العالم الذي أحببته.. كيف جعلوك تكرهه بإشارة إصبع؟

12 أغسطس 2026 شؤون إسلامية

يا أخي، تأمل في حال قلبك؛ ما أسرعه حين يُقاد من أذنه! بالأمس كنت تسمع لعالمٍ جليل فتقول: «ما أرسخه، وما أصفى طريقته، وكم انتفعت به». ثم تكلّم فيه متصدرك الذي تقدسه دون أن تشعر، فاستيقظت في اليوم التالي كأنك لم تعرف لذلك العالم فضلاً، ولم تدعُ له يوماً! لم تتدرج من المحبة إلى التوقف، ومن التوقف إلى البحث والإنصاف، بل قفزت من «الولاء المطلق» إلى «الإدانة العمياء» في مقطع يوتيوب واحد!

أسألك بالله، قف هنا واختبر عقلك: كيف تتحول حسنات عالم وتاريخه إلى حطام، لأن رجلاً أشار بيده إلى زلة له، أو أطلق عليه لقباً؟ إن كانت حجته قوية، فلتغير حكمك بقدرها، أما أن تمحو تاريخاً كاملاً بإشارة، فهذه ليست «مراجعة علمية»، بل هي «طاعة وجدانية» عمياء لم تشعر بها!

العدل لا يتبدل عند باب المحبوب

قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾. إذا كان العدل واجباً ولو على النفس، فهو واجب مع العالم الذي أحببته، ومع العالم الذي لقنوك بغضه! القسط لا يسأل أولاً: «من معنا؟»، بل يسأل: «ماذا ثبت؟».

يقول الإمام الذهبي في ترجمة محمد بن نصر المروزي: «ولو بدّعنا وهجرنا كل إمام أخطأ في اجتهاده، لما سلم كبار الأئمة»، ثم استعاذ بالله من الهوى والفظاظة. لم يمنع الذهبي نقد الخطأ، لكنه منع أن تتحول الزلة إلى نار تأكل صاحبها كله. فكيف صار تحقير عالمٍ خدم الدين عبادةً تتقرب بها، لمجرد أن حزبك الجديد قرر أن هذا هو امتحان الغيرة؟!

دفتر قديم يفضح ولاءك الجديد

خذ دفتراً يا بني، واكتب أسماء عشرة علماء كنت تحبهم قبل أن تدخل هذا النفق المظلم. اكتب سبب محبتك: علمه، صبره، كتابه الذي هداك. ثم اكتب سبب انقلابك عليه!

ستكتشف الحقيقة المرة: إما أنك سمعت حكماً ولم تقرأ دليله فصار «يقين غيرك هو يقينك»، وإما أن العالم لم يتغير، لكن علاقته بمتصدرك هي التي تغيرت! فمدحه بالأمس فسار المدح في الصف، وخاصمه اليوم فسارت الخصومة في الصف! هل دين الله يُعاد ترتيبه كلما تبدلت علاقات الرجال؟!

ماذا لو وقع فيها متصدرك؟ (امتحان الإنصاف)

قد تقول: «ولكن ظهرت لنا حقيقة الرجل وبدعته!». نعم، الرجال يتغيرون ولا عصمة لأحد، لكن أسألك سؤالاً لا تحبه النفوس المتحزبة: العبارة التي أسقطت بها ذلك العالم، لو قالها شيخك الجديد ومحبوبك الحالي، هل كنت ستسقطه وتنسف تاريخه؟!

إن قلت: «لا، لأن لشيخي حسنات وسوابق ومقاصد ألتمس له بها العذر»، فقد اعترفت بلسانك بوجوب العدل الذي منعته عن العالم الأول! وإن قلت: «نعم»، فطبّقه الآن ولا تتردد؛ فالعدل لا يعرف بطاقة العضوية في حزبك! العقيدة التي تعلمك أسماء الله وصفاته، تعلمك أنه حرّم الظلم وجعله محرماً بين عباده.

لماذا يسهل هذا الانقلاب المهلك؟

لأن الحكم المسبق يمنح النفس نشوة خفية؛ نشوة الانتماء للصف صاحب الصوت العالي، ونشوة اكتشاف «سر» يجهله العوام. يظن الشاب المغرور أنه تحرر من التقليد، وهو لم يفعل شيئاً سوى أنه نقل «تبعيته» من اسم إلى اسم!

يا مسكين، تأمل ماذا يحدث لقلبك! في البداية تكره رجلاً، ثم قائمة من الرجال، ثم تكره كل من لا يكره هذه القائمة، ثم تكره كل من طلب منك التثبت! يضيق العالم من حولك، وتتوهم أنك «الناجي الوحيد». وبعد مدة، لا يبقى في قلبك عالم آمن، وتتحول الأمة عندك إلى مقبرة، وتصبح أنت - الشاب قليل البضاعة - حارساً على قبور الأئمة! والله إن هذه ليست صيانة للسنة، بل هي صناعة قلب لا يعرف إلا الغل والاشتباه.

وصية مشفقة

يا طالب النجاة، المحبة الشرعية ليست زِراً في يد متصدر يضيئه لهذا ويطفئه عن ذاك! إذا سمعت بإسقاط عالم كنت تعرف فضله؛ فلا تنشر الحكم في ساعة الغضب، وافصل بين «ثبوت الخطأ» وبين «نسف القائل».

لا تُسلم قلبك لحركة الأصابع، ارجع إلى أول عالم أحببته ثم أبغضته بإشارة، اقرأ له بعيداً عن ضجيجهم، وادعُ الله أن يريك الحق حقاً. ربما تثبت على نقده ولكن بعدل، وربما تكتشف أنك خاصمت فضلاً كثيراً بسبب زلة يسيرة. من رد مظلمة عالمٍ اليوم لم يخسر جماعته، بل استعاد قلبه لله، ومن استعاد قلبه بدأ طريق النجاة.

كلّ المقالات منهج التوثيق والتصحيح