ليس كل توقف جبناً.. متى تكون «لا أدري» نصف العلم؟
يا أخي، تأمل بإنصاف: ليست كل كلمة متأخرة خيانة، ولا كل فم أغلقه العلم فماً جباناً. قد يكون الرجل أجرأ الناس في مجلسه، لكنه يقف موقف الواجف أمام كلمة «لا أدري»؛ لأنها تنزع عنه صورة العارف بكل شيء.
حديثي هنا عن قاعدة مقلوبة راجت بين بعض شبابنا: تصوير التثبت ضعفاً، و«لا أدري» تمييعاً، والجواب السريع في أعراض المخالفين غيرةً وشجاعة! إنما الشجاعة الحقيقية أن تقول ما تعلم، وتقف حيث ينتهي علمك.
كلمة تحرس باباً عظيماً
انظر أين وضع القرآن مسألة القول بلا علم، لقد قرنها بالشرك والفواحش: ﴿وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. لأن المتصدر للكلام في دين الناس، لا يطرح رأياً شخصياً، بل يوقّع عن رب العالمين! فإذا لم يكن متيقناً، فقد ألبس ظنّه لباس الوحي.
ومن رحمة الله أنه لم يكلفك أن تعرف كل شيء، بل كلفك أن تسأل عما تجهل. «لا أدري» ليست نهاية الطريق؛ بل هي اللوحة التي تدلك على النجاة.
النبي ﷺ يعلمنا حدود العلم
في حديث جبريل المشهور، لما سُئل النبي ﷺ عن موعد الساعة، قال بشفافية النبوة: «ما المسؤول عنها بأعلم من السائل». لم يملأ الفراغ بتخمين، ولم يعتبر الاعتراف بحدود العلم نقصاً في مقام النبوة! قال لا أعلم وقتها، ثم أجاب بما يعلم من أشراطها.
فإذا كان سيد الخلق قد علّم الأمة أن للعلم حداً يقف عنده اللسان، فمن الذي جعل الشاب المبتدئ مطالباً بموقف حاسم في كل نازلة، وإطلاق حكم باتّ في كل عالم وداعية؟ هذا لا يصنع طلاب علم، بل يصنع آلات من الجرأة والثقة الفارغة من المعرفة!
إلزام لا مخرج منه
يا من تبتدر الأحكام القاسية، أسألك بالله: لو ذهبت لطبيب، هل تعتبر إحالته لك إلى مختص آخر جبناً؟ هل ترى طلب التحليل تمييعاً للمرض؟ بل لو جزم لك بتشخيص خطير من نظرة عابرة، لعددت ذلك خيانة لمهنته.
فكيف صار دين الإنسان، وعرضه، وتاريخه، أهون عندك من جسدك؟ لماذا تطلب للبدن اختصاصاً وقرائن، ثم تكتفي في الدين بانطباع وعبارة منقولة وتغريدة مبتورة لتسقط بها مسلماً؟!
التوقف المحمود ليس كسلاً
البعض يظن أن «لا أدري» تفتح باباً لأهل الباطل. وهذا تلبيس! التوقف المحمود ليس هروباً، بل هو عمل ومسؤولية. قد تتوقف لأن الخبر لم يثبت، أو لأن العبارة محتملة فتحتاج إلى سؤال أهل الفن.
الفاصل ليس في سرعة الجواب، بل في سببه: أتوقف لأن شروط العلم لم تكتمل؟ هذا أمانة. أم أسكت عن بيان الحق بعد اكتماله لغرض دنيوي؟ هذا تقصير. ومن جمعهما تحت اسم الجبن فقد ظلم نفسه وظلم العلم.
وصية مشفقة للنجاة
يا أخي الباحث عن النجاة، قد ترفعك «لا أدري» عند الله في اللحظة التي تظن أنها تصغرك عند الناس. سينتهي المجلس، وتُدفن التغريدة تحت آلاف التعليقات، ويبقى ما سُطّر في صحيفتك.
لا تشترِ صورة «العالم المحيط» بدينك. ليس العيب أن تجهل مسألة؛ فما من بشر أحاط بالعلم. العيب أن تملأ المسافة بين ما تعرف وما لا تعرف بتهمة باطلة. قلها اليوم لله لا خوفاً من الناس: «لا أدري». ثم اسأل حتى تدري، وقف مرة أخرى إذا انتهى علمك؛ فوالله من فعل ذلك لم يصغر، بل خرج من ضيق العُجب إلى سعة العبودية.
