ الخمول على من وصل أذاه إلى الصالحين من أولياء الله عز وجل»، لأبي المحاسن يوسف بن حسن بن عبد الهادي، المعروف بـابن المبرد الحنبلي.

وقبل أن أنقل منه حرفًا، أُثبت شيئًا: هذا هو الإمام الحنبلي الفقيه المحدّث الذي تعتمدون عليه وتحتجّون بكلامه. ثم تدعون كلامه التفصيلي في شأن الإمام العَلَم أبي حنيفة النعمان، وأنه مع الأئمة الثلاثة الفقهاءِ خيرُ الناس بعد أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. وتدعون قوله في الإمام النووي: إنه ثاني أفضل رجلٍ في الأمة في عصره. وتدعون قوله في الحافظ ابن حجر: إنه أفضل رجلٍ من أمة النبي صلى الله عليه وسلم في عصره. كلُّهم عنده أفضل الناس في عصورهم علمًا وديانةً وورعًا وتقًى.

فهذا رجلٌ تأخذون منه ما يوافقكم وتتركون منه ما يُلزمكم. وها هو كتابٌ كامل صنّفه في بابٍ واحد: مَن آذى وليًّا لله.

الحديث الذي بُني عليه الكتاب

ساق ابن المبرد حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وهو في «الحلية» لأبي نعيم وأصلُه في «صحيح البخاري»، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

إن الله عز وجل قال: مَن آذى لي وليًّا فقد آذنتُه بالحرب. وما تقرّب إليّ عبدي بشيءٍ أفضلَ من أداء ما افترضتُ عليه، وما يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنوافل حتى أحبَّه، فكنتُ سمعَه الذي يسمع به، وبصرَه الذي يبصر به، ويدَه التي يبطش بها، ورجلَه التي يمشي بها. فلئن سألني عبدي أعطيتُه، ولئن استعاذني أعذتُه. وما ترددتُ عن شيءٍ أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن، يكره الموت وأنا أكره مساءته.

والنووي رحمه الله من أولياء الله، كما قال الحافظ ابن رجب: «الوليّ القدوة، النووي، علَم الأولياء».

ثم قال ابن المبرد

فإياك إياك أن تنال أحدًا من أولياء الله بسوء، فيعاديك سبحانه، فيؤذنك بالمحاربة، فتقع معه فيما لا قدرة لك على دفعه عن نفسك بالجنود. الحذارَ الحذار، التوقّي التوقّي، لا تُهلك نفسك. لا يغرّك الشيطان بالقوة الشيطانية، ولا تغترّ بجنودك وأعوانك وعساكرك وإخوانك.

ثم ساق حديث عائشة رضي الله عنها عند أبي نعيم، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يروي عن ربه عز وجل: «من آذى لي وليًّا فقد استحلّ محاربتي»، وهو يشهد له حديث أبي هريرة. ثم قال:

فيا من استحلّ محاربة ربه وخالقه، ومن يقدر على إهلاكه بقوله: مُتْ فيموت، وذُبْ فيذوب، وليس يقدر هو معه على شيءٍ بالكلية! ما أقلَّ عقلك وما أتعسك! تأمّل حالك، فإنه كيف أراد أحالك. ولا تُدخل نفسك في محاربة ربك بأن تضرّ أحدًا من أوليائه أو تعاديه أو تقع فيه في وجهٍ من وجوه الأذى، حتى ولا بكلمة، فيكون ذلك سببَ هلاكٍ وتعسٍ في الدنيا والآخرة. فكم من واحدٍ أخمل نفسه بمثل ذلك!

وأثر معاذٍ عند القبر

وروى عن زيد بن أسلم عن أبيه قال: وجد عمر بن الخطاب رضي الله عنه معاذَ بن جبل قاعدًا عند القبر يبكي، فقال له عمر: ما يبكيك؟ قال:

يبكيني شيءٌ سمعتُه من رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن يسير الرياء شرك، وإن من عادى أولياء الله فقد بارز الله بالمحاربة.

رواه أبو نعيم في «الحلية»، ورواه الحاكم وابن ماجه، وصحّحه بعض الباحثين المعاصرين.

ثم قال ابن المبرد: «فإياك أن تبارزه بالمحاربة فتقع فيما لا قدرة لك ولا لأحدٍ على دفعه». ونقل عن الحافظ أبي نعيم: «كيف تستجيز نقيصة أولياء الله؟ ومؤذيهم يُؤذِن بمحاربة الله جل جلاله».

ثم قال، وهذا موضع القلب من الرسالة

فكُفَّ يدك ولسانك وقلبك وجميع جوارحك عن أولياء الله عز وجل. وإياك وإياك أن تُهلك نفسك في الدارين، وتحرقها بالنارين، فتوجب لها العارين. فليس بعد ذلك نقاء، وليس معه قرة عين. هذا لعمرك الصغارُ بعينه.

فمن عاداهم هلك، ومن والاهم سلِم، ومن قرُب منهم عَلِم، ومن جالسهم غَنِم.

وقال أيضًا:

فمن بارزهم بالعداوة فقد بارز الله ولن يُعجزه. والله هو وليُّهم وناصرُهم ومولاهم في الدنيا والآخرة، وهو الآخذ بثأرهم في الدنيا والآخرة. فيا من نصب نفسه لمعاداة الخالق، وجعله خصمه وعدوّه والثائرَ عليه: أين تهرب؟ وبأيّ حصنٍ تتحصّن؟ وبأيّ أعوانٍ وعُددٍ تتقوّى؟

وشهادةُ رجلٍ رأى بعينه

ثم ختم بما هو أثقلُ من كل ما مضى، لأنه لم يقله استنباطًا، بل قاله عن مشاهدة:

ولقد رأينا كثيرًا من المؤذين لم يُمهلهم الله عز وجل حتى يبلغوا مناهم. وقد رأينا كلَّ من بغى وتعدّى على الناس لم يُمهَل إلا يسيرًا حتى أُخذ. والمؤذي قصيرُ العمر، وإنما يستطيل الناس أعمارَهم لسآمة النفوس من أذاهم، وتلقاهم يصيبهم من الأذى أكثرُ مما يؤذون الناس. وما قطُّ بغى قومٌ إلا قرضهم الله عز وجل قرضًا سريعًا. وقد رأينا غير طائفةٍ يبغون فيمحقهم الله كلَّهم سريعًا.

وبعد

فهذه رسالةٌ من الإمام ابن المبرد الحنبلي إلى هؤلاء الذين يعادون أولياء الله عز وجل، ويضلّلون أولياء الله، ويبدّعون أولياء الله، بل ويكفّرون بعض أولياء الله تبارك وتعالى.

فاحذروا غضب الله جل جلاله. ونسأل الله عز وجل أن يجعلنا سِلمًا لأوليائه، حربًا على أعدائه.

الشيخ أبو الفضل المصري

كلّ المقالات منهج التوثيق والتصحيح
المزيد

مقالات أُخرى