ابْنُ تَيْمِيَّة: دَفْعُ التَّكْفِيرِ عَنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَحَقِّ الْأَغْرَاضِ الشَّرْعِيَّة
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّة: وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْمَنْعَ مِنْ تَكْفِيرِ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ تَكَلَّمُوا فِي هَذَا الْبَابِ، بَلْ دَفْعَ التَّكْفِيرِ عَنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَإِنْ أَخْطَؤُوا: هُوَ مِنْ أَحَقِّ الْأَغْرَاضِ الشَّرْعِيَّة.
البيانوَثِيقَةٌ تَيْمِيَّةٌ تَقْلِبُ الْمَوَازِينَ، وَتَجْعَلُ الذَّبَّ عَنْ أَعْرَاضِ الْأَئِمَّةِ الْمُخْطِئِينَ قِمَّةً فِي تَحْقِيقِ مَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ، لَا تَمْيِيعًا لَهَا!
انْظُرْ إِلَى الرُّتْبَةِ السَّامِيَةِ الَّتِي أَنْزَلَ فِيهَا الْإِمَامُ هَذِهِ الْقَضِيَّة: «مِنْ أَحَقِّ الْأَغْرَاضِ الشَّرْعِيَّة». فَلَمْ يَجْعَلِ الدِّفَاعَ عَنِ الْعُلَمَاءِ (تَقْدِيسًا لِلْأَشْخَاصِ) أَوْ (مَنْهَجًا فَاسِدًا) كَمَا يُرْجِفُ بِهِ الْحَدَّادِيَّةُ الْيَوْم!
وَلَمْ يَجْعَلْهُ حَتَّى مُجَرَّدَ فِعْلٍ (مُبَاحٍ) أَوْ (مَنْدُوبٍ)؛ بَلِ ارْتَقَى بِهِ لِيَكُونَ (قَصْدًا شَرْعِيًّا وَغَرَضًا رَبَّانِيًّا) فِي أَعْلَى مَرَاتِبِ الدِّين.
وَهُنَا مَرْبِطُ الْفَرَسِ الَّذِي يَفْضَحُ إِرْهَابَ الْغُلَاةِ؛ فَالْقَوْمُ يُمَارِسُونَ تَرْهِيبًا نَفْسِيًّا لِيُصَوِّرُوا الذَّبَّ عَنِ الْأَئِمَّةِ كَأَبِي حَنِيفَةَ وَالنَّوَوِيِّ وَكَأَنَّهُ (تَنَازُلٌ وَتَمْيِيعٌ وَتَسَاهُلٌ) يَجِبُ أَنْ تَسْتَحِيَ مِنْهُ وَتَعْتَذِرَ عَنْهُ!
بَيْنَمَا يَجْعَلُهُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ (مَقْصِدًا شَرْعِيًّا) يُطْلَبُ لِذَاتِهِ، يُنَافِحُ عَنْهُ أَئِمَّةُ السُّنَّة. فَالْقَضِيَّةُ عِنْدَهُ مَطْلُوبَةٌ شَرْعًا، لَا مُجَرَّدَ مَسْأَلَةٍ ذَوْقِيَّة.
ثُمَّ تَأَمَّلِ الْقَيْدَ التَّيْمِيَّ الْعَبْقَرِيَّ: «وَإِنْ أَخْطَؤُوا»! فَالدِّفَاعُ عَنِ الْأَئِمَّةِ وَالذَّبُّ عَنْهُمْ لَيْسَ مَشْرُوطًا بِسَلَامَتِهِمْ مِنَ الْأَخْطَاءِ، وَإِلَّا بَطَلَ مَعْنَى النَّصِّ أَصْلًا؛ فَالْعَالِمُ الْمَعْصُومُ الَّذِي لَمْ يُخْطِئْ لَا يَحْتَاجُ إِلَى مَنْ يَدْفَعُ عَنْهُ غَائِلَةَ التَّكْفِيرِ وَالتَّبْدِيع!
وَبِهَذَا التَّأْصِيلِ يَتَبَيَّنُ فَسَادُ مَسْلَكِ الْحَدَّادِيَّةِ فِي تَرْهِيبِ شَبَابِ الْمُسْلِمِينَ وَإِسْكَاتِهِمْ حَتَّى لَا يُدَافِعُوا عَنْ أَئِمَّتِهِم.
فَهُمْ يَبْتَزُّونَكَ بِـ "الْخَطَأ" لِيَمْنَعُوكَ مِنَ الدِّفَاعِ، وَابْنُ تَيْمِيَّةَ يُقَرِّرُ أَنَّ الدِّفَاعَ عَنِ الْعَالِمِ (وَاجِبٌ وَغَرَضٌ شَرْعِيٌّ) حَتَّى مَعَ ثُبُوتِ ذَلِكَ الْخَطَأ!
فَلَا تَسْتَوْحِشْ أَيُّهَا السُّنِّيُّ الصَّادِقُ مِنْ نَعِيقِ الْغُلَاةِ، وَلَا تُرْهِبْكَ أَلْسِنَتُهُمُ الْحِدَادُ؛ فَوَاللَّهِ إِنَّ ذَبَّكَ عَنْ أَعْرَاضِ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ لَيْسَ تَمْيِيعًا، بَلْ هُوَ تَحْقِيقٌ لِأَحَقِّ الْأَغْرَاضِ الشَّرْعِيَّة.
وَأَمَّا أَنْتَ أَيُّهَا الْمَفْتُونُ بِالْإِسْقَاطِ؛ فَاتَّقِ اللَّهَ، وَاعْلَمْ أَنَّكَ بِصَنِيعِكَ هَذَا إِنَّمَا تُصَادِمُ (مَقَاصِدَ الشَّرِيعَةِ) وَجْهًا لِوَجْهٍ، فَكَيْفَ تَرْجُو النَّجَاةَ غَدًا وَأَنْتَ تَهْدِمُ بِعَمَلِكَ مَا أَمَرَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ بِحِفْظِهِ وَصِيَانَتِهِ؟!
