ابْنُ الْمَدِينِيِّ وَالْقَطَّان: لَوْ هُجِرَ كُلُّ مَنْ فِيهِ بِدْعَةٌ أَوْ رَأْيٌ «خَرِبَتِ الْكُتُب»
قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيّ: قُلْتُ لِيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّان: إِنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مَهْدِيٍّ قَال: أَنَا أَتْرُكُ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ كُلَّ مَنْ كَانَ رَأْسًا فِي بِدْعَة. فَضَحِكَ يَحْيَى وَقَال: كَيْفَ يَصْنَعُ بِقَتَادَة؟ كَيْفَ يَصْنَعُ بِعَمْرِو بْنِ ذَرٍّ الْهَمْدَانِيّ؟ كَيْفَ يَصْنَعُ بِابْنِ أَبِي رَوَّاد؟ - وَعَدَّ قَوْمًا - ثُمَّ قَال: إِنْ تَرَكَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ هَذَا الضَّرْبَ تَرَكَ كَثِيرًا. وَقَالَ ابْنُ الْمَدِينِيّ: لَوْ تَرَكْتُ أَهْلَ الْبَصْرَةِ لِحَالِ الْقَدَر، وَلَوْ تَرَكْتُ أَهْلَ الْكُوفَةِ لِذَلِكَ الرَّأْي، خَرِبَتِ الْكُتُب.
البيانقِفُوا يَرْحَمْكُمُ اللَّهُ عِنْدَ هَذِهِ الْمُحَاكَمَةِ التَّارِيخِيَّةِ الْقَاطِعَة! فَهُنَا تُعْرَضُ أَعْظَمُ قَوَاعِدِ الْغُلَاةِ الْيَوْمَ (إِسْقَاطُ كُلِّ مَنْ وَقَعَ فِي بِدْعَةٍ أَوْ خَطَأ) عَلَى كِبَارِ جَهَابِذَةِ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيل، لِتَسْقُطَ سُقُوطًا مُدَوِّيًا.
انْظُرُوا أَوَّلًا إِلَى رِدَّةِ فِعْلِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّان: «فَضَحِكَ يَحْيَى»! لَمْ يُطِلْ فِي الْمُنَاظَرَة، وَلَمْ يَتَشَنَّجْ لِيَرُدّ، بَلْ ضَحِكَ مُسْتَخِفًّا بِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ الْخَيَالِيَّةِ الَّتِي تَنْهَارُ بِمُجَرَّدِ مُحَاوَلَةِ تَطْبِيقِهَا عَلَى أَرْضِ الْوَاقِع. وَهَذِهِ الضَّحْكَةُ مِنْ إِمَامِ الْمُحَدِّثِينَ هِيَ أَبْلَغُ رَدٍّ عَلَى كُلِّ قَاعِدَةٍ يَبْتَكِرُهَا الْغُلَاة؛ يَبْدُو ظَاهِرُهَا "الْحَزْمُ وَالْغَيْرَةُ عَلَى الْعَقِيدَة"، وَحَقِيقَتُهَا وَبَاطِنُهَا "هَدْمٌ لِلدِّينِ وَتَضْيِيعٌ لِلسُّنَّة".
ثُمَّ أَلْقَى يَحْيَى بِحُجَّتِهِ الدَّامِغَةِ قَائِلًا: «كَيْفَ يَصْنَعُ بِقَتَادَة؟!». وَقَتَادَةُ هُوَ حَافِظُ الْعَصْرِ وَمُفْتِيه، وَلَكِنَّهُ رُمِيَ بِالْقَدَر! وَهَكَذَا يَحْيَى يَسُوقُ أَسْمَاءَ الْجِبَالِ الَّذِينَ تَلَبَّسُوا بِبَعْضِ الْبِدَع، ثُمَّ يَخْتِمُهَا بِقَوْلِه: «إِنْ تَرَكَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ هَذَا الضَّرْبَ، تَرَكَ كَثِيرًا». وَهَذَا هُوَ مَا يُسَمِّيهِ الْعُلَمَاءُ "الْإِلْزَامَ بِالنَّتِيجَةِ الْمُدَمِّرَة"؛ فَلَوْ أَسْقَطْنَا كُلَّ مَنْ أَخْطَأَ فِي التَّأْوِيلِ أَوْ وَقَعَ فِي بِدْعَة، لَمَا بَقِيَ لَنَا مِنْ تُرَاثِ الْأُمَّةِ وَحُفَّاظِهَا أَحَد!
