خديعة السراب.. كيف تسللت الحدادية إلى قلوب الصغار باسم السنة؟
يا أخي، قف وتأمل بقلب باحث عن النجاة: من أعظم مكايد الشيطان التي ينصبها للمبتدئين في طريق الالتزام، أن يُزين لهم الغلو في ثوب الغيرة، ويُلبسهم البغي في لبوس السنة.
لقد رأينا في هذا الزمان عجباً؛ أقواماً حدثاء الأسنان، لا سابقة لهم في رسوخ العلم ولا في التقى، تصدروا المجالس ورفعوا راية «نحن أهل الأثر»، فتهافت عليهم بعض الشباب تهافت الفراش على النار، يظنون السراب ماءً، والسم الزعاف دواءً، باسم حماية التوحيد والعقيدة!
كيف دخل هذا البلاء؟
إن أول مداخل إبليس على هؤلاء كان من باب «المظهرية الخادعة». الشاب حين يقبل على الهداية، تشتعل في قلبه الغيرة، فيأتيه الشيطان ليقول له: «إن أردت السنة الصافية، فدونك هؤلاء؛ لا يساومون ويصدعون بالحق».
فينظر الشاب، فإذا به يرى رجلاً يطيل اللحية، ويغلظ القول، ويُكثر من إطلاق كلمة «بدعة» و«ضلالة»، فيعتقد المسكين أن هذا هو وريث أحمد بن حنبل!
وما علم أن الخوارج الأوائل كانت سيماهم أشد من ذلك، حتى قال النبي ﷺ فيهم: «يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم». يا بني، ليست العبرة بالسمت الظاهر إذا فارق المنهج الباطن، إنما الشأن في الفقه عن الله، وفي التخلق بأخلاق ورثة الأنبياء.
ميزان «اتباع الدليل»
يقول قائلهم بصوت جهوري: «نحن نتبع الدليل، ولا كرامة لمبتدع كائناً من كان!». كلمة حق.. ولكنها ككلمة الخوارج «إن الحكم إلا لله»؛ يُراد بها باطل.
عندما تغوص في أعماق منهجهم، تجد أن «الدليل» عندهم ليس النص الشرعي بفهم سلف الأمة، بل هو «فهمهم هم» للنص! فمن خالف فهمهم، أو عذر عالماً أخطأ عن اجتهاد، صار عندهم في عداد المبتدعة المارقين.
هذا المنهج الإقصائي يرفع عن نفسه عبء البحث العلمي، ويستعيض عنه بـ«الإرهاب الفكري». فبدلاً من أن يشرح للمخالف وجه الخطأ بأدب، يسارع إلى رجمه بألقاب البدعة؛ لأن هذه الكلمات أسهل من مقارعة الحجة بالحجة، وتعطيه وهماً بأنه حارس العقيدة الأوحد.
افتعال المعارك الوهمية
وهنا مقتلٌ من مقاتل هذه الطائفة؛ إنهم يتركون أعداء الإسلام الحقيقيين من ملاحدة وعلمانيين ومفسدين، ليوجهوا سهامهم المسمومة إلى صدور أئمة الأمة!
يتركون من ينكر وجود الله، ليقيموا الدنيا ولا يقعدوها حول زلة تأويل للإمام النووي، أو الحافظ ابن حجر، أو الإمام أبي حنيفة. سبحانك ربّي! أهذا هو فقه الأولويات؟
نعم، خطر أهل الأهواء عظيم، ولكن هل هؤلاء الجبال الذين نصروا السنة، وذبوا عن الحديث، وقمعوا الزنادقة، هم رؤوس النفاق الذين حذر منهم السلف؟ من سوّى بين الإمام النووي وبين الجهم بن صفوان، فهو إما أجهل الناس بمقامات الرجال، أو أسوأهم قصداً.
التناقض الذي يفضحهم
يبرز هنا تناقض صارخ؛ فتراهم يتمسحون بأسماء شيخ الإسلام ابن تيمية وابن باز والألباني وابن عثيمين، فإذا جئناهم بكلام هؤلاء الأئمة أنفسهم في الثناء على النووي وابن حجر وإعذارهم، أصابهم الخرس، أو زعموا أن الأئمة جاملوا أو لم يتبين لهم الحق!
فيا عجباً! الألباني وابن عثيمين وابن باز، لم يتبين لهم الحق، وتبين لحدثاء الأسنان في قنوات اليوتيوب؟! إن كنتم تخطئون هؤلاء الأكابر وتعتبرونهم «متساهلين»، فلماذا تتسترون بأسمائهم إذن؟ أليس هذا من أعظم التدليس؟
المآل الكارثي: صناعة الإلحاد
يا من سلكت هذا الدرب، ألا تدري ماذا تصنع؟ إنك لا تسقط شخص النووي أو ابن حجر، بل تهدم الجسر الذي يربط الأمة بتراثها ونبيها. إذا أسقطنا شراح الحديث وأئمة المذاهب، فمن أين تتلقى الأمة دينها؟ هل من مقاطع فيديو يملؤها السب والشتم؟
إن المآل الحتمي لهذا المنهج هو الإلحاد. الشاب الذي يتربى على أن الأمة كلها قد ضلت الطريق لقرون طويلة، وأن علماءها مجرد مبتدعة ضلال، سينتهي به المطاف إلى الكفر بهذا الدين؛ لأنه سيقول لنفسه: أين حفظ الله للدين إذا كان ناقلوه أهل ضلال؟!
وصية مشفقة
يا أخي الباحث عن النجاة.. إياك أن تغرك تلك الجعجعة. العلم رحمة، والعالم الرباني يبني ولا يهدم، ويعذر من يستحق العذر. أما الذين نصبوا أنفسهم قضاة على النيات، وجلادين لتاريخ الأمة، فهم قطاع طرق حالوا بين الناس وبين نور العلم.
احذر أن تلطخ صحيفتك بأعراض العلماء، واحذر أن تلقى الله بقلب مشحون بالغل على أولياء دينه. فإن لحوم العلماء مسمومة، ومن ابتلي بسبهم، ابتلاه الله قبل موته بموت القلب.
