ميزان المطففين.. كيف تُغتفر خطايا الأحياء وتُستباح دماء الأموات؟

12 أغسطس 2026 شؤون إسلامية

يا أخي، قف معي وقفة اعتبار، وتأمل في وعيد الله للمطففين؛ فإذا كان الويل والثبور لمن يُنقص الناس درهماً من حطام الدنيا، فكيف بمن يُطفّف في أعراض المسلمين؟ وكيف بمن ينصب ميزانين: ميزاناً لشيوخه وحزبه يزن به بمثاقيل الذر من الأعذار، وميزاناً لمخالفيه ولأئمة الأمة يزن به بجلاميد الصخر من الإدانة والإسقاط؟!

القاعدة الذهبية المقلوبة

إنك لتعجب يا بني من صنيع هؤلاء المتعالمين؛ لقد أسسوا منهجاً قاعدته: «أشياخنا يُعذرون لأنهم بشر، وأئمة الأمة يُسقطون لأن الحق أحق أن يُتبع!».

فإذا زلّ شيخٌ من شيوخهم المعاصرين في طامة علمية أو خطأ عقدي، هبّوا لنصرته متذرعين بقاعدة: «الرجل بحر من السُّنّة، والماء إذا بلغ القلتين لم يحمل الخبث!». لكن متى تُطبق هذه القواعد؟ تُطبق حصراً على من يرضون عنه.

أما إذا انتقلنا إلى جبال العلم وورثة الأنبياء؛ كالإمام أبي حنيفة، أو الحافظ ابن حجر، أو الإمام النووي، تطايرت تلك القواعد في الهواء! يأتيك حدث السن، ليقول وعروق رقبته منتفخة: «أبو حنيفة مرجئ! والنووي أشعري مبتدع!». فيا سبحان الله! أين ذهبت قاعدة «الماء إذا بلغ القلتين»؟ أليس النووي وابن حجر بحوراً من بحور السنة؟ كيف يسمح عقل مسلم أن يعتذر لمتصدر يسب ويشتم ويخطئ في أبدهيات العلم، ثم يرفض الاعتذار للإمام النووي الذي أفنى عمره خدمةً للدين؟!

هل صار الموت دليلاً على الإدانة؟

لكي يفروا من هذا التناقض المفضوح، يقولون لك: «أشياخنا أحياء، يُناصحون وربما يتراجعون، أما أئمة الماضي فقد ماتوا على بدعتهم، فوجب التحذير منهم!».

انظر إلى هذا التلاعب المكشوف! هل الموت صار دليلاً على الإدانة؟ إن العالم إذا مات أفضى إلى ما قدم، فإذا اجتهد فأخطأ فله أجر اجتهاده كما صح عن النبي ﷺ، وخطؤه مغفور في بحر بذله لدين الله. كيف تجعل من انقطاع عمله بالموت حجة لإخراجه من السنة؟ ألم يمت كثير من السلف على أقوال مرجوحة ولم يسقطهم أحد؟

مثالٌ عملي: الإمام أبو حنيفة

ولنضرب مثلاً يفضح فساد منهجهم: الإمام أبو حنيفة النعمان. إمام متبوع، رضيته الأمة وتلقت فقهه بالقبول. قد تقع له مصطلحات فُهمت على غير وجهها، وقد رد عليه علماء عصره. هذا هو المسلك السني: الرد مع حفظ المقامات.

لكن ماذا يفعل المتعالم؟ يتجاهل تزكيات الأمة، ويجمع بضعة أقوال قيلت في سياق الخصومة، ليقرر: «أبو حنيفة ليس من أهل السنة!». يستلون نصوصاً مبتورة، ويرفضون كلام المحققين كابن تيمية الذي رفع عن أبي حنيفة تهمة الإرجاء المذموم. لماذا يرفضون كلام ابن تيمية هنا وهم يدّعون حراسة تراثه؟ لأن منهجهم لا يتغذى إلا على الهدم؛ يصنعون «أصناماً» من شيوخهم المعاصرين، ليهدموا بها كبار الأمة!

من يكسر من؟

يا مسكين، متى تستفيق من غفلتك؟ إن الذي يقف أمام الجبل ليناطحه لا يكسر الجبل، بل يكسر قرنه. هؤلاء الأئمة جاوزوا القنطرة وكتب الله لهم القبول. هل تظن أن شتيمة في مقطع يوتيوب ستسقط «رياض الصالحين» من المساجد؟ أو تمحو المذهب الحنفي الذي يدين به الملايين؟ كلا والله! إنما تكشفون ضحالة علمكم وسوء أدبكم.

وصية مشفقة

فيا طالب النجاة، احذر من ميزان المطففين. كن مع العدل والإنصاف، اعرف لأهل الفضل فضلهم، وخذ صوابهم ودع خطأهم. وتذكر وقوفك بين يدي الجبار جل جلاله؛ يوم لا ينفعك شيخ تعصبت له، ولا حَزْب انتصرت له بالباطل، يوم تُسأل عن كل كلمة قلتها في عرض مسلم، فكيف بمن تجرأ على ورثة الأنبياء؟

كلّ المقالات منهج التوثيق والتصحيح
المزيد

مقالات أُخرى