وَتَكْتَمِلُ الضَّرْبَةُ الْقَاضِيَةُ بِكَلِمَةِ الْإِمَامِ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ الَّتِي تَرْتَجِفُ لَهَا الْقُلُوب: «خَرِبَتِ الْكُتُب!» أَيْ لَضَاعَ الْحَدِيث، وَلَانْدَرَسَتِ السُّنَن، وَلَتَمَزَّقَ الدِّين. فَإِنَّ نَقَلَةَ الشَّرِيعَةِ وَحُفَّاظَ الْأَسَانِيد؛ فِيهِمْ مَنْ رُمِيَ بِالْقَدَر، وَفِيهِمْ مَنْ رُمِيَ بِالْإِرْجَاء، وَفِيهِمْ مَنْ رُمِيَ بِالتَّشَيُّع! فَلَوْ طُبِّقَتْ قَاعِدَةُ الْحَدَّادِيَّةِ الْيَوْمَ فِي إِسْقَاطِ الْمُخَالِف، لَضَاعَ دِينُ الْإِسْلَامِ وَانْقَطَعَ سَنَدُه!
وَهُنَا نَقِفُ لِنُلْجِمَ الْحَدَّادِيَّ بِحُجَّةٍ لَا قِبَلَ لَهُ بِرَدِّهَا: يَا هَذَا! إِنَّ كُلَّ حَدِيثٍ صَحِيحٍ تَحْتَجُّ بِهِ الْيَوْمَ لِتُبَدِّعَنَا بِه، وَكُلَّ آيَةٍ تَقْرَأُ تَفْسِيرَهَا، إِنَّمَا وَصَلَتْكَ عَبْرَ أَسَانِيدِ هَؤُلَاءِ الرِّجَالِ وَهَذِهِ الطَّبَقَات. فَإِنْ أَسْقَطْتَ كُلَّ مَنْ أَخْطَأَ وَتَلَبَّسَ بِبِدْعَةٍ (كَمَا تَقْتَضِي قَاعِدَتُك)، فَقَدْ هَدَمْتَ أَسَانِيدَك، وَخَرَّبْتَ كُتُبَك، وَأَضَعْتَ دِينَكَ بِيَدِك! وَإِنْ أَبْقَيْتَهُمْ وَرَوَيْتَ عَنْهُمْ وَقَبِلْتَ عِلْمَهُم، فَقَدْ أَقْرَرْتَ رَغْمًا عَنْ أَنْفِكَ بِـ "قَاعِدَةِ الْعُذْرِ وَالتَّكَامُل" الَّتِي بُنِيَ عَلَيْهَا مَنْهَجُ السَّلَف، وَسَقَطَ مَنْهَجُك!
فَيَا أَيُّهَا الْمُتَعَالِمُ الْمَفْتُون: حِينَمَا تُحَاكِمُ أَئِمَّةَ الْإِسْلَامِ بِقَاعِدَةِ الْإِسْقَاطِ وَالتَّبْدِيع، فَتَذَكَّرْ ضَحْكَةَ يَحْيَى بْنِ سَعِيد، وَاعْلَمْ أَنَّكَ لَا تَهْدِمُ الْأَشْخَاصَ كَمَا تَتَوَهَّم، بَلْ تَسْعَى -بِجَهْلِكَ وَغِلْظَتِكَ- إِلَى أَنْ (تُخَرِّبَ الْكُتُب) وَتَهْدِمَ الدِّين.
وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي حَفِظَ دِينَهُ بِأَئِمَّةِ الْعَدْلِ وَالْإِنْصَاف.
