رسالة إلى الحدادية · 38 من 89

شُعْبَةُ بْنُ الْحَجَّاجِ يَوْمَ مَاتَ أَبُو حَنِيفَة: «ذَهَبَ مَعَهُ فِقْهُ الْكُوفَة»

كُنَّا عِنْدَ شُعْبَةَ بْنِ الْحَجَّاجِ، فَقِيلَ لَه: مَاتَ أَبُو حَنِيفَة، فَقَالَ شُعْبَة: لَقَدْ ذَهَبَ مَعَهُ فِقْهُ الْكُوفَة، تَفَضَّلَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ بِرَحْمَتِه. وَكَانَ شُعْبَةُ حَسَنَ الرَّأْيِ فِي أَبِي حَنِيفَة.

البيانتَأَمَّلُوا يَرْحَمُكُمُ اللَّهُ كَيْفَ تَتَجَلَّى أَخْلَاقُ الْكِبَارِ، وَسَلَامَةُ صُدُورِهِمْ، وَإِنْصَافُهُمْ! انْظُرُوا إِلَى إِمَامِ الْمُحَدِّثِينَ وَأَمِيرِهِمْ فِي الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ (شُعْبَةُ بْنُ الْحَجَّاجِ)، كَيْفَ تَلَقَّى خَبَرَ وَفَاةِ الْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَة، إِمَامِ مَدْرَسَةِ الرَّأْيِ الْمُبَايِنَةِ لِمَدْرَسَتِهِ.. لَقَدْ رَثَاهُ بِكَلِمَةٍ تُكْتَبُ بِمَاءِ الذَّهَبِ، وَأَقَرَّ لَهُ بِالسَّبْقِ وَالْإِمَامَةِ وَالْفِقْهِ، ثُمَّ دَعَا لَهُ بِالرَّحْمَةِ، وَجَمَعَ نَفْسَهُ مَعَهُ فِي الدُّعَاءِ مُتَوَاضِعًا: «تَفَضَّلَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ بِرَحْمَتِه»!

وَهُنَا الْمَقْتَلُ الْمَنْهَجِيُّ الَّذِي يَفْضَحُ الْغُلَاة: إِنَّ قَائِلَ هَذِهِ الْكَلِمَةِ الْمُنْصِفَةِ لَيْسَ رَجُلًا عَابِرًا لِيُتَّهَمَ بِالْجَهْلِ وَالتَّمْيِيعِ؛ بَلْ هُوَ (الْإِمَامُ شُعْبَة)؛ أَمِيرُ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ الَّذِي تُشَدُّ إِلَيْهِ الرِّحَالُ، وَتُبْنَى عَلَيْهِ الْأَحْكَامُ فِي عِلْمِ الرِّجَال. وَبِمُوجَبِ قَوَاعِدِ الْحَدَّادِيَّةِ الْيَوْمَ، فَإِنَّ الْإِمَامَ شُعْبَةَ يُعَدُّ فِي مِيزَانِهِمُ الْمُخْتَلِّ "مُوَقِّرًا لِأَهْلِ الْبِدَعِ وَمُمَجِّدًا لَهُمْ"! فَكَيْفَ يَنْجُو شُعْبَةُ مِنْ مِقْصَلَتِهِمْ وَقَدْ أَثْنَى عَلَى إِمَامٍ يَرْمُونَهُ هُمْ بِالضَّلَالِ، بَلْ وَدَعَا لَهُ بِالرَّحْمَةِ وَضَمَّ نَفْسَهُ إِلَيْه؟!

إِنَّ السَّلَفِيَّةَ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ انْتِقَاءٍ لِمَوَاقِفِ الشِّدَّةِ التَّارِيخِيَّةِ لِتُبَدِّعَ بِهَا النَّاسَ الْيَوْمَ، وَتَتَجَاهَلَ مَوَاقِفَ الرَّحْمَةِ وَالْإِنْصَافِ مَتَى مَا خَالَفَتْ هَوَاك! فَإِنْ كَانَ أَمِيرُ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ يَحْمِلُ هَذَا الْإِنْصَافَ وَحُسْنَ الرَّأْيِ، وَيَتَرَحَّمُ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ، فَمَنْ ذَا الَّذِي يَجْرُؤُ عَلَى تَقْدِيمِ رَأْيِهِ الْعَفِنِ الْيَوْمَ عَلَى مِيزَانِ الْإِمَامِ شُعْبَة؟!

فَيَا أَيُّهَا الْمُتَعَالِمُ الْمَفْتُون: إِذَا كَانَ مِيزَانُكَ يَقْتَضِي تَبْدِيعَ أَوْ تَضْلِيلَ مَنْ يَتَرَحَّمُ عَلَى الْأَئِمَّةِ الْمُخَالِفِينَ وَيُقِرُّ لَهُمْ بِالْفِقْهِ، فَابْدَأْ بِتَبْدِيعِ الْإِمَامِ شُعْبَةَ بْنِ الْحَجَّاجِ وَإِسْقَاطِهِ إِنْ كُنْتَ تَمْلِكُ شَجَاعَةَ الْخَوَارِجِ! وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ -وَلَنْ تَفْعَلَ- فَاعْلَمْ أَنَّ مَنْهَجَكَ الْإِسْقَاطِيَّ بَاطِلٌ مُتَنَاقِضٌ مِنْ أَسَاسِه.

لَقَدِ اقْتَطَعْتُمْ مِنْ تُرَاثِ السَّلَفِ قَسْوَةَ الْأَلْفَاظِ الَّتِي اقْتَضَتْهَا بَعْضُ الْمَوَاقِفِ التَّارِيخِيَّةِ، وَتَجَرَّدْتُمْ تَمَامًا مِنْ رَحْمَةِ السَّلَفِ وَإِنْصَافِهِمُ الَّذِي تَجَلَّى فِي أَمِيرِ الْمُحَدِّثِين.