هل هذا رأيك أم صدى الجماعة؟.. فتنة العقل المستعار

12 أغسطس 2026 شؤون إسلامية

يا أخي، تأمل بعمق: أخطر ما تفعله بك العصبية ليس أن تعطيك جواباً خاطئاً، بل أن تجعلك تنسى أنك لم تبحث عن الجواب أصلاً! تسمع اسماً، فتتحرك في داخلك قائمة جاهزة: «هذا مبتدع، وهذا ضال». تسأل نفسك: من أين جاءتني هذه الأحكام؟ فتجد أنك تحفظ النتيجة ولا تملك الدليل؛ تغضب إذا نوقشت، لا لأن البرهان انكسر، بل لأن الجدار الذي احتميت به اهتز.

إن الرجل قد يستعير ثوباً ويرده، أما أن «يستعير عقله وضميره» فهذه خسارة مهلكة! تصير عيناك في وجهك لكن متصدرك يختار لك ما ترى، الحساب يوم القيامة حسابك وحدك، مع أنك عشت حياتك تجيب بجواب غيرك!

الله لم يخلق قلبك ليكون غرفة صدى

تأمل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾. لم يقل إن الجماعة أو الشيخ سيكونون مسؤولين عن سمعك، بل أنت! كل تهمة نشرتها وكل حكم رددته سيُسأل عنه فؤادك. لن ينفعك أن تقول: «هكذا قال شيخنا في المقطع». السؤال سيكون: هل تثبتَّ؟ هل عدلت؟

لقد قال ابن سيرين: «إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم». أمره بالنظر، ولم يقل: «استسلم وسلم مفاتيح ضميرك لمن تحب».

اختبار يكشف «الجواب المستعار»

ضع ورقة واكتب خمس قضايا اشتد فيها لسانك على الدعاة أو العلماء (عالم أسقطته، مخالف كفرته أو بدعته). ثم اكتب تحت كل حكم: النص الكامل الذي بنيت عليه، والقاعدة الشرعية. فإن لم تجد إلا «مقطعاً مجتزءاً» أو تغريدة غاضبة أو شعار «الأمر واضح لا يجادل فيه إلا مميع»، فاعلم يا بني أنك لم تحصل على «جواب علمي»، بل حصلت على «كلمة سر» للانتماء للحزب!

وجرّب امتحان الإنصاف: تخيل أن العبارة التي أسقطت بها المخالف صدرت عن شيخك الذي تحبه؛ هل كنت ستقول «زلة لسان وتأويل»؟ إن تغيرت القواعد بتغير الأسماء، فاعلم أن الذي يحكم قلبك هو الولاء لا الدليل. لا تحتاج الجماعة أن تأمرك بالظلم صراحة، بل يكفي أن تعلمك أين تفتح باب العذر، وأين تغلقه!

هل تتبع الدليل أم تتبع «فهمهم» للدليل؟

قد تقول: «نحن لا نقلد أحداً، بل اجتمعنا على الدليل!». دعوى محترمة، لكن إن كنت تتبع الدليل حقاً، فستفرح بمن يصحح لك فهمه، وستقبل النص كاملاً ولو هدم مقطعاً أحببته.

أما إذا صار كل من ناقش شيخك «عدواً للسنة»، وكل عالم خالفه «جاهلاً بالواقع»، فقد تحولت كلمة «نتبع الدليل» إلى ستار يحجب حقيقة أنك تتبع «تفسير رجل واحد» للدليل! العالم الرباني يربيك لتعبد الله على بصيرة، لا لتكون نسخة عمياء منه.

لا تجعل كثرة الأصوات بديلاً عن البينة

العصبية تمنح الشاب دفئاً خادعاً؛ يجد من يصفق له إذا أسقط عالماً، فيشعر بنشوة أنه من «القلة الناجية». يختلط عليه نور الحق بلذة التميز، ويظن أنه يغار لله، بينما هو يغار على مكانه في مجموعته!

الهوى نادراً ما يقول لك: «اتبعني»، بل يلبس ثوب الغيرة ويهمس: «لا تتراجع كي لا يشمتوا بك، لا تنصف خصمك كي لا يصفوك بالتمييع».

وصية مشفقة

يا أخي الباحث عن النجاة، تذكر أن الذين يصفقون لك اليوم لن يحملوا عنك غداً سيئة واحدة. ستتفرق المجموعات، وتُحذف المقاطع، وتبقى في صحيفتك أعراض المسلمين التي تناولتها بغير علم.

أستحلفك بالله، ابدأ اليوم بحكم واحد كنت تردده بلا بحث. أوقف نشره، واسأل بصدق: هل هذا رأيي الذي ألقى الله عليه ببينة، أم هو صدى جماعة أحببتها؟ استرد عقلك لله؛ فإن استقلال الضمير لا يعني الخروج على العلماء، بل يعني أن تنتفع بهم دون أن تجعل رأيهم وحياً معصوماً.

كلّ المقالات منهج التوثيق والتصحيح